المحرمي يتجاوز هرم القيادة ويكرّس مسمى انفصاليا داخل مؤسسات الدولة
تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي إعلانا مصورا يتضمن ظهور القائد عبد الرحمن المحرمي بصفته القائد العام لما يسمى "القوات المسلحة الجنوبية"، موجها تعليمات إلى ما يسمّى بمديرية البشرية ب"القوات المسلحة الجنوبية" بشأن صرف إكرامية رمضان للجنود يوم أمس الأحد من فبراير 2026، وهو ما أثار انتقادات واسعة لإعادة استخدام هذا المسمّى الذي يكرّس الانفصال داخل الدولة.

ويُذكر أن هذا المسمى سبق أن حمله عيدروس الزُبيدي، الذي جرى إنهاء عضويته من مجلس القيادة الرئاسي الشهر الماضي، على خلفية اتهامه بارتكاب الخيانة العظمى.
جدل دستوري حول مشروعية مسمى "القوات المسلحة الجنوبية"
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات بعض المسؤولين ردود فعل لافتة، حيث طرح العميد محمد الكميم، مستشار وزير الدفاع، جملة تساؤلات حول مشروعية مسمى "القوات المسلحة الجنوبية" ووجود قائد عام لها، وآلية تعيينه ورتبته، متسائلا عن موقف القائد الأعلى للقوات المسلحة واللجنة العسكرية العليا التي شُكّلت بقرار جمهوري لإعادة هيكلة القوات.
كما أكد وكيل وزارة الإعلام د. محمد قيزان أن القائد الأعلى للقوات المسلحة هو رئيس الدولة رشاد العليمي، وأن إطلاق صفة القائد العام للقوات المسلحة – أيا كان توصيفها جغرافيا – من قبل أي شخصية داخل أو خارج مجلس القيادة الرئاسي يمثل خرقاً لمبدأ وحدة القيادة العسكرية، ويهدد بخلق فوضى وانقسام داخل المؤسسة العسكرية ويغذي بذور الفتنة، مؤكدا أن القوات المسلحة مؤسسة وطنية موحدة تخضع لقيادة واحدة وفقاً للدستور والقانون.
تداعيات سياسية وعسكرية تهدد وحدة المؤسسة العسكرية
ويأتي هذا الجدل متقاطعا مع القرار السابق للمحرمي القاضي بتغيير مسمى "قوات الحزام الأمني" وكافة الوحدات التابعة لها إلى "قوات الأمن الوطني"، وهي الخطوة التي قوبلت بانتقادات سياسية وحقوقية اعتبرتها تغييرا شكليا لا يرقى إلى مستوى الإصلاح المؤسسي الحقيقي أو الدمج الفعلي للتشكيلات المسلحة ضمن بنية الدولة. إذ رأت تلك الانتقادات أن جوهر القضية لا يتعلق بالمسميات بقدر ما يرتبط بالعقيدة العسكرية والولاء المؤسسي ومدى خضوع هذه القوات للدستور والقانون والرقابة الرسمية، في سياق يفترض أن يتجه نحو تفكيك التشكيلات غير النظامية ودمجها في مؤسسات الدولة، لا إعادة تدويرها بأسماء جديدة تمنحها غطاءً وطنياً شكلياً دون المساس ببنيتها أو قيادتها.
رسائل ضمنية تعكس صراع النفوذ داخل هياكل الدولة
وعلى الرغم من أن المحرمي يقود قوات العمالقة، وهي إحدى التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ويشغل في الوقت ذاته عضوية مجلس القيادة الرئاسي الذي يرأسه القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس رشاد العليمي، إلا أن ظهوره بهذا الوصف يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، سواء من خلال موقعه في قيادة المجلس الانتقالي رغم حلّه، أو من خلال إحياء مسمى ما يسمى "القوات المسلحة الجنوبية".
