مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين: من خدمة المواطنين إلى منصات تعبئة طائفية

2026-01-26 20:09 الهدهد/خاص:
مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين: من خدمة المواطنين إلى منصات تعبئة طائفية

لم تعد المؤسسات الحكومية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله، ولا تمارس وظائفها الطبيعية المرتبطة بخدمة المواطن أو إدارة شؤون الدولة، بل باتت تُسخّر بشكل شبه كامل في مسار آخر، يطغى عليه الطابع التعبوي الطائفي والاحتفالي المرتبط بسلسلة مناسبات ذات بعد طائفي وسياسي متنوعة.

خلال الشهر الجاري، ما إن أسدلت جماعة الحوثي الستار على ما تسميه "فعاليات جمعة رجب"، حتى انتقلت إلى إحياء الذكرى السنوية لما تطلق عليه "يوم الشهيد"، وهي المناسبة التي درجت الجماعة على إحيائها سنوياً تخليداً لمؤسسها حسين الحوثي، الذي لقي مصرعه عام 2004 برصاص قوات الجيش خلال تمرده المسلح على الدولة وتحديدًا في جبال مران بمحافظة صعدة.

ولم تكد تلك الفعاليات تنتهي، حتى فُتحت أبواب المؤسسات مجدداً لإحياء ذكرى مقتل صالح الصماد، الرئيس السابق لما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى، الذي قُتل في عام 2018 بغارة جوية للتحالف في محافظة الحديدة، وفق ما أعلنته وسائل إعلام تابعة للجماعة، لتتبعها لاحقاً استعدادات واسعة لفعاليات شهر رمضان، ضمن برنامج متواصل لا يكاد ينقطع على مدار العام.

وبين هذه المناسبات المتلاحقة، جرى الزج بموظفي المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية في أنشطة مرافقة، شملت زيارات منظمة للجامع الكبير في ذكرى جمعة رجب، وأخرى أُجبرت خلالها قيادات وموظفو جهات حكومية على التوجه إلى قبر الهالك حسين الحوثي في صعدة، وصالح الصماد في ميدان السبعين بصنعاء، وذلك في مشهد يعكس حجم التوظيف الطائفي لهذه المناسبات.

مناسابت طائفية على مدار العام

ما سبق ذكره لا يمثل سوى جزء يسير من سلسلة فعاليات تتركز في إطار زمني لا يتجاوز شهراً واحداً، فيما يمتد المشهد ذاته على مدار العام بوتيرة متواصلة لا تكاد تتوقف، فخلال العام تمتد مسيرة طويلة من الفعاليات الطائفية التي تقيمها الجماعة في مختلف مناطقها بتوتيرة عالية.

حيث تبدأ هذه الفعاليات السنوية بإحياء ذكرى عاشوراء يوم الغدير، تليها المحاضرات الدورية المرتبطة بما يُعرف بـ"محاضرات السيد" خلال شهر رمضان، ثم تتجدد الأنشطة خلال عشر ذي الحجة، قبل الانتقال إلى إحياء ذكرى مقتل الإمام زيد بن علي، واستشهاد الحسين، وما يتبعها من مناسبات أخرى.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تتواصل الفعاليات مع المولد النبوي، ثم ما يُسمى بـ"يوم الصمود" في 28 مارس، إضافة إلى ذكرى الصرخة، إلى جانب برامج ودورات تحمل مسميات متعددة، من بينها دورات "طوفان الأقصى"، ودروس "مالك الأشتر"، وبرامج "مدونة السلوك الوظيفي"، وغيرها من الأنشطة التي تُفرض على المؤسسات والموظفين بصورة متكررة.

هذه السلسلة المتتابعة من الفعاليات لا تُنظم بوصفها مناسبات موسمية عادية، بل تُدار كبرنامج دائم ومفتوح، يستهلك الوقت والجهد والموارد، ويعكس نمطاً ثابتاً في توجيه عمل المؤسسات نحو أنشطة ذات طابع تعبوي، على حساب المهام الإدارية والخدمية التي يفترض أن تكون في صدارة الأولويات.

