كيف تحولت اعتصامات الجنوب من ورقة ضغط على السعودية إلى فخ لاستنزاف الانتقالي؟ (تحليل خاص)

2025-12-28 15:01 الهدهد/ خاص
كيف تحولت اعتصامات الجنوب من ورقة ضغط على السعودية إلى فخ لاستنزاف الانتقالي؟ (تحليل خاص)

بعد اجتياح قوات الانتقالي وادي حضرموت والمهرة بداية الشهر الجاري، سارع للمحافظة على هذا المكسب من خلال القفز خطوة للأمام بدعوة أنصاره في بقية المحافظات للاحتشاد في الساحات العامة، للمطالبة بإعلان دولة الجنوب.

وكان الهدف واضحا من هذا التصعيد؛ إيصال رسالة للداخل والخارج مضمونها أن السيطرة على وادي حضرموت والمهرة صارت أمرا واقعا ولا يمكن التراجع عنه، أمام ضغط الجماهير المتصاعد ومطالبها المستمرة بإعلان انفصال الجنوب، أو استقلال دولة الجنوب العربي كما يقول خطاب الانتقالي.

غير أن الملاحظ على التطورات الأخيرة بما فيها إعلانات بعض وزراء الانتقالي في الحكومة الشرعية عن الوقوف مع قيادة الانتقالي في إعلان دولة الجنوب، وأمام هذا التصعيد الذي وصل الذروة- أو الحضيض، لم يعد لدى الانتقالي ما يقدمه لجماهيره سوى الإعلان المرتقب.. إعلان قيام دولة الجنوب التي ستعين على مسؤوليها وموظفيها انتظار الراتب ودعم الخدمات من حكومة الشرعية، كما سيتعين على الدولة الموعودة أن تنتظر الغاز القادم من دولة مجاورة، هي ذاتها الدولة العدو التي زعم الانتقالي أنها كانت تحتل الجنوب العربي.

كان الانتقالي ينتظر أن تطلب منه السعودية والحكومة الشرعية مغادرة حضرموت ليقول إنه لا يستطيع التراجع والانسحاب إزاء ضغط جماهيره المنتشرة في مختلف المحافظات، بيد أن الرياض لا يبدو أنها في عجلة من أمرها، لذلك واصلت العمل بعيدا عن اللقاءات الروتينية مع قيادات الانتقالي التي وجدت نفسها أمام صراخ الجماهير المتصاعد: أعلنها دولة يا عيدروس..

وأمام هذا الضغط كان لابد من إحداث اختراق جدار الروتين المكرر من مشاهد سيطرة الانتقالي على المحافظات والوزارات من خلال أفكار وخطوات جديدة تلبي احتياج الجماهير المتلهفة – على أحر من الجمر- لإعلان استقلال الدولة الجنوبية.

والحقيقة التي يدركها الانتقالي – ربما أكثر من غيره- أن بيانات ممثليه في الحكومة من وزراء ونواب ووكلاء ومحافظين لا تضيف جديداً لأنهم منذ تعيينهم وهم ينفذون توجيهات الانتقالي، ولم يمثلوا الحكومة إلا من ناحية شكلية فقط.

وبالتالي فإن هذه البيانات جاءت لتقول للجماهير نحن في طريقنا لتحقيق مطالبكم التي هي مطالبنا، وسيكون على الانتقالي وقياداته ابتكار طرق جديدة أكثر تصعيدا في هذا الجانب، وصولا إلى إذاعة البيان رقم 1، ويتمثل في إعلان قيام دولة الجنوب العربي، واعتبار الوزراء الانتقاليين أعضاء في حكومة الجنوب القادمة.

وهذا يعني أن السحر انقلب على الساحر، فالورقة التي كان الانتقالي يلوح بها في مواجهة خصومه داخل اليمن وخارجها، باتت هي الفخ الذي استُدرج إليه، بعدما صار شبه معزول في عدن، لا اتصالات من الرياض، ولا وفود قادمة لمراضاته واستجدائه، كما كان يتصور.

يوم حضرموت يفسد أعراس عدن

في اليوم الذي خصصه الانتقالي لاستقبال عدد من قياداته في ساحة العروض بعدن، كانت قبائل وشيوخ حضرموت تحيي ذكرى انطلاق الهبة الحضرمية، 20 ديسمبر الذي أصبح يسمى اليوم الحضرمي منذ نحو 13 سنة.

