مصطفى الجهمي في حديث خاص لـ«الهدهد».. من طالب إدارة إلى رمز للثبات الجمهوري

2026-01-17 22:52 الهدهد/ إبراهيم الجحدبي/ خاص
الضابط مصطفى الجهمي
الضابط مصطفى الجهمي

في مشهد لم يكن عابرًا ولا عاطفيًا، تحوّل مقطع مصوّر التُقط في إحدى نقاط التفتيش بمحافظة حضرموت إلى أيقونة وطنية. شابٌ أعزل بعد أن صودر سلاحه، محاط بعناصر مسلحة، يتمسّك بعلم الجمهورية اليمنية ويرفض نزعه، رغم الضرب والاعتداء والإهانة. لم يكن المشهد مجرد اشتباك عابر، بل لحظة اختبار للقيم، للقسم العسكري، ولجوهر الدولة نفسها.

ذلك الشاب هو النقيب مصطفى محمد علي حرب الجهمي، ابن محافظة ذمار- مديرية عتمه، الذي وجد نفسه فجأة في قلب مواجهة رمزية بين مشروعين: مشروع الدولة، ومشروع المليشيا.

 

من القلم إلى البندقية… مسار فرضته الحرب

وُلد مصطفى الجهمي عام 1988 في عزلة القحصة، مديرية عتمة بمحافظة ذمار. لم يكن ميّالًا في بداياته للسلك العسكري، بل اتجه إلى العمل المدني، والتحق بالمعهد الوطني للعلوم الإدارية في صنعاء، وحصل على دبلوم فني في إدارة التسويق، واضعًا أمامه مستقبلًا مهنيًا مدنيًا واضح المعالم.

لكن الحرب - كما يقول - لا تترك دائمًا حرية الاختيار.

تغيّر مسار حياته جذريًا مع دخول مليشيا الحوثي إلى مديرية عتمة، واستشهاد عمه عبده علي حرب الجهمي. عندها قرر الانخراط في صفوف المقاومة، وكان أول اشتباك له بعد خروج المقاومة من المديرية، إثر حادثة اعتداء المليشيا على رفيق دربه الشهيد عبده سعيد الجهمي داخل بقالته، وهي حادثة أسفرت عن إصابته وإصابة آخرين، منهم أخوه هايل محمد الجهمي الذي جرح وأسر في ذات الموجهة ، وجرح آخرون ايضا.

لاحقًا، غادر مصطفى مع رفاقه - ومنهم الشهيد مطيع الجهمي والشهيد عبده سعيد الجهمي - إلى مأرب، حيث استشهد الأخير مع عبدالغني شعلان قائد قوات الأمن الخاصة، كما استشهد شقيقه القائد في كتائب ذمار مطيع الجهمي في مواجهات مع مليشيات الحوثي في المشجح، جبهة صرواح بمحافظة مأرب.

بعدها توجّه مصطفى إلى سيئون برفقة والده، والتحق بالمنطقة العسكرية الأولى عام 2017.

 

مسار عسكري متعدد التخصصات

في سيئون، واصل مصطفى تأهيله، فدرس دبلوم سكرتارية آلية (كمبيوتر)، ودبلوم صيانة جوالات، إلى جانب عدد من الدورات العسكرية والأمنية، وكان مرافقًا لوالده في معظم تحركاته، وعمل في شعبة أمن المنطقة العسكرية الأولى.

قبل عامين حصل على ترقية إلى رتبة ملازم ثانٍ، وقبيل الأحداث الأخيرة في سيئون بشهر واحد، كان ملتحقًا بدورة حتمية في اللواء 101 شرطة جوية.

 

لحظة السقوط… حين بدأ الامتحان الحقيقي

في يوم سقوط المنطقة العسكرية الأولى، كان مصطفى ووالده العميد محمد علي حرب الجهمي في قيادة المنطقة. أُصيب الوالد أثناء الاشتباكات، فنقله مصطفى بنفسه إلى المستشفى. عند بوابة المنطقة، سلّما بنادقهم بعد أن سمحت لهما مجموعة مسلحة بالمرور.

لكن بعد خروجهما من منطقة بكيل، تفاجآ بنقطة مسلحة أخرى قطعت عليهما الطريق، وأجبرتهما على النزول من السيارة. هناك، بدأت لحظة المواجهة التي وثّقها المقطع المتداول.

يحكي مصطفى لـ"منصة الهدهد": "حاولوا تركيعي على الأرض، فرفضت، فتلقّيت ضربتين بمؤخرة البندقية. ثم نشب شجار عندما أخذوا والدي بعيدًا عني، وكان لديّ علم الجمهورية تحت الجاكيت. حاولوا نزعه فلم يتمكنوا، فقطعوا الأزرار وأخذوا الجاكيت والقميص الميري والعلم".

ويصف تلك اللحظة بأنها:"تعكس حقدهم على علم الوحدة، والتعبئة المناطقية التي يحملونها".

