قحطان.. نموذج السياسة في مواجهة منهج الغلبة

عبدالمجيد الصلاحي

ما جرى للأستاذ محمد قحطان يتجاوز قضية شخص واحد إلى دلالة سياسية وأخلاقية كاملة.

فالرجل ليس مجرد قيادي حزبي بل كان يمثل فكرة السياسة نفسها، السياسة بأعرافها وآلياتها الحضرية، الحوار بدل العنف، والتعدد بدل الإقصاء، والقدرة على إدارة الخلاف دون تحويله إلى حرب وجود. عمليا حين يُخفى رجل بهذا الوزن كل هذه السنوات، ثم يُترك مصيره معلقا بين الحياة والموت، فإن الرسالة تصبح أوضح من أي إعلان رسمي.

هناك قرار بمعاقبة النموذج الذي يمثله قحطان، نموذج التعددية والحيوية السياسية. ولهذا يبدو الحديث عن مصيره اليوم وكأنه إقرار متأخر بأن الجماعة اختارت منذ البداية إخراج السياسة من المجال العام واستبدالها بمنطق الغلبة والخوف.

لقد كان الأستاذ قحطان من الشخصيات الوازنة التي استطاعت أن تجمع بين الانتماء الحزبي والمرونة الوطنية؛ حاضر في التباينات السياسية من غير كراهية، وفي التفاوض دون استسلام، وفي السجال السياسي بلا قطيعة عن الآخرين. وهذا النوع من الشخصيات يزعج المشاريع المغلقة بطبيعته، لأنه يذكر الناس بإمكانية التعايش، بينما تقوم الجماعات العقائدية المسلحة على فكرة الاحتكار؛ احتكار الحقيقة والسلطة وحتى تعريف الوطنية.

طوال سنوات حضوره السياسي كان قحطان يمثل اليمن الذي يمكن أن يتسع للجميع، وهذا بالضبط ما لا تحتمله جماعة الاصطفاء الالهي التي ترى في التنوع تهديدا، وتعتبر السياسة ضعفا، والحوار مجرد شعار للغدر في الاخرين. ولو كان في صنعاء عشرات يشبهونه في الحضور والتأثير والانفتاح، فالأرجح أنهم كانوا سيلقون نفس المصير.

تصالحت الجماعة مع القيادات القبلية وتجار السلاح والعسكريين الذين واجهوها في فترات الحروب الست، لكنها لم تستطع أن تتصالح مع مشروع قحطان وتعاملت معه بطريقة سيئة تشبهها وتشبه جذورها ورؤيتها للحياة السياسية والسلطة.