في فعالية حاشدة أحياها حلف قبائل حضرموت، وحضرها شيوخ ومقادمة حضرموت وعلى رأسهم الشيخ عمرو بن حبريش رئيس الحلف الذي خاض المواجهة ضد الانتقالي ثم انسحب، أثبت الحلف ورئيسه أنهم لا زالوا ثابتين على الأرض التي قيل يوما أنها تسربت من أيديهم تحت وقع الغزو العسكري الذي شنه الانتقالي بأكثر من عشرين ألف مسلح قادمين من الضالع ورفان ويافع.

الشيخ بن حبريش الذي ظهر في الاحتفال وعلى يمينه يقف القائد العسكري الأبرز محمد العوبثاني قائد قوات حماية حضرموت التابعة لحلف القبائل، قال لقد واجهنا دولة الإمارات وأسلحتها الحديثة بالكلاشنكوف، ونحن المنتصرون لأن حضرموت باتت حاضرة بقوة في المشهد الإقليمي والدولي، مقدما شكره لكل الدول التي أعلنت وقوفها مع أبناء حضرموت وفي مقدمتها السعودية، وفي ذلك الكثير من الرسائل التي استقبلها الحضارم باطمئنان، فيما وصلت لقيادات الانتقالي مشوشة، لكنها أربكتهم وكشفت انكشافهم في معركة حضرموت التي تصوروا أنهم حسموها وانتهى الأمر، خاصة وأن الاحتفال في منطقة غيل بن يمين، داخل حضرموت وليست في صحراء بعيدة أو وراء الحدود التي وصلتها قواتهم ذات صباح.

كلفة تدفع للمخاطرة

والأمر الآخر أن هذه الاعتصامات التي مضى عليها أكثر من أسبوعين تمثل عبئا ماليا على الانتقالي نفسه، لأنها ليست مجرد مبادرات شخصية من المشاركين، بل هي عمل مدفوع، حيث يقدم الانتقالي لساحة واحدة هي ساحة العروض في خورمكسر عدن مبلغ خمسين مليون ريال يومياً، ناهيك عن كلفة الفعاليات والزيارات الخاصة واللقاءات واستقدام المشاركين من بقية المناطق والمحافظات، وهو ما يعني أن الضغط على الانتقالي سيزداد- ماليا وسياسيا- مما سيجعله أمام تحديات جديدة ملحة، سيكون عليه أولا إعلان الدولة أو مطالبة جماهيره بمغادرة الساحة، وهذا سيكلفه الكثير لاحقاً، لكنه أقل مخاطرة مما ينتظره في حال أعلن دولته المزعومة التي ستكون على غرار جمهورية أرض الصومال التي أعلنت عن نفسها قبل أكثر من 30 سنة، وإلى الان لم تحصل على أي اعتراف خارجي.

حاول الانتقالي توظيف الاعتصامات التي نفذها أنصاره، مثلها بيانات تأييده من قبل ممثليه وعناصره في الحكومة وبعض المؤسسات، لتعزيز سرديته عن اجتياح حضرموت والقبول بسيطرته كأمر واقع، غير أن رياح الأحداث جاءت بما لم تشتهِ سفن الزبيدي ورفاقه المحتشدين في معاشيق، ينتظرون ساعة الصفر لإعلان دولتهم، حيث جاءت ردود الفعل الرسمية من الرياض مؤكدة على أن الحل يبدأ في سحب قوات الانتقالي من المهرة وحضرموت، وهو الموقف الذي جاءت بيانات الدول العربية والغربية والأمم المتحدة والجامعة العربية لتؤكد عليه، في إجماع إقليمي ودولي صادم للانتقالي وداعميه، ناهيك عن وجود سخط شعبي في المحافظتين، عبرت عنه حضرموت من خلال حلف قبائلها الذي يخوض مواجهات عنيفة مع قوات الانتقالي في أكثر من منطقة، كما عبرت عنه المهرة بالفعاليات الجماهيرية التي خرجت رافعة أعلام الجمهورية اليمنية وهي تردد النشيد الوطني.

وهنا يجد الانتقالي نفسه محصورا في زاوية التمرد على الإجماع الدولي الذي بات مسنودا بطلب رسمي من الرئيس اليمني لتدخل التحالف في مواجهة التمرد الانتقالي وكبح جماحه، فيما لا يزال الانتقالي يراوغ محاولا كسب المزيد من الوقت، وهي لعبة لا يبدو أنها ستكون في صالحه.