ثورة 11 فبراير بين سردية الاتهام وحقائق الانقلاب على المسار الوطني

2026-02-12 15:52 الهدهد/خاص:
ثورة 11 فبراير بين سردية الاتهام وحقائق الانقلاب على المسار الوطني

لطالما تكررت سردية مفادها أن ثورة 11 فبراير 2011 كانت نقطة التحول التي أدت إلى انهيار الدولة اليمنية، وانزلاق البلاد إلى حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، في محاولة لتحميل الثورة وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. ولا يقتصر هذا الطرح على كونه هروبا من المسؤولية، بل يتجاوز ذلك إلى إدانة حق الشعب في التغيير، حين يجد نفسه في طريق مسدود لم يعد فيه التعويل على وعود الإصلاح السياسي مجديا.

 

وعلى مدى السنوات الماضية، حرصت الأطراف التي تتبنى هذه السردية السياسية والإعلامية – وفي مقدمتها المؤتمر الشعبي العام الذي كان يقوده الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وجماعة الحوثي – على ترسيخ هذا الخطاب. فالحوثيون شاركوا ظاهريا في الثورة، لكن أهدافهم الحقيقية اتضحت لاحقا بأنها على النقيض تماما من أهداف الثورة نفسها، إذ تحالفوا مع مَن يُفترض أنهم ثاروا ضده، ضمن تقاطع المصالح؛ فصالح أراد استخدامهم للانتقام من خصومه السياسيين، وبالنسبة لهم فقد أرادوا السيطرة على الحكم باعتباره "حقاً إلهيًا" مزعوما، وبدعم إيراني واضح. وهؤلاء هم من أجهضوا المسار الانتقالي للثورة، رغم أنهم كانوا جزءًا منه، وكان من المفترض أن يفضي إلى استقرار سياسي عبر انتخابات عامة.

 

من الثورة السلمية إلى المسار السياسي

 

وإذا ما وُضعت هذه السردية على محك الوقائع، فإن النتيجة تدين من يروجون لها، لا الثورة ولا قواها، فالقول إن الثورة أدت إلى انهيار الدولة يتجاهل حقيقة أن الثورة لم تكن جذرية قاطعة مع النظام برمته، ولم تستهدف مؤسسات الدولة، بل بقيت في الشوارع والميادين قبل أن تنتقل إلى إطار سياسي منظم عبر المبادرة الخليجية، التي قادتها الرياض، وكان حزب المؤتمر الشعبي العام ورئيسه علي عبدالله صالح نفسه طرفا أساسيا في صياغتها، بل استُجيب لمعظم مطالبه ضمن بنودها.

 

وقد تضمنت المبادرة الخليجية منح صالح وكبار معاونيه حصانة من الملاحقة القضائية، ومنحهم فترة زمنية لتسليم السلطة، وإجراء انتخابات رئاسية توافقية في 21 فبراير، وتشكيل حكومة مناصفة (50% – 50%). وبعد ذلك، اتجه اليمنيون إلى مؤتمر الحوار الوطني، الذي شاركت فيه مختلف القوى السياسية، بما فيها حزب صالح نفسه، واستمرت الدولة قائمة. بل إن الحوثيين أنفسهم شاركوا في الحوار بتمثيل كبير، في الوقت الذي كانوا فيه يحتفظون بسلاحهم، ويصعدون عسكريًا، ويسيطرون على مناطق ومؤسسات الدولة.

 

وبالتالي، فإن الثورة، في ذلك الوقت، كانت المسار السياسي القائم للدولة، لا نقيضها، وبعد عام كامل من جلسات الحوار الوطني، التي نوقشت خلالها مختلف القضايا والتحديات والمشكلات، وجرى التوصل إلى حلول متعددة، مع بقاء الخلاف حول شكل النظام السياسي بين الفيدرالية والمركزية، كان يفترض أن تتولى لجنة من خبراء الدستور والقانون وضع اللمسات الأخيرة على مسودة الدستور التي جرى التوافق عليها. 

