"تيار استعادة المؤتمر" يفتح صراع النفوذ… أحمد علي وطارق صالح في مواجهة مسار سعودي لإنهاء الدور الإماراتي
في الثلاثين من أبريل 2026، أعلن وزير الإعلام والسياحة والقيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، معمر الإرياني، إشهار ما سُمّي بـ"تيار استعادة دور المؤتمر"، في خطوة مفاجئة أثارت ردود فعل متباينة داخل أوساط أجنحة الحزب المختلفة، غلب عليها الرفض من الجناح المحسوب على عائلة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، والتي يُنظر إليها – بحسب مراقبين – باعتبارها تتعامل مع المؤتمر بوصفه إرثاً خاصاً بها.
ولادة تيار.. وتعاظم الانقسام
وبحسب البيان الصادر عن التيار، فإن الهدف يتمثل في تعزيز التماسك داخل صفوف المؤتمر، واستعادة دوره الوطني، وتفعيل مؤسساته بما يواكب متطلبات المرحلة، ويعزز حضوره كشريك فاعل في معركة استعادة الدولة. كما شدد البيان على أن المؤتمر يمثل ركيزة وطنية وتجربة سياسية جامعة، ما يفرض ضرورة تجاوز حالة التباين داخل القيادة، والعمل على توحيد الصف، واختيار قيادة مؤقتة، وإعادة تفعيل المؤسسات، وصياغة رؤية سياسية موحدة.
وأشار إلى أن المبادرة مفتوحة أمام جميع قيادات وكوادر المؤتمر في الداخل والخارج، مع إعلان نية إطلاق برنامج عمل للتواصل مع القواعد وطرح مبادرات لإعادة بناء الدور السياسي للحزب بالشراكة مع القوى الوطنية.
في هذا السياق، قدّم الإرياني قراءة تبريرية لهذا الحراك، مؤكداً أن التحرك لا يأتي بدافع الطموح لمناصب أو البحث عن أدوار بديلة، بل نتيجة شعور بالمسؤولية وقلق متزايد على وضع التنظيم في ظل حالة الجمود التي يعيشها مقارنة ببقية القوى السياسية التي أعادت ترتيب صفوفها وفعّلت حضورها. وأوضح أن هذا الحراك يعكس صوت قطاع واسع من قواعد المؤتمر في الداخل والخارج، ممن يتطلعون إلى استعادة دور الحزب وتفعيل مؤسساته، معتبرًا أن ما وصل إليه المؤتمر هو نتيجة تراكمات معقدة تتطلب تعاملاً مسؤولاً بعيداً عن الخلافات.
وأضاف الإرياني أن إطلاق "تيار استعادة دور المؤتمر" يأتي كجهد من داخل الحزب ومن أجله، دون أن يكون بديلاً عن القيادة أو إطاراً موازياً لها، بل خطوة داعمة تهدف إلى توحيد الصف واستعادة الفاعلية السياسية. ودعا قيادة المؤتمر إلى المبادرة وقيادة هذه المرحلة، عبر احتضان تطلعات القواعد وإعادة تفعيل مؤسسات الحزب، بما يعيد له حضوره ودوره الوطني، مؤكداً أن وحدة المؤتمر وتعزيز دوره يمثلان ضرورة لا تحتمل التأجيل.
غير أن هذا الطرح لم يمر دون اعتراض؛ فمع الإعلان عن المبادرة، تصاعدت ردود فعل معارضة داخل المؤتمر الشعبي العام، خصوصاً من التيار المحسوب على جناح عائلة صالح، الذي اعتبر الخطوة خروجاً عن الإطار التنظيمي واستند هذا التيار إلى بيان سابق صدر في مايو 2015 يقضي بفصل أو تجميد عضوية معمر الإرياني على خلفية انحيازه للسلطة الشرعية، في محاولة لإعادة إحياء ذلك القرار ضمن سياق الجدل الدائر حول الحراك الجديد.
ويعاني المؤتمر الشعبي العام، الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي، من انقسامات حادة تفاقمت بشكل غير مسبوق منذ مقتل رئيسه علي عبدالله صالح على يد الحوثيين في ديسمبر 2017، وهو ما أدى إلى تشظي الحزب إلى ثلاثة أجنحة رئيسية: جناح لا يزال متحالفاً مع الحوثيين، وجناح تقوده عائلة صالح ممثلة بأحمد علي وطارق صالح، وجناح ثالث محسوب على الشرعية المعترف بها دولياً.
