حكومات الجمهورية اليمنية.. قراءة في الأداء.. وأرقام وإحصائيات
منذ إعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو/أيار 1990، شهدت البلاد تشكيل 12 حكومة متعاقبة، ترأسها 13 رئيس وزراء، في مسار سياسي عكس تحولات كبرى رافقت الدولة اليمنية في مراحل السلم والحرب، والاستقرار والأزمات.
وينص الدستور اليمني على أن الحكومة تتألف عن طريق تكليف زعيم الأغلبية في البرلمان بتشكيل الحكومة، أو من يختاره رئيس الجمهورية، ولم يمنع الدستور بشكل قطعي تعيين رئيس وزراء مباشرة، غير أن تعيينه لا يعد تشكيل حكومة جديدة.
وتعد حكومة الزنداني الحكومة الثانية عشرة في تاريخ الجمهورية اليمنية منذ قيامها في 22 مايو 1990، فيما يعد رئيسها الرئيس الثالث عشر لمجلس الوزراء اليمني، في مسار يعكس حجم التحولات والتحديات التي طبعت الحياة السياسية في البلاد على مدى العقود الماضية.
الحكومات التأسيسية وما بعد حرب 1994
وعن أداء الحكومات السابقة، يمكن القول إن حكومة العطاس الأولى اتخذت طابعا تأسيسيا خالصا، إذ استنزفت جزءا كبيرا من طاقتها في بناء النظامين القانوني والإداري لدولة الوحدة الوليدة.
في المقابل، خيم على حكومته الثانية مناخ حاد من الاستقطاب والانقسام السياسي، تخللته موجات من الاستقالات والتوقيفات والإقالات، واندلعت في عهدها ما يعرف بحرب الانفصال، لينتهي بها الحال إلى توقيف رئيسها عن العمل أثناء الحرب، ثم إقالتها بالكامل وتشكيل حكومة جديدة بعد ثلاثة أشهر من انتهاء الحرب.
أما حكومة عبدالعزيز عبدالغني التي خلفت حكومة العطاس، فقد اتسمت بقدر من الهدوء السياسي، وشهدت البلاد في عهدها إقرار خطة إصلاحات اقتصادية وإدارية، لم ينفذ منها فعليا سوى الجزئية المتعلقة بالإصلاحات السعرية، وهي الإصلاحات التي تحمل الاقتصاد اليمني تبعاتها الثقيلة، بحسب سياسيين وخبراء اقتصاديين.
صراع الصلاحيات والإصلاحات المعطلة
وجاءت حكومة بن غانم بناء على ثاني انتخابات برلمانية في البلاد، ولم يقبل رئيسها تولي المنصب إلا على مضض، وبوساطات وشروط، وفق شهادات عديدة، من بينها شهادة نائب وزير الخارجية الحالي مصطفى نعمان.
وشهدت الحكومة مبكرا توترا من نوع مختلف، تمثل هذه المرة في الخلاف المباشر بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بعد تنصل الأخير عن تنفيذ التعهدات التي قدمت لبن غانم، وفي مقدمتها محاربة الفساد واستكمال منظومة الإصلاحات الاقتصادية والإدارية وعدم الاكتفاء بالإصلاحات السعرية، فضلا عن رفضه تنفيذ التعديل الوزاري الذي كان قد وعد به عند تشكيل الحكومة، إذ لم يشرك رئيس الحكومة في اختيار أي من أعضائها، على أن يتم التعديل بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة. كما اعترض بن غانم صراحة على أسلوب الرئيس صالح في إدارة الدولة وتواصله المباشر مع الوزراء متجاوزا رئيس الحكومة، بحسب نعمان.
وشكلت حكومة الإرياني ما يمكن وصفه بـ«الحكومة الذهبية» لحزب المؤتمر الشعبي العام، إذ حققت ثلاثة أهداف رئيسية كانت تمثل أولوية للحزب آنذاك: ترسيخ سلطة المؤتمر على وظائف الإدارة العامة العليا باعتباره الحزب الحاكم، والمضي في تطبيق الإصلاحات السعرية التي كانت حكومة عبدالغني قد بدأت بها، إلى جانب توفير قدر من الاستقرار السياسي، على الأقل داخل أروقة النظان نفسه.
حكومات الفساد والأزمات والانتقال إلى الثورة
أما حكومتا باجمال الأولى والثانية فكانتا الأكثر إثارة للجدل، إذ شهدت اليمن خلالهما قضايا فساد واسعة، وفق تقارير رسمية وصحفية، وخاضتا صراعا حادا مع البرلمان اليمني في أكثر من ملف، كان أبرزها ملف النفط والطاقة.
