كيف تعطّلت معركة استعادة الدولة؟ رصد عقد من التمردات داخل معسكر الشرعية

2025-12-28 00:57 الهدهد- نبيل صلاح:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

 

منذ انقلاب جماعة الحوثي على الدولة اليمنية بدعم إيراني في خريف 2014، وما تلاه من تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015، لم تتخذ معركة استعادة الدولة مساراً مستقيماً يمكن قياسه فقط بتقدم الجبهات أو تراجعها. فقد تشكّل الصراع، منذ سنواته الأولى، بوصفه عملية مركبة تداخل فيها العسكري بالسياسي، والوطني بالإقليمي، في وقت تآكل فيه الهدف الجامع تدريجياً تحت وطأة صراعات النفوذ والتمردات داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه.

وعلى امتداد عشرة أعوام، انتقلت الحرب من لحظة تعبئة وطنية واسعة رفعت شعار إسقاط الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، إلى حالة متعثرة تتقدّم فيها التسويات السياسية الجزئية لإشكالات داخلية مفتعلة، على حساب الحسم العسكري، وتتراجع فيها فكرة الدولة أمام تمدد مراكز قوى موازية، واختلال وحدة القرار السياسي والعسكري، وتضارب الأجندات داخل المناطق المصنفة محررة.

ورغم أن جماعة الحوثي ظلّت جوهر الانقلاب المسلح على الدولة، فإن مسار الحرب أظهر أن تعثّر معركة استعادة الدولة لم يكن نتيجة تفوق الحوثيين بقدر ما كان نتاجاً تراكمياً لاختلالات رافقت الحرب منذ بداياتها.

ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه توحيد الجهود العسكرية والسياسية باتجاه صنعاء، شهدت المناطق المحررة نشوء تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، وتحول الخلاف السياسي إلى تمردات وصدامات ميدانية، ثم إلى تسويات أعادت تعريف الصراع من معركة وطنية جامعة إلى إدارة أزمة طويلة الأمد.

ضمن هذا السياق، يصبح من الصعب فصل تعطّل معركة صنعاء عن تفكيك مركز القرار الشرعي، وإضعاف الإطار القانوني الذي تُدار من خلاله الحرب، وخلق وقائع سياسية وأمنية موازية في الجنوب والشرق. فالتوجه نحو العاصمة لا يمكن أن يتم بجهد مشتت، ولا بسلطة منزوعة الصلاحيات، ولا في ظل تعدد الجيوش وازدواج القرار، وهو ما جعل معركة إنهاء الانقلاب رهينة صراعات داخلية لا تقل أثرًا عن التحدي الحوثي نفسه.

يتتبع هذا التقرير، عبر رصد زمني وتحليل سياقي، أبرز محطات التعطيل التي شهدتها معركة استعادة الدولة خلال عقد من الحرب، وكيف تحولت تدريجيًا من مشروع لإنهاء انقلاب إلى مسار مفتوح على الانقسامات والانقلابات الموازية، بما أتاح لمليشيات الحوثي مساحة مناورة وفرصة لتكريس سيطرتها شمالاً، مقابل تآكل الشرعية سياسيًا ومؤسسياً.

انقلابات موازية

يكشف رصد الفترة 2015–2025 عن (5) خمسة تمردات رئيسية مكتملة الأركان داخل المناطق المصنفة محررة، لم تكن أحداثاً أمنية عابرة، بل محطات مفصلية أعادت تشكيل موازين السلطة بالقوة المسلحة، وأسهمت مباشرة في تعطيل معركة استعادة الدولة.

في أغسطس/آب 2019، شهدت العاصمة المؤقتة عدن أول تمرد علني واسع النطاق، حين سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً بالقوة على مؤسسات الدولة، وانتهت المواجهات بطرد الحكومة الشرعية من مقارها السيادية. مثّل هذا الحدث نقطة كسر مركزية، إذ انتقلت المعركة من مواجهة انقلاب الحوثي إلى واقع انقلاب موازٍ داخل معسكر الشرعية نفسه.

وبحلول 26 أبريل 2020، أعلن المجلس الانتقالي عن الإدارة الذاتية للجنوب، في خطوة تصعيدية أحادية اعتبرتها الحكومة الشرعية انقلابًا على سلطتها الشرعية. جاء هذا الإعلان بعد تصاعد سيطرة الانتقالي على محافظات جنوبية عدة، مستفيدًا من الدعم الإماراتي المباشر بالتمويل والتسليح.