 

التحالف الحوثي–الصالحي

 

غير أن الحوثيين أجهضوا هذا المسار مرة أخرى باختطاف د. أحمد عوض بن مبارك، أمين عام مؤتمر الحوار أثناء ذهابه للقاء الرئيس وبحوزته مسودة الدستور، بعد أن كانوا قد بدأوا هذا المسار الانقلابي بالسيطرة على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، وضربوا عرض الحائط باتفاق السلم والشراكة الذي فرضوه بقوة السلاح.

 

وفي مطلع 2015، عطلوا الدستور القائم، وأداروا الدولة عبر "لجان ثورية" على غرار النموذج الإيراني، وأجبروا الرئيس عبدربه منصور هادي على تقديم استقالته بعد رفضه إصدار قرارات تمنحهم تحكما كاملا بالدولة مع بقائه رئيسا شكليا، ثم فرضوا عليه الإقامة الجبرية. 

 

وتمكن لاحقا من الإفلات والانتقال إلى عدن وطلب تدخل السعودية التي استجابت في مارس وقادت تحالفا عسكريا باسم التحالف العربي، بعدما كان الحوثيون وقوات صالح قد وصلوا إلى مدينة عدن، موسعين رقعة الحرب إلى جنوب البلاد.

 

وهنا يتضح أن من أشعل الحرب ووسعها هم الحوثيون وحلفاؤهم، وليس الثورة، فقد كانت الثورة قد انتقلت من مسار شعبي سلمي إلى مسار سياسي منظم، ولم تُفرض أهدافها بالقوة، بخلاف ما فعله الحوثيون الذين استخدموا الثورة كتكتيك سياسي لتحسين صورتهم، دون أن يكونوا مقتنعين بها أو بأهدافها.

 

من الانقلاب إلى التشظي: كيف أُجهضت الدولة وتعددت مراكز القوة؟

 

وفي سياق متصل، تكرر التدخل السعودي لصالح الشرعية اليمنية، بدءًا من رعاية المبادرة الخليجية، وصولا إلى دعم الرئيس الذي أفرزته العملية الانتقالية، غير أن الإمارات، التي كانت جزءًا من التحالف العربي بقيادة الرياض، كانت لها أهداف أخرى، تمثلت في دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس لاحقا في 2017، ما قوّض سلطة الدولة وأضعف حضورها على الأرض، وأدخل الشرعية في مواجهة مزدوجة: مع الحوثيين من جهة، ومع القوات التابعة للمجلس الانتقالي من جهة أخرى.

 

أما المفارقة اللافتة، فهي أن بعض الأطراف الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، باتت تتبنى السردية ذاتها التي تهاجم ثورة فبراير، رغم أنها كانت قبل الثورة تحتج على نظام علي عبدالله صالح، وتحمّله مسؤولية المظالم التي لحقت بالجنوب، بما فيها قضايا العسكريين والمدنيين المسرحين. كما أن الثورة، منذ بدايتها، كانت ثورة وطنية شاركت فيها مختلف مكونات المجتمع اليمني، بما في ذلك شخصيات محسوبة على حزب صالح نفسه.

 

وعليه، فإن المسار الذي انتهت إليه الثورة لا يمثل فشلا للثورة بحد ذاتها، ولا لأهدافها، بل فشلا للأطراف التي أجهضت التجربة السياسية الانتقالية، ومنعت الوصول إلى استقرار سياسي وتداول سلمي للسلطة. أما الذين يروجون لهذه السردية، فإنهم يسعون إلى تحميل غيرهم مسؤولية أخطائهم، والتنصل من أدوارهم فيما آلت إليه البلاد، وفي الوقت ذاته تجريم حق الشعب في التغيير، رغم أن كثيرا من النتائج الكارثية التي يشتكون منها اليوم كانوا هم أنفسهم جزءًا أساسيا في صناعتها.