حين يُصبح العلاج مشروطًا بالهوية: الانتقالي يميّز ضد جرحى المنطقة الأولى في سيئون

2025-12-31 22:00 الهدهد/خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

 

في أحد أجنحة هيئة مستشفى سيئون بوادي حضرموت، حيث يُفترض أن تتساوى الأرواح أمام الألم، بدأت حكاية مختلفة تُروى همسًا، خوفًا من العواقب، وهي لا تتعلق بنقص الدواء ولا بضعف الإمكانيات، بل بشيء أشد قسوة: التمييز في حق الحياة.

بحسب إفادات متطابقة من عاملين في المستشفى تحدثوا لمنصة "الهدهد"، شريطة عدم ذكر أسمائهم، جرى خلال الأيام الماضية نقل عدد من جرحى المنطقة العسكرية الأولى، والتي كان مقرها سيئون، إلى أحد الأقسام التي كانت تُستخدم سابقًا لعزل مرضى كورونا.

لم يكن العزل إجراءً طبيًا، بل خطوة احترازية غير معلنة، رافقها منع التواصل مع ذويهم، وتأخير في تقديم التغذية والرعاية الأساسية.

ووفقا لذات المصادر، فقد وجد الممرضون الحضارم أنفسهم أمام مشهد إنساني صادم، لم يقفوا مكتوفي الأيدي، حيث سارعوا إلى تنظيم حملة تبرعات سرّية، جمعوا فيها ما تيسر من عصائر ومستلزمات طبية وأدوية، وأدخلوها خفية إلى المصابين، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن الوضع الصحي لبعض الجرحى تدهور سريعًا، ما اضطر لاحقًا إلى نقلهم إلى مقر قيادة المنطقة الأولى، ويُقدَّر عددهم بما بين 10 إلى 15 حالة.

وهؤلاء الجرحى هم الأسرى الذين وقعوا في قبضة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بعد سيطرتها على مقر المنطقة والمدينة مطلع ديسمبر الماضي. وبحسب رئاسة هيئة الأركان، فقد أسفرت الاشتباكات بين الطرفين عن مقتل 32 جنديا وإصابة 45 آخرين من قوات المنطقة وأن جثامين بعض القتلى لا تزال محتجزة.

بالعودة لشهادات العاملين في المستشفى، يقول أحدهم، إن الانتقالي فرض على المستشفى تعاملاً تمييزياً مع المرضى بشكل غير معلن: قائمة للوافدين من المحافظات الجنوبية، وأخرى للقادمين من المحافظات الشمالية، مما يترتب عليه تأخير العلاج للحالات المدنية للمواطنين من أبناء المحافظات الشمالية المقيمين في سيئون، مهما بلغت خطورتها، مقابل تقديم الأولوية لمنتسبي قوات الانتقالي.

من هذه المشاهد الأكثر قسوة، كما تروي الشهادات، كان لرجل مسن من إحدى المحافظات الشمالية، أُصيب بأعراض جلطة حادة، فذهب لجاره الحضرمي لمساعدته فحمله مسرعًا إلى المستشفى أملاً في إنقاذه، لكن في اللحظة نفسها، وصل جندي من قوات الانتقالي مصابًا بطلق ناري إثر شجار مع زميله تطور إلى إطلاق نار.

و رغم خطورة حالة الرجل المسن، جرى تأجيل إسعافه، بينما انشغل الطاقم بمحاولة إنقاذ الجندي، الذي فارق الحياة لاحقًا، أما الرجل الكبير في السن، فقد تُرك ينتظر، لأن "الأولوية ليست له".

وتشير المصادر إلى أن المستشفى بات يعتمد آلية فرز غير رسمية للمرضى، تُصنّفهم بحسب الانتماء الجغرافي، لا بحسب خطورة الحالة الطبية، في مشهد ينسف أبسط مبادئ العمل الإنساني والأخلاقي.

هذه الروايات، التي لا تزال تُتداول بصوت خافت، تكشف عن واقع خطير يتجاوز السياسة إلى عمق الكرامة الإنسانية، حيث يتحول المستشفى من مساحة للنجاة إلى مرآة للصراع، ويصبح الجرح مضاعفًا: جرح في الجسد، وآخر في العدالة.