تكرّس هذا المسار في يونيو/حزيران 2020، مع سيطرة قوات الانتقالي على أرخبيل سقطرى، وإزاحة السلطة المحلية الشرعية بالقوة. ولم تكن هذه الخطوة ذات بعد محلي فحسب، بل حملت دلالات سيادية، إذ خرجت واحدة من أهم الجزر اليمنية عن سلطة الدولة دون أي صلة بمعركة مواجهة الحوثيين.

وفي أغسطس/آب 2022، انتقل التمرد إلى شبوة، حيث اندلعت مواجهات واسعة بين القوات الحكومية من جهة، وقوات “دفاع شبوة” و”العمالقة”.

من جهة أخرى، انتهت بإخراج الجيش والأمن الحكوميين من مركز المحافظة. وبذلك، تحولت محافظة كانت مرشحة لتكون قاعدة إسناد استراتيجية لمعركة صنعاء إلى ساحة صراع داخلي استنزف الشرعية سياسيًا وعسكرياً.

أما في ديسمبر/كانون الأول 2025، فقد بلغ مسار التمرد ذروته باجتياح مجاميع الانتقالي للمحافظات الشرقية حضرموت والمهرة، والهجوم على مقر المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، والتوغلات المسلحة في المهرة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش اليمني وأبناء المحافظتين مع انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.

وقد شكّل هذا التطور تحولاً محورياً، إذ انتقل التمرد من تعطيل الحكومة وتقويض نفوذها إلى استهداف مباشر لوحدة البلاد وسيادتها مع تداعيات محلية وإقليمية مازالت تفاعلاتها متسارعة.

مليشيات خارج سلطة الدولة

بالتوازي مع هذه التمردات، شهدت المناطق المحررة نشوء وتوسع 11 تشكيلاً مسلحاً رئيسياً خارج سلطة وزارتي الدفاع والداخلية، لا تخضع فعلياً للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وتعمل بهياكل قيادة وتمويل وتسليح مستقلة.

(8) ثمانية من هذه التشكيلات تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي، وقد أُنشئت بدعم وتسليح إماراتي، ويُقدّر قوامها بنحو150 ألف عنصر مسلح، موزعين على عدن، لحج، أبين، الضالع، شبوة، حضرموت، والمهرة، تحت مسميات متعددة مثل الأحزمة الأمنية، النخب، الدعم والإسناد، والصاعقة. وأسهم هذا الواقع في خلق منظومة أمنية موازية للدولة داخل المناطق المحررة.

إلى جانب ذلك، تعمل قوات العمالقة السلفية، التي يُقدّر قوامها بنحو 50 ألف مقاتل، خارج البنية المؤسسية لوزارة الدفاع، وقد لعبت أدواراً في مواجهة الحوثيين بداية التأسيس غير أنها وجُهت لاحقاً للمشاركة في صراعات داخلية جنوباً وشرقاً.

كما تسيطر المقاومة الوطنية (حراس الجمهورية) بقيادة طارق صالح والتي تشكلت في 2018 بدعم إماراتي عقب انفضاض تحالف قائدها مع الحوثيين في أحداث ديسمبر 2017، بقوام يتراوح بين 25 و40 ألف جندي، وتتمركز في مناطق المخا والساحل الغربي خارج التسلسل القيادي لوزارة الدفاع، فيما أُنشئت قوات درع الوطن وهي تشكيلات سلفية من مناطق جنوبية وبعض المناطق الوسطى والشرقية بدعم سعودي بقوام يُقدّر بين 20 و30 ألف جندي خارج وزارة الدفاع، قبل إلحاقها إدارياً لاحقاً دون دمج فعلي أو توحيد للعقيدة القتالية.

ويضاف إلى ذلك (4) أربع تشكيلات أُنشئت خارج الدولة ثم أُلحقت شكلياً، من بينها ألوية سبأ وبعض الألوية المحلية في الجنوب وتعز والساحل الغربي، في وضع رمادي أبقى تعدد الجيوش قائماً، وأفرغ مفهوم “الجيش الحكومي” من مضمونه العملي.