البرنامج الطائفي الأسبوعي 

يأتي ذلك بالتوازي مع فرض ما يُعرف بـ"البرنامج الثقافي الأسبوعي"، الذي يُقام بشكل دوري كل يوم أربعاء في مختلف المؤسسات الحكومية منذ أكثر من عشر سنوات، حيث يُلزم الموظفون، إلى جانب الطلاب والمعلمين والأكاديميين، بالحضور والمشاركة فيه دون أي اعتبار لطبيعة أعمالهم أو التزاماتهم الوظيفية أو التعليمية.

ولا يقتصر الأمر على مجرد الحضور الشكلي، بل يُتعامل مع هذا البرنامج كأداة تقييم غير معلنة، إذ يُربط الالتزام به بمسار الموظف الوظيفي، ويُؤخذ في الحسبان عند النظر في الترقيات أو توزيع المهام أو حتى في تقييم الولاء الوظيفي، ما يحوّل المشاركة فيه من نشاط اختياري إلى التزام قسري مفروض بقوة الواقع.

ويمتد هذا النهج ليشمل الجامعات والمؤسسات التعليمية على حد سواء، حيث تُفرض البرامج ذاتها على الأكاديميين والطلاب، وتُدمج في البيئة التعليمية بطريقة تجعل منها جزءاً من النشاط الرسمي، بعيداً عن أي سياق علمي أو أكاديمي حقيقي.

وبهذا، لم تعد مؤسسات الدولة تؤدي دورها الطبيعي في تقديم الخدمات أو تطوير الأداء الإداري والتعليمي، بل تحولت تدريجياً إلى أدوات تعبئة فكرية، تُسخّر لتنفيذ برامج ذات طابع طائفي ممنهج، في وقت تتراجع فيه الخدمات، وتتآكل فيه حقوق الموظفين، وتُهمَّش فيه أولويات المواطنين اليومية.

معاناة الموظفين

هذه الممارسات، في مجملها، لا يمكن النظر إليها بوصفها فعاليات عادية، أو مناسبات دينية اعتيادية، بل تمثل مؤشراً واضحاً على التحول العميق الذي طرأ على طبيعة عمل مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الجماعة، حيث جرى تفريغها من مضمونها الإداري والخدمي، وتحويلها إلى منصات لإحياء مناسبات ذات طابع طائفي متكرر.

الأكثر لفتاً للانتباه أن كل ذلك يتم في وقت يعاني فيه الموظفون من أوضاع معيشية خانقة، وحرمان مستمر من المرتبات، وتراجع حاد في مستوى الخدمات، في مقابل إنفاق مبالغ كبيرة على تنظيم الفعاليات، وتجهيز القاعات، وتسيير القوافل، وتنفيذ البرامج المصاحبة لها، دون أي اعتبار لأولويات الناس أو احتياجاتهم الأساسية.

حيث تبدو مؤسسات الدولة في صنعاء وقد خرجت فعلياً من إطارها الوظيفي الطبيعي، لتتحول إلى أدوات تعبئة موسمية، تُدار وفق أجندة واحدة، وتُستخدم لإدامة خطاب محدد، على حساب الدور الحقيقي الذي يفترض أن تقوم به تجاه المواطنين.

وندد عدد من الموظفين في مؤسسات الدولة بهذه الممارسات الحوثية المستفزة، مؤكدين أن صرف ملايين الريالات على هذه الفعاليات الطائفية يتم في وقت يعاني فيه عشرات الموظفين داخل المؤسسات من الجوع وانعدام المرتبات، ما يضع حياتهم الأساسية في خطر حقيقي.

وأشار الموظفون إلى أن المؤسسات أصبحت تعمل خارج الإطار القانوني والدستوري المنوط بها، بعيداً عن أي التزامات خدمية أو إدارية، مؤكّدين أن هذه الجهات تحولت عملياً إلى أدوات للتعبئة الطائفية، تُستغل لنشر الأحقاد والكراهية، وتعزيز ثقافة العنف، بدلاً من أداء المهام الوطنية التي أنشئت من أجلها.