وعند سؤاله عن تمسّكه بالعَلَم، أجاب بأن لم موقفه هذا لم يكن انفعاليًا، بل قناعة راسخة وقسمًا عسكريًا، مضيفا "الذي دفعني للتمسك بالعلم هو أنه شعار ورمز يجب التضحية من أجله، وهذا أقل واجب نقدمه للوطن. علم الوحدة اليمنية ليس مجرد رمز، بل تعبير عن روح الوحدة والتضحية من أجل اليمن الموحد".

 

أيام الأسر… والصمت القاسي

قضى مصطفى ووالده أيامًا في الأسر، حيث احتجز مصطفى في أحد ملحقات مطار سيئون، ووالده المصاب الذي ظل في المستشفى تحت رقابة عناصر مليشيا الانتقالي حتى لحق بولده في ذات مكان احتجازه، إلى أن أُعلن لاحقًا عن الإفراج عنهما اثر دخول القوات التابعة للحكومة الشرعية مدينة سيئون.

واستعاد مصطفى لاحقًا تفاصيل إضافية عن تجربة الاعتقال، كاشفًا أن احتجازه ووالده بدأ من داخل المستشفى، قبل أن يتم اقتيادهما إلى المطار، حيث كانا برفقة نحو ثلاثين شخصًا من الجنود والمدنيين الذين جرى اعتقالهم عشوائيًا من الشوارع. ويوضح أن عمليات النهب والاعتقال لم تكن تستثني أحدًا، حتى المدنيين، مؤكدًا أن كل من كان من أبناء المحافظات الشمالية كان معرضًا للاعتقال والسلب لمجرد هويته.

ويصف مصطفى الأيام الأولى من الأسر بأنها كانت الأقسى في تجربته، مشيرًا إلى أن أول يومين شهدا موجة من الإهانات اللفظية والابتزاز النفسي، وهي مرحلة تركت أثرًا بالغًا في نفسه، واعتبرها اللحظة الأصعب منذ لحظة اعتقاله.

أما عن كيفية علمه بقرب الإفراج، فيقول إن الوعود بدأت منذ الأيام الأولى لكنها كانت تتبدد تباعًا، ما أفقدهم الثقة بأي حديث عن إطلاق سراحهم. ويضيف أنهم كانوا يسمعون أصوات الطيران أحيانًا من دون معرفة ما يجري في الخارج، قبل أن يعلموا لاحقًا بحدوث ضربات جوية في المكلا، وهو ما شكّل مؤشرًا غير مباشر على تغير المعادلة الميدانية التي انتهت بخروجهم.

ويكشف مصطفى لـ"منصة الهدهد" أن مسار احتجازه تنقّل بين عدة جهات، حيث قضى 12 يومًا في المطار لدى اللواء الرابع دعم وإسناد، موضحًا أن بعض أفراده تعاملوا معهم بصورة أفضل نسبيًا. ثم جرى نقلهم إلى إدارة المرور وتسليمهم لقوات النخبة الحضرمية بقيادة أبو علي الحضرمي، حيث خضعوا لتحقيق استمر 14 يومًا. وبعدها نُقلوا إلى سجن النيابة العسكرية في المنطقة بواسطة قائد لواء بارشيد عبد الدايم، وبقوا فيه ثلاثة أيام إضافية، قبل الإفراج عنهم يوم الجمعة عند الساعة الحادية عشرة ظهرًا، بالتزامن مع الاشتباكات في منطقة الخشعة. وبعد ساعتين فقط من خروجهم، تعرّضت المنطقة ذاتها لضربة جوية.

وعن لحظة وصوله إلى مأرب، يقول مصطفى إن الاستقبال الشعبي أشعره بفخر عميق، معتبرًا أن مأرب تمثل اليوم قلعة الجمهورية، ومكان الثبات الوطني في زمن الاضطراب.

كما عبّر عن اعتزازه الكبير بالتكريم الذي حظي به من رئيس هيئة الأركان الفريق الركن صغير بن عزيز، مؤكدًا أن هذا التكريم، حتى وإن كان رمزيًا، يمثل له شرفًا شخصيًا ومعنويًا كبيرًا، ويجسد تقدير المؤسسة العسكرية للمواقف الوطنية الصادقة.

وفي حديثه عن رسالته لزملائه وللشباب، شدد مصطفى على أن اليمن بلد ولّاد بالشباب الثائر، لكنه يعاني من غياب القيادة والتوجيه الصحيح. وأكد ضرورة أن يكون الشباب حاضرين في مواقع صنع القرار، وألا يصمتوا عن الباطل مهما كان مصدره، مشيرًا إلى أن اليمن تحتاج إلى التضحية، إن لم تكن بالروح فبالكلمة والموقف.

 

من مقطع صادم إلى مشهد وفاء شعبي في مأرب 

عقب الإفراج، وصلا إلى محافظة مأرب، حيث كان في استقبالهما حشود من المواطنين والقيادات الاجتماعية والعسكرية، خاصة من أبناء مديرية عتمة- ذمار، في مشهد عبّر عن تقدير واسع لموقفهما.

كما جرى استقبالهما من قبل أبناء ووجهاء القطاع الأول بمخيم الجفينة، حيث استقرا، في مشهد وصفه الحاضرون بـ"المهيب"، بعد صلاة الجمعة وبدعوة من عاقل القطاع وخطيب الجمعة.