الحراك وسياقه الإقليمي
وفي قراءة لأبعاد هذا الحراك، قال مصدر سياسي لمنصة "الهدهد" إن هذه الخطوة، وإن كانت تعبّر عن مزاج واسع داخل الحزب، إلا أن توقيتها وإسنادها إلى الإرياني لا يمكن فصلهما عن السياق السياسي في البلاد، خاصة بعد التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة مطلع يناير الماضي، وما تبعها من تراجع للدور الإماراتي وتفرد السعودية بخطوات ترعاها باتجاه إعادة ترتيب صفوف السلطة الشرعية والتشكيلات العسكرية المختلفة، بما في ذلك تلك التي نشأت بدعم وتمويل إماراتي.
وأوضح المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، أن إطلاق هذا التيار يحمل دلالات متعددة وذكية تلامس أزمة الحزب الراهنة المتمثلة في الانقسام والتشظي، وهي حالة أضعفت دوره وشتّتت قراره، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تستهدف تحريك المياه الراكدة وخلق ضغط سياسي على مختلف القيادات للدفع نحو إنهاء حالة الانقسام.
وأضاف أن الإرياني، المعروف بقربه من السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر وولائه للمملكة، أُسندت إليه هذه المهمة بدعم سعودي، باعتباره من القيادات المعتدلة التي لا تمتلك خلافات حادة مع مختلف الأجنحة، باستثناء الجناح المتحالف مع الحوثيين، ما يجعله أقل استفزازاً من غيره داخل الحزب.
وأشار إلى أن هذه المبادرة تُعد الأولى في سياق إنهاء انقسام الحزب وتوحيد صفوفه، واختيار قيادة موحدة تعيد المؤتمر إلى مساره الصحيح وتستنهض طاقاته لصالح العمل الوطني واستعادة الدولة، مؤكداً أن هذا التحرك لا يبدو مبادرة ذاتية خالصة، بل يتماشى مع الجهود السعودية الرامية إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في اليمن وتقليص النفوذ الإماراتي.
وبيّن أن السعودية تعمل عبر مسارين متوازيين؛ الأول عسكري، من خلال لجنة تعمل بإشراف الرياض على إعادة توحيد ودمج التشكيلات المسلحة المختلفة، بما فيها تلك التي كانت محسوبة على الإمارات، مثل قوات المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الوطنية التي يقودها طارق صالح، استجابة لتفويض مجلس القيادة للتحالف العربي.
أما المسار الثاني فهو سياسي، ويتمثل في توحيد القيادات الجنوبية ضمن حوار وطني ترعاه الرياض في عاصمتها، استجابة لدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وقد بدأ هذا المسار بالفعل عبر استدعاء قيادات المجلس الانتقالي إلى الرياض في إطار إعادة ضبط دوره وإبعاده تدريجيًا عن التأثير الإماراتي.
وفي المقابل، وبما أن السعودية لا ترغب في الظهور في واجهة الترتيبات المتعلقة بحزب المؤتمر، فقد أوعزت – بحسب المصدر – للإرياني بالقيام بهذه المهمة من الخلف، في ظل غياب قيادة موحدة للحزب.
وأوضح أن الهدف يتمثل في توحيد الأجنحة غير المتحالفة مع الحوثيين، واستعادة الدور السياسي للمؤتمر كحزب يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وفي الوقت ذاته تقليص نفوذ الإمارات داخل الحزب، لا سيما عبر الأجنحة المرتبطة بعائلة صالح.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تهدف، على المدى المتوسط، إلى حرمان أبوظبي من أدوات يمكن أن تستخدمها لتعطيل مساعي السعودية للوصول إلى تسوية مع الحوثيين، خصوصًا بعد تجربة المجلس الانتقالي الذي عمل – وفق المصدر – على تعطيل بعض المسارات المرتبطة بخارطة الطريق.
وانطلاقًا من هذه التجربة، لا ترغب السعودية – بحسب المصدر – في أن يتحول نفوذ الإمارات داخل المؤتمر إلى أداة لعرقلة أي تسوية مستقبلية، ولذلك تسعى إلى توحيد قيادة الحزب تحت مظلة يمكن ضمان ولائها، بما يسهل تمرير أي اتفاق سياسي دون معارضة داخلية مؤثرة.
صراع النفوذ الداخلي
وفيما يتعلق بردود الفعل، ينظر جناح المؤتمر المتحالف مع الحوثيين إلى هذه التحركات بعدم ارتياح، لكنه لا يبدو قلقاً بشكل كبير في ظل وضوح موقفه الرافض لأي مسار خارج تحالفه.
