لحظة الانهيار: ما الذي يجب فعله لإنقاذ اليمن من السقوط الكامل؟
تدخل اليمن واحدة من أخطر لحظاتها المفصلية، في ظل تصعيد سياسي وعسكري متسارع، أعقب اجتياح مجاميع المجلس الانتقالي الجنوبي لحضرموت والمهرة بدعم إماراتي، وما تبعه من خطوات وُصفت على نطاق واسع بأنها استكمال لمعالم انقلاب مكتمل الأركان على الشرعية، وخروج صريح عن الإجماع الوطني وإعلان نقل السلطة وهدف استعادة الدولة، الذي تشكّل التحالف العربي لدعمه.
وبحسب قراءات سياسية، فإن خطورة المشهد لا تكمن فقط في التحركات الميدانية، بل فيما تلاها من مواقف سياسية تصعيدية، تمثلت في صدور بيانات تأييد لمشروع انفصالي من مسؤولين يشغلون مناصب رسمية داخل مؤسسات الدولة والحكومة الشرعية نفسها، التي يُفترض أن المجلس الانتقالي شريك فيها، وهو ما اعتبره مراقبون طعنة غادرة في ظهر الشرعية، ومحاولة عملية لإدخال البلاد في فوضى وحالة من التمزق اللانهائية. في هذا السياق، يُطرح سؤالاً مركزياً: ما الذي يجب فعله الآن، في هذه اللحظات الحرجة، لإنقاذ اليمن من مهددات الانهيار الكامل؟
الشرق: رفض محلي يتجاوز الصمت
ويرى الصحفي والمحلل السياسي عبدالجبار عوض الجريري وهو من أبناء حضرموت - أن هذا النهج حوّل الخلاف السياسي إلى معادلة قوة، حيث “فُضّل صدى الرصاص على صوت العقل والحكمة”، مشيرًا إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن محاولة إعادة تشكيل الجنوب وفق مشروع واحد لا يعبّر عن تنوّع مكوناته ولا خصوصيات مناطقه.

وعلى خلاف ما يُروّج له من حالة صمت أو قبول، يؤكد الجريري في حديث خاص لمنصة" الهدهد" أن المكونات السياسية والقبلية في حضرموت والمهرة لم تقف مكتوفة الأيدي، بل عبّرت بشكل واضح عن رفضها لسياسة “الاستقواء” ومحاولات فرض مشاريع سياسية جاهزة بقوة السلاح. وصدرت بيانات ومواقف رافضة لما تصفه هذه المكونات بـ”الهيمنة” وتجاهل الخصوصية التاريخية والسياسية للمحافظات الشرقية.
ورغم وضوح هذا الرفض، يرى متابعون أن المجلس الانتقالي واصل تجاهل هذه النداءات، ماضيًا في خطوات أحادية تُعمّق الانقسام وتعيد إنتاج الأزمة بدل معالجتها، في ظل اختلال واضح في ميزان القوة على الأرض.
فجوة القوة وخيار السلم
في هذا السياق، تجد المكونات الجنوبية والشرقية الأخرى نفسها، وفق توصيف الجريري، أمام “فجوة قوة” حقيقية؛ فهي لا تمتلك العتاد العسكري الذي يمتلكه الانتقالي، ما دفعها إلى تجنّب الانجرار إلى مربع العنف، والتمسك بالوسائل السلمية بوصفها خيارا أخلاقيًا واستراتيجيًا.
ويشير إلى أن حلف قبائل حضرموت والمكونات الاجتماعية في المهرة كانوا ولا يزالون واضحين في مطالبهم، وفي مقدمتها الانسحاب الفوري لمجاميع الانتقالي المسلحة من مناطقهم، والتراجع عن الخطوات الأحادية، والاعتراف بأن القضية الجنوبية لا يمكن اختزالها في فصيل واحد أو فرضها بالقوة.
أزمة دولة وانهيار شامل
من زاوية أوسع، يضع د. فارس البيل، الباحث ورئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية، هذه التطورات ضمن سياق الانهيار العام للدولة اليمنية، معتبرًا أن البلاد تمر بـ”أصعب وأعقد مرحلة في تاريخها المعاصر”، حيث وصلت إلى مستوى غير مسبوق من الضعف والتشظي وانهيار المؤسسات.

