تحذير أم "فيتو"؟.. ردود أفعال يمنية مختلفة بشأن البيان السعودي الخاص بتطورات حضرموت والمهرة
تباينت ردود أفعال اليمنيين، بعد صدور بيان سعودي، اعتبر تحركات "المجلس الانتقالي" الأخيرة، تصعيداً غير مبرر، وتمت بشكل أحادي، دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف".
السعودية في بيان لوزارة الخارجية، أعربت عن قلقها إزاء التحركات العسكرية التي نفذها المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخرًا في محافظتي حضرموت والمهرة، مؤكدة أن تلك التحركات "أضرت بمصالح الشعب اليمني بمختلف فئاته، وبالقضية الجنوبية، وبجهود التحالف".
وأشارت إلى أنها تبذل جهوداً ما تزال متواصلة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، مع التعويل على تغليب المصلحة العامة، ودعوة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المبادرة بإنهاء التصعيد، وخروج قواته بسلاسة وبشكل عاجل من المحافظتين.
وشددت على أهمية التعاون بين مختلف القوى والمكونات اليمنية، وضبط النفس، وتجنب أي خطوات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار، محذرة من المآلات السلبية التي قد تترتب على ذلك، ومؤكدة في الوقت ذاته ضرورة بذل كل الجهود لإعادة السلم والأمن المجتمعي.
كما أكدت أن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وأن حلها سيتم بمشاركة جميع الأطراف اليمنية على طاولة الحوار، ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن.
البيان، الذي وجد ترحيباً حكومياً، ومن السلطة المحلية في محافظة حضرموت، لم يعلن المجلس الانتقالي حتى اللحظة أي موقف علني بشأنه، غير أنه أوعز لمسؤولين في وزارات حكومية بإبداء مواقفها المؤيدة لتحركاته، كما أنه حرك قوات عسكرية باتجاه مواقع نفطية في هضبة حضرموت.
أما في الأوساط السياسية والإعلامية، تتواصل ردود الأفعال إزاء البيان السعودي، ففي حين رأى البعض أنه يعد بمثابة "فيتو"، يرى آخرون أنه مجرد تأكيد لدعم المملكة، لمجلس القيادة الرئاسي وللحكومة اليمنية، كما أنه أدان الأدوات المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، التي تسببت بالتطورات الأخيرة، بينما لم يشر إلى الممول لها وهي دولة "الإمارات".
متناغم مع المواقف الدولية
ومن أول التعليقات على البيان السعودي اللافت، اعتبره وكيل وزارة الإعلام اليمنية، عبدالباسط القاعدي، بأنه جاء متناغماً مع المواقف الدولية الصادرة بهذا الشأن وهي "مواقف مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي وواشنطن ولندن".
القاعدي أضاف في منصة "إكس"، إن البيان متناغم كذلك، مع موقف الأحزاب اليمنية، وقال: "وفي المحصلة هو تأكيد على أن المملكة ستحافظ على الوضع القانوني للدولة اليمنية".
وثيقة سياسية
وفي قراءة مطولة للبيان، يقول المحامي والمستشار القانوني "محمد أحمد العمدة" إن البيان السعوديي بشأن التحركات العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن بيانًا عابرًا، ولا مجرد موقف دبلوماسي تقليدي".
وذكر في تدوينة على منصة "إكس"، أنه "جاء بوصفه وثيقة سياسية محسوبة بعناية، تؤسس لإعادة ضبط المشهد اليمني، وتعيد تعريف حدود المقبول والمرفوض داخل معسكر الشرعية نفسه".
وأضاف: "البيان، في جوهره، لا يتعامل مع ما جرى بوصفه خلافًا سياسيًا أو تباينًا في الرؤى، بل يقدمه كتجاوز إجرائي وسيادي واضح، حين وصف التحركات العسكرية بأنها تمت بشكل أحادي، دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي، ودون التنسيق مع التحالف".
ويرى أن هذه العبارة وحدها كافية لإسقاط أي محاولة لإضفاء الشرعية أو التبرير، لأنها تنزع الغطاء الدستوري والعسكري في آن واحد.
وقال: "اختارت الرياض أن تبدأ بيانها بالفعل تشير، وهو فعل دبلوماسي يُستخدم لتقرير الوقائع لا لإبداء المواقف بمعنى آخر"، مضيفاً: "المملكة لم تدخل في سجال سياسي أو سرديات متقابلة، بل ثبتت توصيفًا رسميًا لما حدث، يصلح لاحقًا ليكون مرجعية في أي نقاش أو مسار سياسي أو أمني".