أما الجناح المحسوب على الشرعية، وعلى رأسه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، فرغم غياب موقف رسمي معلن، إلا أن مواقف قيادات محسوبة على هذا التيار تعكس دعماً واضحاً لهذا الحراك، خصوصاً أن توحيد الحزب واختيار قيادة موحدة قد يصب في صالح العليمي، بالنظر إلى أن النظام الداخلي للمؤتمر ينص على أن رئيسه هو رئيس الدولة.
في المقابل، يظهر الجناح الذي يتقاسم قيادته أحمد علي وطارق صالح الأكثر تحفظاً، حيث يبدو أن المحسوبين على أحمد علي لا يؤيدون هذه الخطوة، وإن كانوا أقل حدة في معارضتها مقارنة بالمحسوبين على طارق صالح، الذين يرون أن توحيد المؤتمر قد يؤدي إلى إعادة تشكيل القيادة بما لا يضمن مصالحهم.
ففي الوقت الذي يرى فيه المحسوبون على أحمد علي أن هذه الجهود قد تفضي إلى إعادة تموضعه في المشهد السياسي وتمهيد الطريق أمامه لدور أكبر في أي تسوية محتملة، تبرز في المقابل مخاوف من أن تختار السعودية شخصية أخرى، مثل رشاد العليمي، لقيادة الحزب باعتباره أكثر قرباً منها.
أما التيار المحسوب على طارق صالح، الذي يمتلك تشكيلات عسكرية تحت مسمى "المقاومة الوطنية" وأنشأ مكتباً سياسياً يُنظر إليه ككيان موازٍ رغم غياب الترخيص الرسمي، فيتعامل مع هذه التحركات بوصفها تهديداً مباشراً لنفوذه. فعلى سبيل المثال، تأسيس المكتب السياسي على إرث المؤتمر، ويضم قيادات وكوادر مؤتمرية، كما تمكن من تشكيل كتلة برلمانية تتجاوز 20 نائباً.
وبحسب مراقبين، فإن طارق صالح بنى نفوذه مستنداً إلى هذا الإرث، معززًا موقعه بعد تعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، ما يجعل أي جهود لإعادة توحيد المؤتمر بمثابة سحب تدريجي للبساط من تحت هذا الكيان، وإعادة توجيه ولاءات كوادره، بما في ذلك أعضاء البرلمان، إما بالعودة إلى الحزب أو الخروج من معادلة التمثيل السياسي.
ولهذا، يعارض هذا التيار هذه التحركات بقوة، مستخدماً خطاباً يتراوح بين التخوين والإقصاء، ومستنداً أحياناً إلى قرارات تنظيمية سابقة، إذ يرى أن هذه الخطوة قد تمثل ضربة قاصمة لنفوذه بالتزامن مع التوجه بدمج قواته ضمن قوات درع الوطن.
وفي سياق ردود الفعل، يتهم نجل الأمين العام الراحل للمؤتمر الشعبي العام رئيس مجلس القيادة الرئاسي ومحيطه بتوجيه الجهود نحو إضعاف المؤتمر بدلاً من معالجة الأزمات القائمة.
كما انتقد يحيى عبدالله دويد، عضو اللجنة العامة للمؤتمر، الطروحات المقدمة تحت عنوان "الإنقاذ"، معتبراً أنها تفتقر للمصداقية، وأنه لا يمكن إقناع من يتمتع بالحرية والاستقلال بقبول خيارات تقوم على التبعية.
أما على المستوى البرلماني، فقد أكد علي مسعد اللهبي، النائب المحسوب على كتلة طارق صالح، رفضه لأي محاولات للتحدث باسم المؤتمر أو الدفع نحو تقسيمه بين الداخل والخارج، مشدداً على أن المؤتمر كيان تحكمه لوائحه الداخلية، وليس ساحة مفتوحة لأي أطراف، محذراً من أن أي مساعٍ لتقسيمه تمثل استهدافاً مباشراً لوحدته.
مستقبل الحزب المجهول
ما يحري داخل المؤتمر الشعبي العام يعكس صراعا على النفوذ والقرار، يتقاطع فيه المحلي بالإقليمي، ويتداخل فيه الحزبي بالعسكري، فالحراك الذي طُرح بوصفه محاولة لإنقاذ الحزب وإعادة توحيده، تحوّل سريعاً إلى ساحة اختبار حقيقية لميزان القوى داخل المؤتمر ولحدود القدرة على إعادة إنتاجه كفاعل سياسي موحد.
وهنا تُطرح العديد من الأسئلة مثل: هل يمضي المؤتمر نحو إعادة التشكل تحت مظلة توافق إقليمي جديد؟ أم أن الانقسام سيترسخ كواقع دائم يعيد توزيع أدواره بين مراكز نفوذ متنافسة؟