تحليل فني | بين صلابة الشعب وفعالية العروبة… الدوري اليمني يشتعل مبكراً

2026-05-09 12:28 الهدهد- مأرب الورد:
لاعب العروبة أمجد الرضاء يحتفل بهدف الفوز على أهلي صنعاء
لاعب العروبة أمجد الرضاء يحتفل بهدف الفوز على أهلي صنعاء

بعد جولتين فقط من انطلاق الدوري اليمني لكرة القدم، بدأت ملامح أولية تتشكل حول الفرق الأكثر جاهزية، والأندية التي ما تزال تبحث عن توازنها الفني، في بطولة تبدو حتى الآن مفتوحة على كثير من الاحتمالات، لكنها كشفت مبكراً عن مؤشرات مهمة على مستوى التنظيم الدفاعي، الفاعلية الهجومية، والاستقرار الذهني داخل الملعب.

البطولة التي يشارك فيها أربعة عشر نادياً، تكشف أرقامها حتى الآن طبيعة البداية بما في ذلك تغير خارطة موازين القوى الكروية.

اثنتا عشرة مباراة من أصل أربع عشرة انتهت بفوز أحد الفريقين، مقابل تعادلين فقط، أحدهما سلبي والآخر إيجابي، في مؤشر واضح على أن أغلب الفرق دخلت الموسم بعقلية البحث عن الانتصار، لا الاكتفاء بالحذر الدفاعي أو الخروج بأقل الخسائر.

ورغم أن البطولة لم تشهد حتى الآن نتائج ثقيلة أو انتصارات كاسحة، إلا أن ذلك لا يعكس ضعفاً هجومياً بقدر ما يكشف تقارباً واضحاً في المستويات. ثلاثة وعشرون هدفاً سُجلت خلال أول جولتين، بمعدل يقترب من هدفين في كل مباراة، لكن معظم المواجهات حُسمت بتفاصيل صغيرة؛ لحظة تركيز، خطأ دفاعي، أو هجمة مرتدة ناجحة، وهو ما يمنح الدوري منذ الآن طابعاً تنافسياً مفتوحاً.

ثلاثي فرض نفسه مبكراً

العروبة وشعب حضرموت والمكلا كانوا العنوان الأبرز للجولتين الأوليين، ليس فقط لأنهم حققوا العلامة الكاملة بست نقاط، بل لأن كل فريق منهم فعل ذلك بأسلوب مختلف تكتيكياً، ما يعكس تنوعاً واضحاً في طرق المنافسة منذ البداية.

العروبة الملقب بـ"الصاعق" يبدو حتى الآن الفريق الأكثر توازنًا هجوميًا ونفسيًا؛ فقد حقق انتصارين متتاليين، الأول خارج أرضه أمام اتحاد إب والثاني على أهلي صنعاء، مسجلًا أربعة أهداف في مباراتين ليصبح أقوى خط هجوم حتى الآن. لكن الأهم من الأرقام هو شخصية الفريق داخل المباراة؛ إذ نجح في قلب النتيجة مرتين بعد التأخر، في مؤشر واضح على القوة الذهنية والروح القتالية التي زرعها المدرب الشاب هاني عبد الرحمن، الذي ركّز قبل مواجهة اتحاد إب على ضرورة القتال حتى آخر دقيقة وعدم الاستسلام مهما كانت النتيجة، وهي الروح التي انعكست بوضوح على أداء الفريق داخل الملعب.

أما شعب حضرموت، صاحب المركز الثالث في آخر نسخة من الدوري، فيبدو حتى اللحظة الفريق الأكثر صلابة دفاعياً وانضباطاً تكتيكياً، وهو ما يُحسب لمدربه سامر فضل الذي عمل بوضوح على تطوير الجانب التنظيمي والتكتيكي لـ"النوارس". ويتصدر الشعب الترتيب بعد تحقيقه انتصارين متتاليين دون استقبال أي هدف، رغم أنه هجومياً سجل ثلاثة أهداف فقط، ما يعكس اعتماد الفريق على التوازن والانضباط أكثر من الاندفاع الهجومي. كما تبدو آثار التحضير المبكر واضحة على أداء الفريق، سواء من خلال خوضه عدداً من المباريات التحضيرية، أو استمراره في النشاط الرياضي مقارنة ببعض الأندية الأخرى، إلى جانب تعاقداته مع عناصر جيدة مستفيداً من حالة الاستقرار المالي التي يعيشها النادي.