وجاءت حكومة مجور في ظل ظروف سياسية وأمنية بالغة الصعوبة، ويتفق كثيرون على أن تلك الظروف أسهمت، بشكل أو بآخر، في قيادة البلاد إلى الانتفاضة الشعبية عام 2011. وقد تشكلت هذه الحكومة كما قيل حينها من تكنوقراط مؤتمريين، والتزمت قدرا من الحياد في بعض الملفات، في مقدمتها الملفات السياسية والأمنية.
وتشكلت حكومة باسندوة عقب ثورة 2011 مناصفة بين اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام، وشهدت البلاد خلال فترتها سلسلة من التوترات المفتعلة، والاضطرابات والحروب، انتهت باجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
حكومات ما بعد الانقلاب… أرقام تكشف الاختلال
أما حكومة بحاح فقد تشكلت في نوفمبر 2014 بموجب اتفاق السلم والشراكة، عقب سقوط صنعاء وعدد من المحافظات بيد الحوثيين، ولم تختلف كثيرا في حظوظها السيئة عن سابقتها، إذا استقالت بعد 75 يوما فقط من تشكيلها، قبل أن يتراجع رئيسها بحاح ويعود لممارسة مهامه، وفي عهدها اندلعت الحرب الواسعة مع مليشيا الحوثي، كما كانت أول حكومة في تاريخ الجمهورية اليمنية يتعاقب على رئاستها ثلاثة رؤساء وزراء، إذ أقيل رئيسها في أبريل 2016، وخلفه أحمد بن دغر حتى أكتوبر 2018، حين أقاله الرئيس هادي وعين معين عبدالملك بديلا عنه.
وعلى غرار سابقتها، تشكلت حكومة معين عبدالملك في ديسمبر 2020 بموجب اتفاق الرياض، عقب سيطرة المجلس الانتقالي (المنحل) على العاصمة المؤقتة عدن في أغسطس 2019. وتعرضت الحكومة لمحاولة اغتيال جماعية في مطار عدن أثناء عودتها إلى المدينة بعد أدائها اليمين الدستورية أمام الرئيس في مقر إقامته بالرياض. وشهدت الحكومة حدا أدنى من الاستقرار خلال أشهرها الأولى مقارنة بالحكومة التي سبقتها، قبل أن تتعرض مجددا لمضايقات من عناصر الانتقالي، حتى إقالة رئيسها في فبراير 2024، ليخلفه أحمد بن مبارك، قبل أن يقال هو الآخر في مايو 2025، ويعين سالم بن بريك رئيسا للحكومة.
*أرقام وإحصائيات* في عهد صالح تعاقب ستة رؤساء وزراء، شكلوا ثماني حكومات، ولم يتم تعيين أي منهم بشكل مباشر رئيسا للوزراء، كما هو الحال مع خلفه الرئيس هادي الذي عين ثلاثة رؤساء لحكومة واحدة، وكذلك الحال مع الرئيس العليمي.
تشير الإحصاءات إلى أن اثنين من رؤساء الحكومات الاثنتي عشرة شكلوا أكثر من حكومة، هما حيدر أبو بكر العطاس وعبدالقادر باجمال، في حين شهدت حكومات أخرى تعددا في رئاسة الحكومة نفسها، كما حدث مع حكومتي خالد بحاح ومعين عبدالملك.
وفي سابقة انفرد بها العليمي، عين شايع الزنداني في 15 يناير من العام الجاري رئيسا للوزراء وكلفه بتشكيل الحكومة في القرار نفسه، وهو القرار الأول من نوعه الذي يصدر بهذه الصيغة منذ قيام الجمهورية اليمنية.
على مستوى الجغرافيا، تكشف الأرقام أن 10 من أصل 13 رئيس وزراء ينتمون إلى المحافظات الجنوبية والشرقية، ستة منهم من محافظة حضرموت وحدها، واثنان من شبوة، وواحد من عدن، وواحد من الضالع، مقابل ثلاثة فقط من المحافظات الشمالية، اثنان منهم من محافظة تعز، وواحد من إب، ما يعكس تأثيرا حضرميا بارزا في غرفة القيادة الأولى بالحكومة، ورئاسة الموقع الثاني في السلطة التنفيذية.
ومن حيث الظروف السياسية التي تشكلت فيها الحكومات، فقد جاءت حكومة واحدة في إطار توافقي تأسيسي عقب الوحدة، وست حكومات بناء على نتائج الانتخابات، وحكومة واحدة نتيجة حرب، وأخرى في سياق ثورة شعبية، بينما تشكلت حكومتان بعد انقلاب وسيطرة مسلحة. كما شهدت البلاد حكومة تشكلت نتيجة أزمة سياسية مباشرة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وهي حكومة عبدالكريم الإرياني، التي جاءت عقب استقالة فرج بن غانم ورفضه الاستمرار في رئاستها.