لم يكن الاستقبال بروتوكوليًا، بل عفويًا، صادقًا، نابعًا من وجدان الناس. تدافع المصلّون لا بدافع الفضول، بل بدافع التقدير، تقديرٌ لرجالٍ ثبتوا حين كان الثبات مكلفًا، وصادقوا الجمهورية في أحلك الظروف، فاستحقوا أن تُفتح لهم القلوب قبل الأيدي.

قال العميد صادق معوضه، قائد اللواء 312 ونائب قائد مقاومة عتمة "الحمد لله على سلامتكم وأهلًا وسهلًا بكم بين إخوانكم. لقد كانت مواقفكم مواقف رجولية مثّلتم فيها أبناء الجيش الوطني وأبناء اليمن قاطبة، وهذه مواقف ليست غريبة عليكم، فهي معروفة في تاريخكم النضالي الكبير".

رد الأب: "ما تخلّينا عن شرفنا العسكري". من جانبه، قال العميد محمد علي حرب الجهمي، رئيس شعبة أمن المنطقة العسكرية الأولى "ما قمتم به هو الشرف، وأنتم الشرفاء. وكل من غادر عتمة شريف. ما كنت أتوقع منكم إلا هذا، وهذا يدل على معدنكم الأصيل. 

ما حصل في المنطقة العسكرية الأولى كان خيانة من الداخل والخارج، ومن القريب قبل البعيد. أدّينا واجبنا، وما تخلّينا عن شرفنا العسكري حتى آخر لحظة. وها نحن اليوم بينكم، شكرًا لكم مرة ثانية. ونحن ما خُلقنا إلا لنكون هكذا، وإلا فلا داعي لوجودنا".

 

من التكريم الشعبي إلى التكريم الرسمي

لم يتوقف الاعتراف عند الشارع، بل انتقل إلى أعلى المستويات العسكرية. فقد كرّم رئيس هيئة الأركان العامة، قائد العمليات المشتركة، الفريق الركن الدكتور صغير حمود بن عزيز، النقيب مصطفى محمد علي حرب الجهمي، مشيدًا بشجاعته وتفانيه في حماية المكتسبات الوطنية والوفاء بقسمه العسكري، وتضحيته في سبيل راية الجمهورية اليمنية وبقائها خفّاقة عالية.

وأوضح الفريق بن عزيز أن هذا التكريم هو تكريم لكل جندي وضابط وصف يؤدي مهامه بإخلاص في وجه المشاريع التي تمس أمن اليمن ووحدته واستقراره وسلامة أراضيه، مشددًا على أن توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الدكتور رشاد محمد العليمي، تؤكد دائمًا على مبدأ الثواب والعقاب داخل المؤسسة العسكرية، ومكافأة الأبطال والمخلصين الذين يعيدون للمؤسسة العسكرية اعتبارها ويرفعون ثقة الشعب بها.

كما شمل التكريم والد مصطفى، العميد محمد علي حرب الجهمي، الذي أُصيب في حادثة الاعتداء على محافظة حضرموت من قبل مليشيات المجلس الانتقالي.

وقال مصطفى تعليقًا على التكريم: "نشكر رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز على هذا التكريم، ونؤكد للوطن وقيادتنا السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي أننا سنكون أوفياء للوطن وعلم الجمهورية اليمنية ما حيينا".

 

رمزية تتجاوز الحدث… حين يتقدم الفرد وتتراجع المؤسسة

تفتح قصة مصطفى الجهمي بابًا واسعًا للنقاش العام: كيف يمكن لموقف فردي أن يحمل ما عجزت عنه مؤسسات؟ وكيف يتحوّل الدفاع عن رمز الدولة إلى فعل شخصي في لحظة يُفترض أن تكون فيها الدولة حاضرة بكل ثقلها؟

في وقتٍ غابت فيه بعض القيادات والمؤسسات عن أداء دورها، برز موقف مصطفى كحالة فردية للدفاع عن رمز الدولة، لا بوصفه قطعة قماش، بل باعتباره عنوانًا للجمهورية، للوحدة، ولتاريخ طويل من التضحيات.

ليست القضية هنا شخصًا، بل نموذجًا: نموذج الجندي الذي يقدّم القسم العسكري على السلامة الشخصية، ويضع العلم فوق الجسد، والدولة فوق الذات.

 

حين يصبح الموقف رسالة

لم يكن مصطفى الجهمي يسعى إلى شهرة، ولا إلى تكريم، ولا إلى منصب. لكنه، في لحظة ضغط، اختار أن يكون في صف الرمز، لا في صف الخوف. وفي بلدٍ أنهكته الحرب، تظل مثل هذه المواقف بمثابة رسائل مفتوحة تقول إن الجمهورية لا تزال حيّة في قلوب أبنائها، وإن العلم لم يسقط ما دام هناك من يرفض إنزاله.

إنها ليست قصة شخص… بل قصة وطن يتذكّر نفسه من خلال مواقف أبنائه