طارق صالح بين أبوظبي والرياض: اختبار الولاءات في حضرموت والمهرة

2025-12-29 21:51 الهدهد/خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

تبرز الأزمة في محافظتي حضرموت والمهرة كاختبار حاسم لمواقف العميد طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي، الذي غاب عن اجتماع مجلس الدفاع الوطني يوم الجمعة 26 ديسمبر الجاري، والمخصص لمناقشة سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على المحافظتين مطلع الشهر نفسه.

وعُقد الاجتماع بحضور عدد من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وهم: عبد الله العليمي، وعثمان مجلي، وسلطان العرادة، فيما تغيب أربعة أعضاء آخرون، وهم ثلاثة من ممثلي المجلس الانتقالي الجنوبي، إضافة إلى طارق صالح. ولم تذكر وكالة الأنباء الرسمية (سبأ) أسباب تغيب الأعضاء الأربعة، أو ما إذا كانوا قد قدموا أعذارًا، كما جرت العادة، إلا أن حالة الانقسام والتمايز داخل مجلس القيادة كانت واضحة، خصوصا مع غياب ممثلي المجلس الانتقالي، وكذلك غياب طارق صالح، رغم أن بعض المصادر تحدثت عن دعوته للمشاركة.

ولم يكن هذا الاجتماع عاديًا، بالنظر إلى التطورات السياسية والعسكرية الخطيرة التي تعصف بالمركز القانوني للدولة، وتهدد وحدة البلاد، بل جاء في لحظة مفصلية وهو ما تطلب اتخاذ تدابير حاسمة للتعامل مع هذه المستجدات. ومن بين تلك التدابير، تفويض التحالف العربي لدعم الشرعية، بقيادة المملكة العربية السعودية، باتخاذ إجراءات عسكرية لحماية المدنيين في محافظة حضرموت.

وقد نظر مراقبون إلى هذا التفويض على أنه يعيد إلى الأذهان الخطوة ذاتها التي اتخذها الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، عندما طلب تدخل السعودية لدعمه في مواجهة الحوثيين الذين انقلبوا على سلطته وسيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014.

تنامي محور النفوذ الإماراتي داخل المجلس

من جهة أخرى، يشير غياب هؤلاء الأعضاء إلى أن الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي يتعمق أكثر فأكثر. فمنذ توجه قوات المجلس الانتقالي من محافظات عدن ولحج وأبين باتجاه محافظتي حضرموت والمهرة، والسيطرة عليهما مطلع ديسمبر الجاري دون قتال يُذكر، باستثناء مواجهات محدودة أقرب إلى مقاومة فردية من بعض الجنود، أكثر من كونها التزاما بتوجيهات رسمية، بدا المشهد أقرب إلى "استلام وتسليم"، على غرار ما حدث سابقا مع الحوثيين في مناطق أخرى.

وعلى إثر هذه التطورات، اضطر رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى مغادرة عدن متجها إلى الرياض، في خطوة بدت وكأنها محاولة لاحتواء تداعيات ما جرى، في وقت كانت فيه مواقف بعض أعضاء المجلس المحسوبين على الانتقالي واضحة ومعلنة، تحت مبررات متعددة، أبرزها "محاربة الإرهاب والتهريب"، وهي عناوين لطالما جرى استخدامها لتبرير تحركات عسكرية مشابهة.

وقد بدا موقف طارق صالح متناغما مع هذه السردية، إذ قال في أكثر من مناسبة إن ما يجري في شرق اليمن لا يعدو كونه "ترتيبات مسرح عمليات"، وقلل من خطورة ما حدث، داعيا إلى عدم الانشغال بما حصل، والتركيز على مواجهة الحوثيين.

ويعكس هذا الموقف، بحسب مراقبين، تشكّل محور جديد على حساب مجلس القيادة الرئاسي، يضم أربعة أعضاء محسوبين أساسا على دولة الإمارات منذ تشكيل المجلس مناصفة مع السعودية في أبريل 2022. غير أن الجديد في الأمر هو أن هذه المواقف قوضت عمل المجلس، وكرست وقائع جيوسياسية تهدد بقاءه، بل وتهدد ما تبقى من الدولة اليمنية.

وعلى الرغم من أن الشيخ سلطان العرادة أدلى في البداية بتصريحات قريبة من موقف طارق صالح، واعتبر ما حدث "نتوءات لا ينبغي الالتفات إليها"، وقلل من شأنها، إلا أنه عاد وغير موقفه بعد أيام. في المقابل، التزم أعضاء آخرون، مثل عبد الله العليمي وعثمان مجلي، الصمت.

التحركات السعودية وردود الفعل الإقليمية

لاحقاً، اتخذت المملكة العربية السعودية موقفا معلنا وواضحا حيال ما جرى، وحددت بشكل صريح أن ما قام به المجلس الانتقالي يُعد إجراءً أحاديا دون تفويض من مجلس القيادة الرئاسي، ويتعارض مع التنسيق المفترض مع التحالف العربي، وهو ما يجرد تلك الخطوات من الشرعية، خلافًا لما حاول المجلس الانتقالي ترويجه عبر متحدثيه من وجود "توافق" أو "تنسيق" مع التحالف.

وتضمن البيان السعودي لهجة غضب واضحة، إذ دعت الرياض المجلس الانتقالي إلى سحب قواته من محافظتي حضرموت والمهرة، وتسليم المواقع لقوات "درع الوطن" التي تمولها وتشرف عليها، محذرة من مغبة التأخير وما قد يترتب عليه من عواقب.