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع الظهور المتكرر للمحرمي في لقاءاته مع أجانب دون رفع العلم اليمني، الأمر الذي اعتبره مراقبون دليلاعلى أنه لا يختلف عن عيدروس الزُبيدي في عدم احترام اليمين الدستورية التي أداها عند تعيينه، وعدم الالتزام بالدستور والقانون وعدم الاعتراف الفعلي بالدولة التي يشغل فيها منصبا رفيعا.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن غض الطرف عن مثل هذه الممارسات أمر بالغ الخطورة، إذ يعيد البلاد إلى أجواء الفوضى والتمرد التي شهدتها طوال عشر سنوات، والتي لم تنجح معها سياسات الاحتواء أو تدليل القوى الانفصالية داخل هياكل الدولة بهدف جعلها جزءاً منها، في ظل استمرار تمسكها بمشروعها الانفصالي واستخدام وجودها في مؤسسات الدولة وغطائها الرسمي لشرعنة هذا المشروع.
وبحسب هذا الطرح، فإن الرسائل التي يبعثها المحرمي بتقديم نفسه بهذه الصفة تتمثل أولا في أنه لا يعترف برشاد العليمي كقائد أعلى للقوات المسلحة، ولا بالسلطة التي نقلت إليه عند تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، ولا حتى بسلطة الجمهورية اليمنية رغم كونه مسؤولا رفيعا فيها، بما يكرّس نفوذ الانفصال تحت غطاء الدولة المعترف بها دولياً.
كما يبعث المحرمي برسائل لا تقل خطورة، تتمثل في رفضه الضمني للجنة العسكرية العليا التي أعلن العليمي تشكيلها تحت إشراف السعودية، والمكلفة بمهمة توحيد التشكيلات العسكرية وإعادة هيكلتها، بما يعني أنه لا يمكن أن يقبل إدماج تشكيلات المجلس الانتقالي ضمن هذا المسعى، الأمر الذي يخلق عوائق أمام إنجاح هذه المهمة داخل إطار الدولة.
ومن جهة أخرى، يرسل المحرمي رسالة لأنصار الانتقالي العسكريين والأمنيين بضرورة التمسك بمواقعهم ومناصبهم، والحفاظ على تماسك صفوفهم خلف المجلس وقيادته رغم حلّه، ورغم أن رئيسه أصبح مطلوبا للقضاء، وهو ما يعرقل جهود الحكومة في تطبيع الأوضاع واستعادة مؤسسات الدولة في عدن والمحافظات المجاورة، وفرض سلطتها وإنهاء ظاهرة الميليشيات والسلاح المنفلت.
وتلفت خطوة المحرمي الجديدة الأنظار إلى ما أقدم عليه خلال الأسابيع الماضية من إعلان أحادي بتغيير مسمّى قوات الحزام الأمني إلى قوات الأمن الوطني، في محاولة للحفاظ على كيانها وقوامها كوحدة عسكرية متماسكة، بما قد يمكنها من الإفلات من مهمة توحيد القوات وإعادة توزيعها على أسس وطنية تخضع لسيطرة وزارتي الداخلية والدفاع.
وقد اعتُبرت تلك الخطوة بمثابة تجاوز لمهام اللجنة العسكرية العليا، والتي مرت – للأسف – دون موقف واضح من الحكومة أو من مجلس القيادة الرئاسي نفسه، وهو ما شجّع على استمرار الحفاظ على كيان المجلس الانتقالي وتشكيلاته العسكرية والأمنية واتباع هذا النهج.
ويرى مراقبون أن هذا النهج، الذي يجمع بين كون الانفصاليين جزءاً من الدولة ويتمتعون بامتيازاتها، وبين العمل في الوقت نفسه على تقويض هذه الدولة، لم يعد مقبولا بعد كل ما جرى. وفي هذا السياق، يتحمّل المسؤولية في هذا الإطار رئيس وأعضاء الحكومة الذين يستمرون في هذا النهج الذي يعيد نفوذ الانفصاليين الذين فقدوا جزءاً منه، ويرتب صفوفهم مجددا ويعيد نفوذ الإمارات إلى ما قبل تطورات المرحلة الماضية.
وبناء عليه، فإن التساهل مع خطوات لا تنسجم مع الدستور والقانون من قبل أي مسؤول سيقود إلى مخاطر أكبر، وأن الرهان على سياسة الاحتواء والتدليل دون تطبيق النظام والقانون والمحاسبة لكل من يسيء استخدام السلطة سيصنع تحديات وأزمات أكبر من قدرة الحكومة لاحقا على احتوائها أو التعامل معها.