تعطيل الحكومة وتآكل السلطة 

يوثّق هذا الرصد (5) خمس حالات رئيسية لتعطيل عمل الحكومة أو طردها بالقوة من مقارها خلال عقد الحرب، سواء في عدن أو شبوة أو سقطرى. وقد أدى ذلك إلى شلل فعلي في عمل السلطة التنفيذية، وتحويلها إلى كيان محدود الحركة، يعمل من خارج مناطق نفوذه، دون سيطرة حقيقية على الأجهزة الأمنية أو الموارد.

هذا التعطيل لم يكن إدارياً فقط، بل أصاب جوهر معركة استعادة الدولة، إذ لا يمكن لحكومة مطرودة أو محاصَرة أن تقود حرباً وطنية أو توحّد القرار السياسي والعسكري في مواجهة انقلاب مسلح.

جبهات مجمدة وحرب بجهد منقوص

على المستوى العسكري، يُظهر الرصد أن ما بعد عام 2020 شهد انكماشاً حاداً في عدد الجبهات النشطة فعلياً ضد الحوثيين. فقبل هدنة أبريل/نيسان 2022، لم تبقَ سوى جبهة مأرب كجبهة قتال رئيسية، تُرك فيها الجيش الوطني في مواجهة الحوثيين منفرداً.

في المقابل، جُمّدت أو خُفّضت مستويات القتال في جبهات تعز، الضالع، الحديدة، البيضاء، الجوف، صعدة، وحجة، ما يعني أن أكثر من 80% من الجبهات الفعلية خرجت من معادلة الحسم العسكري، في وقت كانت فيه الموارد والطاقات تُستنزف في صراعات داخلية داخل المناطق المحررة.

تسويات أوقفت الحسم دون معالجة الخلل

رافق هذا المسار توقيع (3) ثلاث اتفاقيات رئيسية تمثلت في اتفاق ستوكهولم في ديسمبر عام 2018، واتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ثم الهدنة الأممية التي أُعلنت في أبريل/نيسان 2022. 

أسهم اتفاق ستوكهولم في تجميد جبهة الحديدة، أحد أهم المسارح العسكرية الساحلية، دون ربط ذلك بخطة متكاملة لاستعادة الدولة أو استثمار السيطرة البحرية واللوجستية لصالح المعركة الوطنية الشاملة.

في حين جاء اتفاق الرياض كمحاولة لمعالجة نتائج تمرد المجلس الانتقالي على الشرعية، دون أن ينجح في تفكيك جذور الأزمة المتمثلة في تعدد مراكز القوة وازدواج القرار العسكري.

وعلى الرغم من النص الصريح في الاتفاق على دمج التشكيلات المسلحة تحت وزارتي الدفاع والداخلية، ظل هذا البند معطلاً، فيما استُخدم الاتفاق سياسياً لإعادة لتعزيز تمركز الخطاب المتمرد داخل مؤسسات الدولة. 

أما هدنة 2022، فقد كرّست هذا المسار بصورة أكثر وضوحاً، إذ أوقفت العمليات العسكرية الواسعة دون أن تُستثمر لإعادة بناء مؤسسات الدولة أو إصلاح البنية العسكرية المنقسمة. 

وبدلاً من أن تشكّل فرصة لترميم معسكر الشرعية وتوحيد قراره، جاءت الهدنة في ظل واقع سياسي وأمني هش، ما جعلها أقرب إلى إدارة مؤقتة للصراع، سمحت لمليشيات الحوثي بتثبيت مكاسبهم الميدانية، فيما استمرت الانقسامات داخل مناطق الشرعية، لتتحول هذه الاتفاقات مجتمعة إلى محطات لتأجيل الانفجار لا لإنهاء الحرب.

التمرد المفضي لتعطيل أداء الشرعية.. رصد السياق

في أعقاب تحرير عدن والمحافظات الجنوبية منتصف عام 2015، اتجهت دولة الإمارات، الشريك الرئيسي الثاني في التحالف، إلى بناء نفوذ أمني وعسكري مستقل في الجنوب، عبر تأسيس وتدريب وتسليح تشكيلات محلية بعقيدة قتالية انفصالية لم تُدمج في وزارتي الدفاع والداخلية.

