حين يتصدّع التحالف… كيف تحوّل ملف سقوط صنعاء إلى سلاح في صراع الرياض وأبوظبي؟
يُقال إنه عندما يختلف الحلفاء تطفو الملفات على السطح، ويستخدم كل طرف ما بحوزته من أوراق ضد الطرف الآخر في ساحات الاختلاف السياسي المختلفة، وهذا ما ينطبق في هذه الأيام على السعودية والإمارات اللتين تشهد علاقاتهما توتراً وخلافاً وُصف من قبل الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله بأنه الأسوأ في تاريخ البلدين، ويرجع أساس هذا الخلاف بالدرجة الأولى إلى الملف اليمني.
ففي يوم الاثنين السادس عشر من الشهر الجاري، بثّت قناة الغد المموّلة من الإمارات تقريراً تلفزيونياً تجاوزت مدته ثلاث دقائق، أعادت فيه فتح ملف تسليم العاصمة صنعاء للحوثيين في 21 سبتمبر 2014، في محاولة لعكس السردية التي تبناها الجنرال السعودي أنور عشقي، والتي قال فيها إن أبوظبي دعمت الحوثيين بأموال كبيرة لاستهداف سياسي لم يسمّه، في إشارة إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح.
وقد حمل التقرير دلالات متعددة على مستوى السياق الزمني والسياسي، والرسائل التي أراد القائمون على القناة توجيهها إلى الرياض، بحيث بدا أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى مادة إعلامية تقليدية.
إعادة فتح جرح 2014 وقلب سردية دعم الحوثيين
ومع أن التقرير لم يأتِ بجديد فيما تتعلق بسردية تسليم الحوثيين للدولة والعاصمة قبل أكثر من أحد عشر عاماً، إلا أنه أعاد إلى التداول تسريباً قديماً لمحادثة بين الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح ورئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير خالد بن بندر، عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء. وقد فُهم من إعادة فتح هذا الملف، الذي يمثل الأسباب الجوهرية للأزمة التي تعيشها اليمن اليوم والمتمثلة في تواطؤ أطراف محلية وخارجية في تمكين الحوثيين من السيطرة على العاصمة والدولة، أن الإعلام المموّل إماراتياً يبحث عن أوراق يمكن توظيفها إعلامياً عبر شبكاته المختلفة ضد الرياض، التي تخوض بدورها ما يمكن وصفه بحرب إعلامية مع حليفتها السابقة.
وإذا ما أُخذ التقرير في سياقه المحلي اليمني، فإن نشره حول هذه القضية تحديداً جاء بعد أيام قليلة من الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير 2011 التي أنهت حكم صالح عبر المبادرة الخليجية برعاية الرياض. ومن خلال الربط الذي ورد في سياق التقرير، بدا أن هناك إيحاءً بتحميل السعودية جزءاً من المسؤولية السياسية، عبر الإشارة إلى اتفاق السلم والشراكة الذي أُجبر خصوم الحوثيين السياسيون، بما في ذلك الرئيس هادي، على التوقيع عليه عشية سيطرة الحوثيين على صنعاء، وهو الاتفاق الذي مكّنهم من الدخول في صنع القرار اليمني.
وربط التقرير هذا الاتفاق بدعم سعودي، في إشارة توحي بأن ما جرى كان نتيجة ترتيبات سياسية أفضت إلى تمكين الحوثيين.
وعلى الرغم من أن التقرير لم يتطرق صراحة إلى ثورة 11 فبراير، إلا أن توقيته الزمني بعد مرور أيام على ذكراها، وبالنظر إلى موقف أبوظبي المعادي لثورات الربيع العربي، يمكن أن يُفهم – وفق بعض المراقبين – باعتباره محاولة لإعادة تحميل حلفاء الرياض مسؤولية ما جرى، بالإضافة إلى إعادة تأهيل شخصيات من أسرة صالح المرتبطة بالسياسة والعسكر، مثل طارق صالح الذي يقود تشكيلات عسكرية في مدينة المخا غربي اليمن.
وقد تناول التقرير مقتطفات من المحادثة المسربة بين صالح وخالد بن بندر، والتي تناولت طلب السعوديين من صالح التعاون في دعم شرعية الرئيس هادي والتعبير عن رفضهم لسيطرة الحوثيين على صنعاء، واعتبارهم ما جرى عاراً على اليمنيين ومن يحب اليمن، ورد صالح بأنه لا علاقة له بما حدث، محمّلاً مسؤولية دخول الحوثيين إلى عمران وصنعاء لهادي، ومطالباً السعودية بتنفيذ المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية حرفياً، قائلاً إنه جرى التحايل عليها عبر مخرجات الحوار الوطني، ثم عبر اتفاق السلم والشراكة الذي وصفه بأنه استسلام للحوثيين.
مسارات تصعيد تكشف عمق الخلاف
وفي مطلع ديسمبر الماضي، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات على محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان نفوذاً تقليدياً للسعودية، ما دفع الرياض للتدخل عسكرياً عبر قوات "درع الوطن" لحماية مصالحها وأمنها القومي.