سياسيا، انقسمت الحكومات من حيث التركيبة الحزبية إلى نصفين: ست حكومات شكلها المؤتمر الشعبي العام منفردا، وواحدة بالتشارك مع الحزب الاشتراكي فقط، وواحدة بالتشارك مع الاشتراكي والإصلاح، وواحدة بالتشارك مع الإصلاح فقط، وأربع حكومات ائتلافية شاركت فيها أحزاب أخرى، مع احتفاظ المؤتمر بالكتلة الأكبر في جميع الحالات.
أما الانتماء السياسي لرؤساء الحكومات، فكان ستة منهم من المؤتمر الشعبي العام، وخمسة مستقلين، واثنان من الحزب الاشتراكي اليمني.
وفيما يتعلق بالعمر لرؤساء الحكومات عند التشكيل، كان محمد سالم باسندوة الأكبر سنا بعمر 76 عاما، بينما كان معين عبدالملك الأصغر بعمر 42 عاما.
أما من حيث سرعة التشكيل، فقد سجلت حكومة فرج بن غانم الرقم القياسي كأسرع حكومة، إذ تشكلت خلال يوم واحد، تلتها حكومة العطاس الأولى وحكومة الإرياني، اللتان استغرق تشكيل كل منهما يومين، في المقابل، كانت حكومة معين عبدالملك الأطول زمنا في التشكيل، حيث استغرق تأليفها 140 يوما.
خلال مسيرة الحكومات اليمنية كلف أربعة وزراء بإدارة شؤونها وتسيير أعمالها دون أن يرأسوها رسميا، وهم: محمد سعيد العطار، الذي كُلف بإدارة حكومة العطاس الثانية، وعبدالكريم الإرياني بإدارة حكومة بن غانم، وحسن اللوزي بإدارة حكومة مجور، وعبدالله الأكوع بإدارة حكومة باسندوة.
وتظهر البيانات أن وزارة الخارجية كانت البوابة الأبرز للانتقال مباشرة منها إلى رئاسة الحكومة، حيث انتقل أربعة من وزرائها العاملين إلى رئاسة الحكومة، وهم الإرياني، وباجمال، وبن مبارك، والزنداني، بالإضافة إلى باسندوة الذي تولى الحقيبة في مرحلة سابقة.
كما كانت وزارة التخطيط من أكثر الوزارات التي شغلها رؤساء حكومات في فترات سابقة من توليهم المنصب، بواقع أربعة رؤساء، هم بن غانم، والإرياني، وباجمال، وباسندوة.
وسجلت وزارات الكهرباء، والأشغال، والمالية، حالات انتقال مباشرة منها إلى رئاسة الحكومة، بينما شغل رؤساء حكومات حقائب الاتصالات، والنفط، والإعلام، والثروة السمكية، والتربية، والزراعة، والصحة، والاقتصاد، والإنشاءات، في مراحل سابقة من مسيرتهم السياسية.
وعلى صعيد الحجم الوزاري، تعد حكومة العطاس الأولى الأكبر عددا، بواقع 40 عضوا مع رئيسها، في حين كانت حكومة معين عبدالملك الأقل عددا بـ25 عضوا فقط.
وبالنسبة لرؤساء الحكومات، فقد تصدر عبدالقادر باجمال قائمة أطول رؤساء الحكومات بقاء في المنصب، لمدة ست سنوات، يليه معين عبدالملك لمدة خمس سنوات وثلاثة أشهر، بينما كان سالم بن بريك الأقصر بقاء، بثمانية أشهر فقط، يليه فرج بن غانم بعام واحد.
أما الحكومات، فكانت حكومة مجور الأطول عمرا من بين كل الحكومات، تلتها حكومة عبدالقادر باجمال الثانية بفارق شهر واحد فقط، في حين كانت حكومة فرج بن غانم الأقصر عمرا، تليها حكومة العطاس الثانية.
وعلى مستوى الوزراء، كان الأطول بقاء في الحكومات صادق أمين أبو رأس، بفترة اقتربت من 17 عام، بشكل متواصل، ثم ثلاث سنوات بعدها، يليه معمر الإرياني، الذي ما يزال وزيرا منذ أكثر من 14 عاما، عمل خلالها مع سبعة رؤساء وزراء، مقابل الأقصر بقاء خالد بحاح في فترته الثانية في وزارة النفط، التي بقي فيها ثلاثة أشهر فقط، وعبدربه منصور هادي في وزارة الدفاع، الذي بقي فيها خمسة أشهر ليعين بعدها نائبا لرئيس الجمهورية.
وتعد وزارة النفط الأكثر تداولا بين الوزراء، حيث تعاقب عليها خمسة عشر وزيرا، بالإضافة إلى واحد اعتذر عن قبول المنصب، في حين جاءت وزارة الاتصالات كأقل الوزارات تداولا، حيث تعاقب عليها ستة وزراء فقط.