ورغم أن هذا التوجه قُدّم حينها بوصفه استجابة لفراغ أمني ومواجهة للتنظيمات المتطرفة، إلا أنه أرسى عملياً نموذجاً موازياً للسلطة، وخلق ولاءات عسكرية خارج الإطار القانوني للدولة.

برزت في هذه المرحلة قوات مثل النخبة الحضرمية، والحزام الأمني، والنخبة الشبوانية، التي عملت في البداية بتنسيق جزئي مع السلطات المحلية، لكنها احتفظت بهياكل مستقلة وارتباط مباشر بالداعم الخارجي.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه التشكيلات من أدوات أمنية ظرفية إلى قوى سياسية وعسكرية قائمة بذاتها، ما مثّل أول شرخ حقيقي في وحدة المعسكر المناهض للحوثيين.

من الخلاف السياسي إلى الصدام المسلح

 

مع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو/أيار 2017، دخل هذا التشظي مرحلة أكثر وضوحاً، إذ جرى توحيد تلك التشكيلات المسلحة تحت مظلة سياسية تحمل مشروعاً مناقضاً جوهرياً لفكرة الدولة اليمنية الواحدة(دعم الانفصال).

وسرعان ما انتقلت التوترات بين الحكومة الشرعية والانتقالي من مربع الخلاف السياسي إلى المواجهة المسلحة، كما حدث في عدن مطلع 2018، حين سيطرت قوات الانتقالي على معظم المؤسسات الحكومية في العاصمة المؤقتة.

بلغ هذا المسار ذروته في أغسطس/آب 2019، عندما أُخُرجت الحكومة الشرعية بالقوة من عدن، في مشهد مثّل تحولاً مفصلياَ في مسار الحرب توج بالضربات الجوية الإماراتية أواخر أغسطس من العام نفسه، التي استهدفت قوات الشرعية في مدخل مدينة عدن في إسناد غير مسبوق للانقلاب الثاني على الشرعية.

اتفاق الرياض: احتواء مؤجل وتمرد مستمر

شكّل اتفاق الرياض الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 محاولة لاحتواء هذا الانقسام، عبر إشراك المجلس الانتقالي في الحكومة مقابل دمج قواته العسكرية والأمنية ضمن مؤسسات الدولة. غير أن الاتفاق ظل، إلى حد كبير، إطاراً سياسياً معلقاً، إذ تعثر تنفيذ شقه العسكري والأمني، وبقيت التشكيلات المسلحة خارج سيطرة وزارتي الدفاع والداخلية.

ذهب الانتقالي بتمرده أبعد من ذلك ففي 26 أبريل 2020، أعلن المجلس عن الإدارة الذاتية للجنوب، في خطوة اعتبرتها الحكومة انقلاباً على سلطتها الشرعية.

وفي يونيو/حزيران 2020، مثّلت سيطرة مجاميع الانتقالي على أرخبيل سقطرى محطة كاشفة أخرى لفشل اتفاق الرياض، حيث أُنجزت هذه الخطوة في ظل وجود التحالف، ووصفتها الحكومة الشرعية بأنها انقلاب كامل على مؤسسات الدولة، في حين جرى تبريرها بخطاب سياسي محلي، دون معالجة جوهر الإشكال المتعلق بشرعية القوة والسلاح.

شراكة السلطة وتحول التمرد إلى بنية حاكمة

في أبريل/نيسان 2022، نُقلت صلاحيات الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي الذي يتألف من أطراف متناقضة بأجنداتها فيما عُرف بإعلان نقل السلطة، في محاولة لإعادة توحيد القرار السياسي والعسكري رغم مخالفته لمنصوص الدستور اليمني.

غير أن هذه الصيغة، التي منحت المجلس الانتقالي حضوراً وازناً داخل أعلى هرم السلطة، لم تؤدِ إلى إنهاء التمرد، بل أسهمت في إعادة إنتاجه داخل بنية الدولة نفسها.

فبدلاً من دمج التشكيلات المسلحة، ترسخ واقع الجيوش المتعددة، وتحوّل الخلاف من صراع خارج مؤسسات الدولة إلى صراع داخلها، انعكس في شلل القرار، وتعطّل الملفات الاقتصادية والخدمية، وتآكل قدرة الحكومة على ممارسة وظائفها الأساسية. ومع كل جولة تصعيد داخلي، كانت معركة إنهاء الانقلاب الحوثي تتراجع خطوة إضافية إلى الخلف.