بدوره، يرسل جاره المكلا، الصاعد لأول مرة إلى دوري الأضواء، رسالة قوية بأنه أحد أكثر الفرق الجاهزة هجومياً، بعدما سجل ثلاثة أهداف في أول جولتين وحقق انتصارين متتاليين، آخرهما على اتحاد حضرموت. اللافت أن المكلا، بقيادة المدرب أنور عاشور، لا يعتمد فقط على السيطرة والاستحواذ، بل يمتلك حلولاً هجومية متنوعة وقدرة على التسجيل في مختلف الظروف، بما في ذلك الكرات الثابتة التي جاء منها هدف الفوز على اتحاد سيئون. هذا التنوع الهجومي، إلى جانب الشخصية الهادئة التي يظهر بها الفريق، منحه المركز الثالث بفارق الأهداف فقط عن العروبة صاحب المركز الثاني.

فرق تبحث عن الاستقرار

في المقابل، تبدو عدة فرق ما تزال في مرحلة البحث عن توازنها الحقيقي.

السد مأرب، الذي تأهل لأول مرة للدرجة الأولى، يبرز كأحد الفرق التي تمتلك شخصية تنافسية واضحة رغم عدم تحقيق العلامة الكاملة. رجال المدرب عادل التام لا يُفرّطون بالنقاط في أرضهم بسهولة؛ فقد هزموا سلام الغرفة وتعادلوا مع اليرموك، مما يعكس فريقاً منظماً وصعب الخسارة، لديه لاعبين قادرين على الحسم في أي لحظة وإن كانوا يفتقرون لتحولات اللعب المختلفة وهذا ما تجلى في المباراة ضد اليرموك.

فحمان أبين بدوره عاد سريعاً بعد خسارته الافتتاحية أمام التضامن، ونجح في استعادة توازنه بانتصار واضح على سلام الغرفة، في مؤشر على قدرة الفريق على تصحيح أخطائه بين جولة وأخرى، وهذا ما أشار إليه المدرب محمد البعداني حين وصف لاعبيه بأنهم أبطال.

في صنعاء، يقدّم قطباها الأهلي والوحدة صورتين مختلفتين رغم تساويهما بالنقاط؛ الأول بدأ بفوز مهم على غريمه الوحدة، لكنه خسر مباشرة أمام العروبة، ما كشف بعض المشكلات الدفاعية خصوصاً في التعامل مع الضغط والتحولات السريعة. في المقابل، رد الوحدة على خسارة الديربي بانتصار مقنع على شباب البيضاء، أظهر تحسناً واضحاً في التنظيم والفعالية الهجومية.

وعلى ذكر شباب البيضاء، يبدو الفريق الملقب ب"الرهيب" من أكثر الفرق التي تعاني من التذبذب حتى الآن، وهذا مفهوم لعدة أسباب منها غياب النشاط الرياضي وافتقاره لملعب خاص واستقرار مالي.

الفريق افتتح الدوري بفوز ثم خسر مباشرة أمام الوحدة، ما يعكس غياب الاستقرار الفني، رغم امتلاكه بعض الحلول الهجومية الجيدة.

أما اتحاد إب والهلال واليرموك، فما تزال تبحث عن أول انتصار يمنحها دفعة معنوية. هذه الفرق تبدو حتى الآن أكثر حذراً من اللازم وتفتقد الجرأة الهجومية القادرة على حسم المباريات. فممثل اللواء الأخضر الوحيد في المسابقة أهدر خمس نقاط داخل أرضه وترتب على ذلك تغيير مدربه وائل غازي، بينما استعاد الهلال بعض عافيته بكسب نقطة خارج ملعبه، وبالمثل فعل اليرموك.

وفي أسفل الجدول، تبدو معاناة سلام الغرفة واتحاد حضرموت الأكثر وضوحاً، بعد خسارتين لكل فريق دون تسجيل أي هدف، واستقبال ثلاثة أهداف، ما يكشف عن مشكلات هجومية ودفاعية في الوقت نفسه.

