استنفار وتحشيد.. التصعيد الحوثي بين مأزق الداخل ورهانات إيران

2026-01-31 01:49 الهدهد/خاص:
استنفار وتحشيد.. التصعيد الحوثي بين مأزق الداخل ورهانات إيران

شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا لافتًا من قبل جماعة الحوثي، تزامن مع تحركات ميدانية مكثفة في عدد من المحافظات، في مؤشر على انتقال الجماعة إلى مرحلة جديدة من التوتر المحسوب، تحمل دلالات ورسائل متعددة على المستويين الداخلي والإقليمي.

مصادر ميدانية، رصدت موجة تحشيد غير مسبوقة نفذتها الجماعة في عدد من المحافظات، شملت تعبئة عسكرية وتنظيم دورات فكرية وتجنيدًا واسعًا طال شرائح مختلفة من المجتمع، من طلاب وموظفين إلى عناصر قبلية.

هذه التحركات، بحسب مراقبين، لا يمكن فصلها عن مسعى حوثي لإعادة إنتاج حالة الحرب كخيار دائم، والالتفاف على أي مسار سياسي قد يفضي إلى تسوية تقلّص نفوذ الجماعة أو تنزع عنها أدوات السيطرة العسكرية.

ويرى متابعون أن الجماعة تحاول من خلال هذا التصعيد فرض واقع جديد، عنوانه إبقاء البلاد في حالة استنفار دائم، وتحويل أي هدنة إلى مرحلة انتقالية قصيرة تسبق جولة توتر جديدة.

تصعيد إعلامي

بالتوازي مع التحركات الميدانية، صعّدت المليشيات من خطابها الإعلامي ضد المملكة العربية السعودية، عبر حملة منظمة قادها قياديون بارزون على منصات التواصل، لا سيما منصة “إكس”، مستخدمين خطابًا تصعيديًا أعاد إلى الأذهان أجواء ما قبل جولات المواجهة الكبرى في السنوات الماضية.

اللافت في هذه الحملة ليس حدّة الخطاب فحسب، بل توقيته وتزامنه، إضافة إلى إعادة تدوير مشاهد قديمة لهجمات بحرية، في مقدمتها استهداف سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، في رسالة بدت واضحة المعالم: الجماعة لا تزال تمتلك أوراق ضغط إقليمية، وقادرة على إعادة خلط المشهد متى أرادت.

ويؤكد مراقبون، أن إعادة نشر هذه المواد لا تحمل بعدًا إعلاميًا بقدر ما تمثل رسالة تهديد سياسية محسوبة، تهدف إلى تذكير المجتمع الدولي بخطورة تجاهل الحوثيين أو التقليل من قدرتهم على الإضرار بأمن الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، أعادت الجماعة بث تسجيلات قديمة لعملية استهداف السفينة البريطانية “مارلين لواندا”، رغم مرور قرابة عامين على تنفيذها، وهو ما اعتبره مختصون مؤشرًا على توظيف الإعلام كأداة ردع، لا كوسيلة توثيق.

ويرى مركز واشنطن للدراسات اليمنية أن توقيت إعادة النشر يحمل دلالات واضحة، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، إذ تحاول الجماعة إيصال رسالة مزدوجة: الأولى للغرب بأنها لا تزال قادرة على تهديد خطوط الملاحة، والثانية لحلفائها الإقليميين بأنها ورقة ضغط جاهزة للاستخدام عند الحاجة.

إعادة إنتاج الحرب

ميدانيًا، كثّفت المليشيات تحركاتها في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها، عبر فتح معسكرات تدريب جديدة، وتنفيذ دورات تعبئة فكرية، وتنظيم استعراضات عسكرية علنية، وذلك بعد توقفها خلال الأشهر الماضية بعد الضربة الاسرائيلية التي استهدفت حكومتها نهاية أغسطس الماضي.

مصادر مطلعة، أكدت أن هذه التحركات رافقها تجنيد قسري، خصوصًا في أوساط الشباب، إلى جانب استدعاء خطاب تعبوي طائفي، يعكس عودة واضحة إلى سياسة “تعبئة المجتمع للحرب”، في ظل تراجع التأييد الشعبي وتفاقم الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعبّر عن مأزق داخلي تعيشه الجماعة، في ظل تراجع قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لها، وتزايد النقمة الشعبية بسبب الفساد وانهيار الخدمات، ما يدفعها لاستخدام الحرب كوسيلة للهروب من الاستحقاقات الداخلية.

في مقابل هذا التصعيد، تؤكد الحكومة اليمنية التزامها بخيار السلام، والانخراط في المسارات السياسية، إلا أن سلوك الحوثيين يعكس قناعة راسخة بأن أي سلام حقيقي يمثل تهديدًا مباشرًا لبنية الجماعة.

فالسلام، من وجهة نظر الحوثيين، يعني فقدان مبررات السلاح، وانكشاف ملفات الانتهاكات، وعودة مؤسسات الدولة، وتراجع نفوذهم الاقتصادي والعسكري، وهو ما يفسر إصرارهم على تعطيل أي مسار يؤدي إلى توحيد القرار السياسي والعسكري تحت مظلة الشرعية.

السياق الإقليمي

لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن السياق الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، فالمعطيات تشير إلى أن الحوثيين باتوا إحدى أبرز أدوات طهران في إدارة الصراع غير المباشر في المنطقة.

فالتحركات التي قامت بها مؤخرًا مثل نقل منصات صاروخية باتجاه الساحل الغربي، وإعادة التلويح باستهداف السفن، تعكس بوضوح أن الجماعة تتحرك ضمن هامش محسوب يخدم أجندة إيرانية أوسع، تقوم على توسيع رقعة الضغط ورفع كلفة أي مواجهة محتملة.

ويرى مراقبون أن الرسالة التي تحاول طهران إيصالها عبر الحوثيين مفادها أن أي تصعيد ضدها لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل سيمتد إلى الممرات البحرية والمناطق الحساسة في الإقليم.

والأخطر في المشهد، لا يتمثل فقط في التصعيد العسكري، بل في المشروع طويل الأمد الذي تعمل عليه الجماعة، والقائم على تحويل المجتمع اليمني إلى بيئة صراعية دائمة، عبر عسكرة التعليم، وتطبيع العنف، وربط الأجيال الجديدة بثقافة الحرب.

وتحذر تقارير حقوقية من تصاعد وتيرة تجنيد الأطفال، وتراجع مستوى التعليم، واتساع دائرة الفقر، في ظل غياب أي أفق اقتصادي أو سياسي، ما ينذر بتكريس واقع هش قابل للانفجار في أي لحظة.

وفي ظل غياب موقف دولي حازم، واستمرار التعامل البراغماتي مع الجماعة، يحذر مراقبون من أن اليمن قد يتجه نحو مرحلة أكثر اضطرابًا، يكون فيها الحوثيون أداة صراع إقليمي، وتتحول البلاد مجددًا إلى ساحة تصفية حسابات، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.