أزمة سقطرى: أدوات أبوظبي لإرباك السعودية وتخفيف ضغطها في شرق اليمن

2025-12-26 03:45 الهدهد/خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

 

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى خلال الأيام الماضية حالة تصعيد سياسي وإعلامي وميداني متسارعة، أعقبت تأجيل رحلة جوية قادمة من أبوظبي، في تطور تحوّل من مسألة تشغيلية إلى أزمة مفتوحة ذات أبعاد سياسية وأمنية، تداخلت فيها أطراف محلية وإقليمية، ورافقتها دعوات للاعتصام وحملات تحريض وضغوط اجتماعية واقتصادية.

تأجيل رحلة وتحولها إلى أزمة

وفقا لمصادر محلية تحدثت لمنصة "الهدهد"، فقد بدأت شرارة الأحداث مساء الثلاثاء 23 ديسمبر 2025، عقب تأجيل رحلة طيران العربية الإماراتية والقادمة من أبوظبي إلى سقطرى، وهي رحلة كانت تُسيّر – بحسب المتداول – كل يوم ثلاثاء. وقد بررت الشركة المشغلة التأجيل بأسباب تشغيلية بحتة، وأعلنت لاحقا جدولة الرحلة ليوم الجمعة 26 ديسمبر الجاري.

إلا أن هذا التأجيل قوبل بحملة إعلامية مكثفة شنها ناشطون وإعلاميون محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي، روّجت لادعاءات بإغلاق مطار سقطرى، ووجّهت اتهامات مباشرة للمملكة العربية السعودية بالوقوف خلف إيقاف الرحلات، عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا فيسبوك وواتساب وتويتر.

دعوات للاحتشاد واعتصام مفتوح

في ليلة الأربعاء، نشر ناشطون تابعون للمجلس الانتقالي دعوات للاحتشاد والاعتصام أمام مطار سقطرى، وفي صبيحة يوم الأربعاء 24 ديسمبر الجاري، أعلنوا بدء اعتصام مفتوح، ونصبوا خياما عند البوابة الخارجية للمطار، مطالبين بفتح المطار أمام الرحلات القادمة من أبوظبي، وبعد ساعات، جرى رفع الخيام من محيط بوابة قوات الواجب السعودي 801، بدعم إماراتي، مع إطلاق تصريحات مفادها أن البوابات لن تُفتح ما لم يُفتح المجال الجوي وتُمنح الموافقة لهبوط طيران الإمارات في مطار سقطرى. 

أنصار الانتقالي يحتجون أمام مقر القوات السعودية بسقطرى

وبعد ذلك، نُقلت الخيام إلى البوابة الخارجية للمطار، حيث استمر الاعتصام المفتوح. وكتب الناشط في المجلس الإنتقالي، السقطري سعيد، في صفحته على منصة فيس بوك، أن الاعتصام مستمر على الرغم من جدولة رحلة الشركة الإماراتية.

بيان توضيحي حول حقيقة الرحلات

في خضم التصعيد، صدر توضيح للرأي العام السقطري من قبل شخصيات عامة بشأن ما أُثير حول طيران العربية، أكد بشكل قاطع أن مطار سقطرى لم يُغلق مطلقا، وأن الحركة الجوية لا تزال قائمة، وأن الحديث عن الإغلاق محض تضليل.

وأوضح البيان، الذي اطلّعت عليه منصة الهدهد، أن تعلّيق رحلات طيران العربية يعود إلى امتناع الشركة عن سداد رسوم عبور متراكمة، وهي التزامات دولية تُفرض على جميع شركات الطيران دون استثناء، ما استوجب تعليق الرحلات حتى الإيفاء بها. 

كما أشار إلى أن الرحلات كانت تُسيّر بتصاريح إغاثية إنسانية صادرة من التحالف، في حين أنها في الواقع رحلات تجارية تُباع تذاكرها للمواطنين، في مخالفة لطبيعة التصاريح، مؤكدا أن ما جرى هو تطبيق للقانون وليس استهدافا، مع الإشارة إلى جدولة الرحلة يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025.