وقد أدى ذلك إلى اصطدام مباشر مع أبوظبي التي حاولت دعم الانتقالي بمدرعات عسكرية قُدرت بأكثر من 150 مدرعة، عبر إرسال سفينتين إماراتيتين إلى ميناء المكلا، الأمر الذي دفع التحالف الذي تقوده الرياض إلى توجيه ضربة عسكرية حملت رسائل سياسية أكثر من كونها عسكرية.
وترتب على هذه التطورات إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، المدعوم من الرياض، إنهاء اتفاقية التعاون العسكري مع أبوظبي وسحب قواتها من اليمن في الثاني من يناير الماضي.
ومنذ ذلك الوقت، دعمت الرياض علناً إنهاء الدور الإماراتي في اليمن سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً، فيما تحوّل الخطاب الإعلامي السعودي إلى موقف أكثر حدة، حيث جرى فتح ملفات تتعلق بانتهاكات اتُّهمت بها الإمارات، من بينها ملفات السجون السرية واحتجاز وإخفاء وتعذيب يمنيين، إضافة إلى ملف الاغتيالات السياسية، وهي قضايا سبق أن تناولتها منظمات حقوقية ووكالات أنباء وشبكات إعلامية عالمية مثل "بي بي سي".
وقد وظّف الإعلام السعودي هذه القضايا بشكل مكثف وغير مسبوق، كما نشرت منصة اجتماعية سعودية قبل أيام تقريراً استعرض سلسلة من الأخطاء في الضربات الجوية للتحالف استهدفت مواقع مدنية وأخرى عسكرية محسوبة على الحكومة، وألقت بالمسؤولية على أبوظبي، وهو ما دفع بدوره النخب والإعلام الإماراتي أو المدعوم منها إلى فتح ملفات مقابلة ضد السعودية.
أوراق دولية تُستدعى في المعركة الإعلامية
وفي هذا السياق، سلّط الإعلام السعودي الضوء بشكل مكثف على ما ورد في العقوبات الأمريكية الصادرة في يناير الماضي بشأن شبكات تمويل الحوثيين، والتي كشفت – وفق بيان وزارة الخزانة الأمريكية – عن وجود بيئة لوجستية ومالية نشطة داخل الإمارات استُخدمت لتسجيل شركات وتدوير الأموال وإدارة عائدات النفط وشراء معدات مرتبطة بالحرب خارج القنوات المصرفية الرسمية. وأشارت العقوبات، التي استهدفت 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، إلى أن هذه البنية العابرة للحدود مكّنت الحوثيين من إدارة تدفقات مالية وعمليات بيع نفط وشراء أسلحة، عبر شركات واجهة وميسّرين يعملون من داخل الإمارات، مستفيدين من المناطق الحرة والبنية التجارية المفتوحة، وهو ما يجعل هذه الملفات الدولية قابلة للاستدعاء في سياق الصراع الإعلامي والسياسي المتصاعد بين الرياض وأبوظبي.
هل تحاول أبوظبي تحميل الرياض مسؤولية تمكين الحوثيين؟
وبالعودة إلى التقرير التلفزيوني لقناة الغد، يبدو أن القائمين عليه أرادوا إيصال رسالة مفادها أن الإمارات ليست الطرف الذي مكّن الحوثيين من السيطرة على صنعاء، بل إن السعودية – وفق ما جاء في التقرير – تتحمل جزءاً من المسؤولية من خلال دعمها للرئيس هادي، الذي اتهمه صالح في التسجيل نفسه بأنه هو من ساعد الحوثيين على دخول صنعاء وسلّمهم الدولة. كما أشار التقرير إلى أن دعم السعودية لاتفاق السلم والشراكة أسهم في تمكين الحوثيين من تثبيت وجودهم السياسي والعسكري.
ويأتي هذا الرد، الذي يُعد الأول من نوعه من الجانب الإماراتي وإن كان عبر الإعلام الممول منها، على الرواية السعودية في ذروة الخلاف بين البلدين، في ظل سعي كل طرف إلى توظيف أوراقه السياسية والإعلامية ضد الآخر.
ويُفهم من إعادة تقديم هذه السردية الإماراتية أنها محاولة لخلط الأوراق وإرباك الجهود السعودية الرامية إلى ترميم المشهد اليمني سياسياً وعسكرياً، من خلال تذكير اليمنيين بما تراه أبوظبي دوراً سعودياً سلبياً مكّن الحوثيين من السيطرة على العاصمة والدولة، وبالتالي اندلاع الحرب التي أفضت إلى النتائج التي يعيشها اليمنيون اليوم على المستويين المعيشي والأمني.
وكأن أبوظبي – عبر هذا الطرح – تقول إنها ليست المسؤولة في البداية عن كارثة وصول الحوثيين إلى صنعاء ولا عن النتائج التي ترتبت على ذلك، وأن تفاصيل هذه المرحلة معروفة لدى اليمنيين ويمكن إعادة توظيفها سياسياً في سياق الصراع الإعلامي مع الرياض.
وفي المقابل، يرى البعض أن من مصلحة اليمنيين في نهاية المطاف كشف كل طرف عن أوراقه في اليمن، خصوصاً الأدوار التي ربما لم تكن معروفة على نطاق واسع، بما يسمح بإحاطة أوسع بتفاصيل المأساة التي بدأت قبل سنوات وما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.