وتابع: "هنا نحن أمام تسجيل رسمي لمخالفة مكتملة الأركان، لا أمام رأي قابل للأخذ والرد"، مشيراً إلى أن الأهم في البيان أنه لم يناقش الدوافع أو الشعارات، بل ركز على جوهر الدولة: القرار، والتسلسل القيادي، والسيادة".
وأردف: "حين تقول المملكة إن التحركات لم تحظَ بموافقة مجلس القيادة الرئاسي، فهي تؤكد أن أي قوة، مهما رفعت من شعارات أو ادعت من تمثيل، لا تملك حق الحركة خارج القرار المركزي. هذه ليست مسألة خلاف سياسي، بل مسألة خروج على بنية الدولة ذاتها".
تفكيك سياسي
وما يخص القضية الجنوبية وممارسات الفاعلين، أشار العمدة إلى أن من أكثر فقرات البيان دقةً وخطورة قوله إن "هذه التحركات أضرت بمصالح الشعب اليمني بمختلف فئاته، وبالقضية الجنوبية".
وأضاف: "هنا تمارس الرياض تفكيكًا سياسيًا هادئًا لكنه عميق، إذ تفصل للمرة الأولى بوضوح بين عدالة القضية الجنوبية من جهة، وبين ممارسات كيان مسلح يدّعي تمثيلها من جهة أخرى".
ولفت إلى أن هذا الفصل ليس لغويًا فقط، بل سياسي بامتياز، لأنه ينزع عن أي طرف حق احتكار التمثيل، ويضعه في موقع المسؤولية عن الإضرار بالقضية التي يتذرع بالدفاع عنها إنها رسالة واضحة: القضية لا تُختزل في فصيل، ولا تُخدم بالعسكرة وفرض الوقائع.
وذكر أن إشارة البيان إلى التنسيق مع دولة الإمارات جاءت بصيغة معالجة الموقف لا بصيغة التوافق على التحركات وهذا فرق جوهري فالمملكة حرصت على نفي أي انقسام داخل التحالف، لكنها في الوقت ذاته لم تمنح غطاءً سياسيًا لما جرى، بل قدمته كإشكال طارئ يتطلب الاحتواء والتصحيح، لا التثبيت.
"العمدة" واصل بالقول: "الفقرة التي طالبت بعودة قوات المجلس الانتقالي إلى مواقعها السابقة خارج المحافظتين تمثل قلب البيان السياسي فهي لا تتحدث عن إعادة انتشار، ولا عن ترتيبات مؤقتة، بل عن انسحاب صريح، بما يعني رفض الاعتراف بأي واقع أُنتج بالقوة وفي السياسة".
وأضاف: "هذا أخطر من الإدانة، لأنه يسحب الاعتراف ويغلق باب التفاوض على نتائج الفعل"، مؤكداً أن الدعوة إلى تسليم المعسكرات لقوات منضبطة والسلطات المحلية تحت إشراف التحالف ليست إجراءً أمنيًا فحسب، بل خطوة لإعادة مركزية القوة، وتجفيف مصادر النفوذ العسكري خارج الدولة.
قراءة مختلفة
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي "ياسين التميمي"، أن بيان الخارجية السعودية حول التحركات العسكرية الأخيرة للمجلس الانتقالي، رغم تأخره، جاء بنبرة منخفضة وشاكية إلى حد ما، لم يتضمن تهديداً واضحاً ولا إنذاراً مزمناً، بقدر ما أوضح رغبة السعودية في انسحاب قوات الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة والعودة إلى مواقعها ونشر قوات درع الوطن في المحافظتين.
التميمي أضاف: "رغم إشارة البيان إلى التعاون المشترك مع الإمارات وإلى جهود اللجنة العسكرية السعودية الإماراتية، التي زارت عدن مؤخراً، فإنه لم يكشف عن طبيعة الموقف المشترك الذي تبلور في ختام الزيارة، وعما إذا كان يقضي بانسحاب الانتقالي".
وأشار إلى أنه "يمكن القول أن جهود اللجنة لم تسفر عن شيء حاسم، وفقاً لمنطوق البيان، إذ تنتظر الرياض مبادرة طوعية من المجلس الانتقالي بالانسحاب السريع من المحافظتين، وهذا قد يحدث وقد لا يحدث، ولم تتوفر مؤشرات حاسمة عن كيفية التعامل مع خيار عدم الانسحاب".