ضغوط وتحريض وحملات منظمة

في ليلة الخميس، صعّد ناشطو المجلس الانتقالي حملاتهم الإعلامية، متضمنة تحريضا علنيا ضد قوات الواجب السعودي، كما جرى – بحسب ما ورد – الضغط على أصحاب الوكالات السياحية للمشاركة في التظاهر أمام المطار، بحجة أن السياح يأتون عبر أبوظبي، مع تهديد غير الملتزمين بمنعهم من تفويج السياح.

وأفادت المعلومات التي حصلت عليها منصة "الهدهد"، أنه جرى استخدام أدوات الترهيب والترغيب المالي، بما في ذلك التلويح بشطب أسماء معرفين ومقادمة قبائل ممن لا يشاركون في الاعتصام، كما دخل على خط التصعيد عيسى بن عفرار، المجنس إماراتيا، والذي أُسندت إليه رئاسة لجنة "التنمية الإماراتية"، والذي كان دعا أمس الخميس المشايخ والمقادمة للحضور والمشاركة الفاعلة في ساحة الاعتصام بجانب ملعب الفقيد سعد علي سالمين.

في غضون ذلك، كان المجلس الانتقالي – فرع سقطرى – قد أعلن عن فتح خيمة اعتصام في منطقة موري بجانب معسكر قوات التحالف، مع توفير وجبات الطعام مجانا، داعيا المشايخ والأعيان والشباب للانضمام.

أبعاد إقليمية وتصعيد أمني

وفق المعطيات، فإن الإمارات حرّكت أدواتها للضغط على المملكة العربية السعودية، في سياق أوسع مرتبط بالتطورات في حضرموت والمهرة، مستغلة تأجيل رحلة غير مجدولة رسميًا في أنظمة الملاحة الجوية الإماراتية، مع أن نظام الحجز كان شخصيًا وغير آلي، ما يتيح التحكم في من يُسمح له بالسفر ومن يُمنع.

وبحسب المعلومات، يبلغ إجمالي عدد رحلات طيران الإمارات إلى سقطرى 14 رحلة شهريا، بمعدل ثلاث رحلات أسبوعيا، وأحيانا أربع رحلات في الأسبوع.

في المقابل، رفعت قوات الواجب السعودي مستوى استعدادها القتالي، ونشرت مدرعات أمام الميناء لأول مرة منذ أحداث 2020، في مؤشر على خطورة التصعيد.

قراءة في المشهد العام

في هذا الإطار، تبدو سقطرى ساحة اختبار حساسة في صراع النفوذ الإقليمي، فبينما تضغط الرياض سياسيا وعسكريا لإخراج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة، تلجأ أبوظبي – وفق تحليلات – إلى تحريك وكلائها وفتح جبهة تصعيد في سقطرى، حيث تتمركز قوات سعودية.

تبدو الذريعة المعلنة للتصعيد، والمتمثلة في اتهام السعودية بإغلاق المجال الجوي، واهية عند تفكيك الوقائع، إذ لم يُغلق المطار، والطيران اليمني لا يزال يعمل، بينما أوقفت الشركة الإماراتية رحلتها من جانب واحد لأسباب تشغيلية، وبذلك، تحوّل ملف فني محدود إلى أداة سياسية تُستثمر لإنتاج اعتصامات وضغوط شعبية موجهة ضد الوجود السعودي، في محاولة لنزع شرعيته الرمزية ودفعه للانسحاب تحت ضغط محلي مصطنع.

في المحصلة، لا يمكن قراءة ما يجري في سقطرى كخلاف عابر أو سوء تنسيق، بل كجزء من صراع نفوذ مكتمل الأدوات، تُدار فيه الأزمة بأيدٍ محلية لخدمة أجندات إقليمية، فيما يبقى اليمن، مرة أخرى، ساحة لتصفية الحسابات، يدفع ثمنها سيادته واستقراره ومستقبل دولته.