غزوة الشرق: تعطيل ما تبقى من وحدة القرار

في أغسطس/آب 2022، اندلعت مواجهات واسعة في شبوة بين القوات الحكومية من جهة وتشكيلات الانتقالي الانفصالية "قوات دفاع شبوة" و"ألوية العمالقة" والتي دُفع بها هناك من جهة أخرى. أسفرت المعارك عن سيطرة الانتقالي على معظم المديريات الحيوية، مع دعم لطيران مسيّر إماراتي، وفرض انسحاب القوات الحكومية من مركز المحافظة.

خلال عام 2023، استمر تمركز قوات المجلس الانتقالي وفصائله الموالية خارج إطار الدولة الشرعية، ما أدى إلى شلل فعلي للسلطات المحلية في المحافظات الجنوبية والشرقية و تأزيم الوضع الدافع نحو مغادرة الحكومة ورئيس مجلس القيادة عدة مرات الى الرياض.

سيطرت هذه القوات على موارد محلية حيوية، وفرضت نفوذها على إدارات المدن دون أن تقدم التزامات تجاه الخدمات الأساسية، بينما بقيت القوات الحكومية منخرطة في التنسيق مع السعودية قائدة التحالف لتجنب التصادم، ما أضعف قدرتها على مواجهة الحوثيين أو إدارة المناطق المحررة بفعالية.

مع حلول عام 2024، فشلت محاولات دمج قوات الانتقالي بشكل حقيقي، واستمر ولاؤها الفعلي للإمارات، مع تحكم شبه مستقل في المعابر النفطية والغازية والموانئ الاستراتيجية في شبوة وأبين وساحل حضرموت.

استغل الحوثيون هذه الانقسامات لتعزيز مواقعهم شمالًا، وتنفيذ هجمات محدودة في البيضاء والجوف، فيما أدى الانقسام الداخلي إلى تراجع الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية، وتعطل دفع الرواتب، مما فاقم الأزمة الإنسانية في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها.

ومؤخراً وفي تصعيد غير مسبوق للأوضاع الأمنية في جنوب وشرق اليمن، ومع مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، شنت مجاميع مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي اجتياحاً واسع النطاق لمحافظتي حضرموت والمهرة، على الحدود مع سلطنة عمان والسعودية، بدعم تسليحي كامل من الإمارات.

واستهدفت هذه القوات بشكل مباشر أبناء المحافظتين، كما هاجمت المنطقة العسكرية الأولى وسيطرت على مقارها، فيما أفادت تقارير حقوقية بارتكابها انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.

ويصف مراقبون هذا التحرك بأنه نقطة تحول حاسمة في مستوى الانقلابات الموازية ضد الشرعية وتهديد صارخ لوحدة البلاد وسلامتها، ويهدف إلى إرباك الحكومة الشرعية وتعطيل فرص استعادة الدولة والمشروع الوطني الجامع.

ويتابع المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية هذه التطورات عن كثب، وسط تحذيرات متصاعدة من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.

وأكدت المملكة العربية السعودية في بيان رسمي أن استمرار هذا الاجتياح قد يؤدي إلى "ما لا يُحمد عقباه"، مشددة على أن الجهود مستمرة للضغط على القوات المتمردة لإعادة الوضع إلى طبيعته وحماية مؤسسات الدولة ومصالح أبناء المحافظتين، ومنع أي تفاقم للوضع قد يهدد الأمن الوطني والإقليمي.

تُظهر حصيلة الأعوام العشرة بين 2015–2025 عقد من الجهد الضائع إذ أن تعثّر معركة استعادة الدولة لم يكن نتيجة غياب الإرادة أو الجدية في مواجهة المشروع الحوثي، بل نتيجة تفكيك مركز القرار الشرعي، وتعدد الجيوش، والتمردات الداخلية جنوباً والتي استنزفت الشرعية من الداخل.

وفي ظل هذا التفكك، تحولت الحرب من مشروع وطني جامع إلى صراع نفوذ داخل الدولة نفسها، بينما استطاعت جماعة الحوثي الاحتفاظ بسيطرتها شمالاً وظلت تعمل ضمن مركز قيادة واحد بلا انقسامات، لا بقوتها الذاتية، بل بضعف خصومها وتنازعهم.