ووفق التميمي، فإن البيان بهذه الصيغة ليس إنذاراً بقدر ما جاء للأسف بنهايات غير حاسمة لهذه التطورات، التي أطاحت بالجمهورية اليمنية والسلطة الشرعية".
ولفت إلى تأثير تلك التطورات على "بشرعية التدخل العسكري السعودي واسع النطاق في اليمن على رأس تحالف عربي"، قال إنه هو أيضاً قد طويت صفحته وفتحت الباب على مصراعية لتمكين المشاريع السياسية الطائفية والانفصالية والموتورة في جغرافيا لن تتعافى من الصراعات ولن تسلم من الوقوع في براثن الضباع الإقليمية.
وختم ما ذهب إليه بالقول: "ولا ندري هل تعوض التحركات العسكرية السعودية في الميدان هذا الانخفاض في النبرة السياسية، أم أننا أمام مسار قد رسم لليمنيين، وتحاول الأطراف الخارجية بهذا الضخ المزدوج لليأس والأمل خداع اليمنيين وتعطيل قدراتهم وتعميق انقساماتهم ودفعهم للاستسلام".
الإعلامي والناشط أمين الرفيد، قرأ جزئية من بيان السعودية، الذي قال متسائلاً: ماذا يعني تأكيد بيان الخارجية السعودية على أن القضية الجنوبية قضية ذات أبعاد تأريخية وحلها بجلوس كافة الأطراف اليمنية على طاولة الحوار؟.
الرفيد، أجاب عن تساؤله، ضمن تدوينة له على منصة "إكس"، "يعني اولاً أن الانتقالي مش طرف وحيد، ولا ممثل حصري للقضية الجنوبية، ثانياً أن الأبعاد التاريخية قد تكون من 67 و 86 مش 94 بس".
فيتو سعودي
ورغم أن ناشطي المجلس الانتقالي لم يتناولوا البيان السعودي حتى الآن، لا بالسلب والإيجاب، إلا أن الناشط "طه بافضل" والذي يعرف نفسه بأنه كاتب وصحفي مستقل، كتب منشوراً عنونه بـ "حضرموت والمهرة: حين تُرسم السيادة من خارج الحدود".
حيث يرى بافضل، في مقاله، أن البيان لم يكن مجرد توضيح دبلوماسي عابر، بل كان إعلانًا صريحًا عن من يملك حق الفيتو في الجغرافيا اليمنية، ومن يُسمح له بالتحرك، ومن يُعاد إلى مكانه حين يتجاوز الخط المرسوم له.
وأضاف "البيان الذي وصف التحركات بـ"الأحادية" و"غير المنسقة"، لم يُخفِ امتعاض الرياض من محاولة فرض أمر واقع في مناطق تعتبرها ضمن نطاق نفوذها المباشر".
وتابع: "لكنه في الوقت ذاته، لم يُسمِّ الأشياء بأسمائها، بل اكتفى بلغة ناعمة تُدين التصعيد دون أن تُدين أصله، وتدعو إلى الانسحاب دون أن تُراجع من سلّح ومكّن ومهّد لهذا التمدد".
وذكر أن السعودية، التي لطالما اتُهمت بالتراخي أو التواطؤ في ضبط أدواتها المحلية، قررت هذه المرة أن تُعيد ضبط الإيقاع. فإرسال فريق عسكري مشترك مع الإمارات إلى عدن، لترتيب انسحاب قوات الانتقالي من المحافظتين وتسليم المعسكرات لقوات "درع الوطن" والسلطة المحلية، ليس مجرد إجراء ميداني، بل هو إعادة تموضع استراتيجي، ورسالة واضحة: "الشرعية ليست ملكًا لأحد، والسيادة في هذه المناطق خط أحمر سعودي".
أما حديث البيان عن "عدالة القضية الجنوبية"، فيقول "بافضل، إنه تكرار لمعادلة قديمة، بأن الاعتراف اللفظي مقابل التجاهل العملي. فالقضية التي توصف بالعادلة تُمنع من التعبير عن نفسها، وتُحاصر كلما حاولت أن تخرج من قوالب "الحوار المؤجل" و"الحلول الشاملة" التي لا تأتي.
ويرى أن البيان في جوهره ليس دفاعًا عن الشرعية، بل عن التوازنات التي تضمن استمرار السيطرة دون انفجار، إنه تذكير بأن التحالف ليس مظلة مفتوحة، بل عقد مشروط، وأن من يخرج عن النص يُعاد إلى الصف، لا لأنه أخطأ، بل لأنه استعجل ما لم يُؤذن له به بعد.