ويُنظر إلى حضرموت باعتبارها نفوذًا تقليديًا للمملكة العربية السعودية، نظرًا لامتدادها الجغرافي، حيث ترتبط بحدود طويلة مع السعودية تتجاوز 800 كيلومتر، فضلا عن أهمية محافظة المهرة، التي تمثل منفذا استراتيجيا محتملا لمد أنبوب نفطي عبر صحراء الربع الخالي وصولا إلى البحر العربي، بما يجنّب السعودية إشكاليات مضيق هرمز الذي تتحكم به إيران. وقد تناول هذه المسألة الباحث السعودي هشام الغنام في مقال نُشر مؤخرًا.

وفي سياق متصل، كان لافتا أن "المقاومة الوطنية" أو مكتبها السياسي لم يصدر أي موقف للتعاطي مع بيان السعودية، وهو ما فُسر على أنه موقف يعزز اصطفافها إلى جانب المجلس الانتقالي، وبالتالي إلى جانب دولة الإمارات التي تدعمه وتموله إعلاميا وسياسيا وعسكريا.

كما تجاهلت وسائل إعلام تابعة لطارق صالح، بما فيها وكالة "الثاني من ديسمبر" وقناة "الجمهورية"، أبرز الفقرات الجوهرية في البيان السعودي، وهو ما أثار تساؤلات حول موقع طارق صالح، وما إذا كان يفقد ثقة السعودية تدريجيًا، في ظل إصرار الرياض على انسحاب المجلس الانتقالي، وامتلاكها خيارات للضغط لتحقيق هذا الهدف في حال استمرار الرفض.

وقد حذفت وكالة "ديسمبر" نقاطا جوهرية وردت في البيان السعودي الأصلي، أبرزها: اتهام صريح للمجلس الانتقالي الجنوبي بالقيام بتحركات عسكرية أحادية وغير منسقة في محافظتي حضرموت والمهرة، ودون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف، بالإضافة إلى التأكيد على أن هذه التحركات تمثل تصعيدا غير مبرر وتضر بمصالح الشعب اليمني، وبالقضية الجنوبية نفسها، وبجهود التحالف.

وإلى جانب ذلك، تم تجاهل الحديث عن الترتيبات العسكرية الميدانية المحددة، والتي شملت إرسال فريق عسكري مشترك سعودي–إماراتي، والعمل على إعادة قوات المجلس الانتقالي إلى مواقعها السابقة خارج المحافظتين، وتسليم المعسكرات لقوات "درع الوطن"، وتمكين السلطة المحلية من إدارة شؤونها، وتحميل المجلس الانتقالي مسؤولية إنهاء التصعيد والخروج العاجل والسلس من المحافظتين.

وباختصار، اكتفى خبر الوكالة بالصيغة الدبلوماسية العامة، بينما كان البيان الأصلي أكثر حدة ووضوحًا في تسمية الطرف المتسبب بالتصعيد، وتحديد الإجراءات العسكرية المطلوبة منه، وتأكيد رفض أي خطوات أحادية تمس وحدة الدولة أو الأمن المحلي.

ويعني ذلك، بحسب مراقبين، مزيدا من الاصطفافات والضغوط. فإما أن يواصل طارق صالح تموضعه إلى جانب المجلس الانتقالي، ليُحسب بشكل أوضح على الإمارات، وهو الاحتمال الأرجح، أو أن يحاول التقارب مع السعودية، وهو خيار يبدو مستبعدا، وسط توقعات بأن يحدد طول مدى الأزمة والاصطفافات التي تتطلبها موقف الرياض من طارق خصوصا في حال استمر على نفس الموقف أو تفرض التطورات وقوفه مع المملكة.

ورغم صعوبة خياراته، فإن طارق صالح يبدو أقرب إلى الإمارات، ما قد يكلفه خسارة ثقة السعودية ودعمها، خاصة أن الأزمة الحالية تمس مخاوف الرياض ومصالحها الاستراتيجية. وقد يدفع ذلك المملكة، في أي ترتيبات سياسية مقبلة، سواء عبر إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي أو من خلال صيغة سياسية جديدة، إلى طرح اسم أحمد علي عبد الله صالح ليكون بديلا محتملا.

وتوجد بين الرجلين خلافات، سبق لمنصة الهدهد أن أعدت تقريرا حولها، تتعلق بالتنافس على النفوذ والإرث العائلي والسياسي والاجتماعي، إضافة إلى اختلاف في طبيعة الحضور على الأرض؛ إذ يحظى طارق صالح بدعم إماراتي مباشر، إلى جانب كونه عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، ويترأس مكتب سياسي أقرب إلى حزب، مع امتلاكه قواعد وقيادات وبنية اجتماعية نافذة داخل المؤتمر الشعبي العام.

في المقابل، فإن أحمد علي عبد الله صالح، ورغم رفع العقوبات عنه، لا يزال مقيمًا في الخارج، ويفتقر إلى حضور تنظيمي فاعل على الأرض، كما أن حزب المؤتمر الشعبي العام يفتقر إلى بنية صفية فاعلة يمكن أن تسنده، ما يفرض عليه تحديات كبيرة إذا ما أُريد له أن يكون طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات سياسية قادمة.

الخلاصة

لم تعد التطورات في محافظتي حضرموت والمهرة مجرد تحركات ميدانية عابرة، بل تحوّلت إلى مؤشر بالغ الدلالة على عمق الاختلال داخل بنية السلطة الشرعية، وعلى طبيعة الصراع الصامت بين مراكز النفوذ الإقليمية المنخرطة في المشهد اليمني. فبينما تتقدم الوقائع على الأرض بخطوات أحادية، يتكشف حجم التباين داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتتبدى هشاشة التوافق الذي قام عليه، في لحظة مفصلية تُعاد فيها صياغة موازين القوة، وتُختبر فيها جدية الالتزام بوحدة الدولة وحدود الشراكة داخل التحالف العربي.