حضرموت تفرض نفسها

اللافت هذا الموسم أن حضرموت تشارك بخمسة أندية دفعة واحدة لأول مرة في دوري الدرجة الأولى، وهي: شعب حضرموت، تضامن حضرموت، اتحاد حضرموت، المكلا، وسلام الغرفة، لتصبح المحافظة الأكثر تمثيلاً في البطولة.

لكن الحضور الحضرمـي لم يكن عددياً فقط، بل فنياً أيضاً؛ فهذه الأندية حصدت مجتمعة نتائج قوية خلال أول جولتين والأبرز أن قمة الترتيب الحالية تضم شعب حضرموت والمكلا، إلى جانب وجود التضامن ضمن دائرة المنافسة، وهو وصيف آخر نسخة للدوري.

شعب حضرموت تحديداً يقدّم النسخة الأكثر استقراراً في الدوري حتى الآن، فهو الفريق الوحيد الذي لم يستقبل أي هدف، ويبدو منظماً دفاعياً بصورة لافتة. أما المكلا، فيمثل الوجه الهجومي الأقوى للأندية الحضرمية، بفضل فاعليته العالية وقدرته على استثمار الفرص.

حتى تضامن حضرموت، رغم خسارته أمام شعب حضرموت، ظهر بصورة تنافسية جيدة في هذه المباراة.

في المقابل، تبدو أندية صنعاء أكثر استقراراً بعد أندية حضرموت؛ العروبة حقق العلامة الكاملة ويتشارك الصدارة، بينما يتقاسم الأهلي والوحدة نقس الرصيد بثلاث نقاط يليهم اليرموك بنقطة.

الجمهور يعيد الحياة إلى الدوري

بعيداً عن الأرقام والنتائج، حملت الجولتان الأوليان مؤشراً آخر لا يقل أهمية داخل المشهد الكروي اليمني، يتمثل في الحضور الجماهيري اللافت في الملاعب رغم عدم صلاحية مدرجات بعضها مثل ستاد 22 مايو في إب.

الجماهير حضرت بكثافة في عدة مباريات، ليس فقط للتشجيع، بل وكأنها تحاول استعادة علاقتها القديمة بالدوري بعد سنوات طويلة من التوقف وبحثاً عن فرحة غابت طويلاً. في بعض الملاعب بدا الحماس في المدرجات أكبر من مجرد متابعة مباراة، بل أقرب إلى احتفال جماعي بعودة كرة القدم نفسها.

هذا الحضور منح المباريات إيقاعاً مختلفاً، وخلق أجواء تنافسية انعكست حتى على أداء اللاعبين داخل الملعب، خصوصاً في المباريات التي شهدت ضغطاً جماهيرياً واضحاً مثل مواجهات أهلي صنعاء والوحدة وشعب حضرموت والتضامن.

والأهم أن الجماهير بدت متعطشة لكرة القدم المحلية، في مؤشر يعكس أن الدوري ما يزال قادراً على استعادة جزء من بريقه الشعبي رغم كل الظروف المحيطة بالبلاد.

وإذا استمر هذا الزخم الجماهيري خلال الجولات المقبلة، فقد يصبح أحد أهم العوامل التي تعيد الحياة تدريجياً إلى الكرة اليمنية، ليس فقط فنيةً، بل أيضاً على مستوى العلاقة العاطفية بين الأندية وجماهيرها.

ماذا تقول الجولتان الأوليان؟

من خلال قراءة المشهد بعد جولتين فقط، يمكن استخلاص ثلاث حقائق مبكرة.

الأولى، أن الفرق الأكثر استقراراً دفاعياً تبدو الأقرب للمنافسة وفي مقدمتها شعب حضرموت.

الثانية، أن الفاعلية الهجومية للعروبة وشعب حضرموت والمكلا تمنحهم أفضلية واضحة في المباريات المفتوحة، خصوصاً مع قدرتهما على استغلال المساحات والتحولات السريعة.

أما الحقيقة الثالثة، فهي أن عدة فرق ما تزال في مرحلة البحث عن هويتها الفنية، وهو ما يجعل الجولات المقبلة مرشحة لتغييرات كبيرة في شكل الترتيب والمنافسة.

حتى الآن، لا يوجد فريق يمكن اعتباره مرشحاً منفرداً للقب لكن المؤكد أن أول جولتين كشفتا مبكراً عن فرق تعرف ماذا تريد داخل الملعب… وأخرى ما تزال تحاول اكتشاف نفسها.