ويصف البيل في تصريح خاص لمنصة "الهدهد" الواقع الحالي بأن اليمن باتت أقرب إلى “دويلات متنازعة”، بل حالة فوضى داخلية وخارجية، مؤكدًا أن الإشكالية لم تعد محصورة في مواجهة الحوثيين، بل امتدت إلى تفكك بيت الشرعية نفسه، وسط صمت مريب من كثير من القيادات والنخب.
ويرى البيل أن ما تحتاجه اليمن اليوم هو قرار حازم وقيادات حازمة، حتى مع إدراك أن القرار لم يعد بيد اليمنيين وحدهم، إلا أن عليهم – كما يقول – أن يكونوا أصحاب حلول حقيقية، وأن يمارسوا ضغطًا سياسيًا ودبلوماسيًا جادًا، لأن انهيار اليمن لم يعد شأنًا داخليًا، بل خطرًا إقليميًا وربما دوليًا.
كما يؤكد أنه ينبغي أن تتحمّل السلطة القائمة مسؤوليتها التاريخية، وأن تقول كل شيء أمام الرأي العام، وأن تبذل ما بوسعها بشفافية، حتى لا يلعنها الناس والتاريخ.
وشدد الباحث البيل أن على كل الأصوات اليمنية أن تتداعى للضغط على الحلفاء من أجل بقاء اليمن، وإخراجها مإيقاف منطق الغلبةن دائرة الصراع والتنافس الحالي، بشكل أو بآخر.
إيقاف منطق الغلبة
هدى الصراري المحامية ورئيس مؤسسة دفاع للحقوق والحريات بدورها ترى أن أول ما يجب فعله هو الاعتراف بالحقيقة دون تزييف ومواجهة الأسباب والدوافع التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة الحرجة.

وتؤكد أن اليمن لم يعد يحتمل مغامرات جديدة أو مشاريع قوة الأمر الواقع، مشددة على أن أي طرف يتعامل مع لحظة الانهيار كفرصة لتوسيع نفوذه يسرّع سقوط الدولة حتى لو ظن أنه يحقق مكاسب آنية.
وتوضح الصراري الحائزة على لقب الاورورا للعمل الانساني وجائزة مارتن في حديث خاص لمنصة "الهدهد" أن إنقاذ البلد يبدأ قبل السياسة بـ إيقاف منطق الغلبة، مؤكدة استحالة مواجهة المهددات بينما البنادق تتكلم أكثر من العقل، وتحويل المحافظات إلى غنائم، داعية إلى تجميد أي خطوات أحادية، خصوصًا تلك التي تمس وحدة الجغرافيا أو تعمّق الانقسام، محذرة من أن الانفصال سيقود إلى صراعات أطول، حدود ملتهبة، واقتصاد منهار أكثر.
الصمت تواطؤ
وتشير الصراري إلى أن القوى السياسية التي تدّعي تمثيل الدولة عليها الاستيقاظ من حالة الشلل، وأن الصمت الآن ليس حيادًا بل تواطؤًا، داعية إلى استعادة خطاب وطني واضح يضع مصلحة الناس فوق حسابات التحالفات المؤقتة.
تتحمل الحكومة ومجلس القيادة مسؤولية التحرك العاجل لفتح حوار حقيقي مع كل الأطراف تقول الصراري، بما يشمل خطوطًا حمراء واضحة مثل حصر السلاح بيد الدولة، وإدارة الموارد بعدالة، وعدم استخدام القضايا العادلة كغطاء لمشاريع تفكيك الدولة. وتؤكد أن أي تأجيل أو تردد سيُقرأ كعجز، والعجز في هذه المرحلة قد يكون قاتلاً.
كما شددت المحامية هدى الصراري على أن دور المجتمع المدني والإعلام والحقوقيين حاسم في كسر خطاب التحريض والكراهية، وشرح الثمن الحقيقي للانقسام على حياة المواطنين، من لقمة العيش إلى الأمن، بما يساهم في تغيير المزاج العام.
وعلى المستوى الخارجي، دعت إلى ضغط إقليمي ودولي حقيقي يربط الدعم بوقف أي خطوات تصعيدية من أي طرف، ودعم مسار دولة واحدة بمؤسسات لا بميليشيات، محذرة من أن ترك الساحة لتوازنات السلاح يعني تسليم اليمن للفوضى لسنوات طويلة.
غياب القيادة
من جهته، يربط علي قلي، مدير عام إذاعة صعدة، خطورة المرحلة بغياب أفعال وطنية حقيقية لا تقتصر على القيادة السياسية وحدها، بل تشمل الرئيس ونوابه، والحكومة بكامل أعضائها، والجيش والأمن، إضافة إلى النخب والمثقفين والإعلاميين والوجهاء وعامة الشعب، إلى جانب دول الجوار.

ويرى قلي في حديث خاص لمنصة "الهدهد" أن الوضع الحالي بالغ الخطورة ويتطلب قيادة حكيمة، شجاعة وصريحة، تتحمل مسؤوليتها في مصارحة الشعب بحقيقة ما يجري، واتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية المتاحة، أو الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع يضم ممثلين عن مختلف مناطق اليمن وأحزابه ومفكريه، للخروج برؤية وموقف وطني يحظى بتأييد شعبي، سواء عبر التشاور والتوافق بالوسائل السلمية، أو عبر فرض سلطة الدولة بقوة القانون والحرب عند الضرورة لتثبيت أركانها.
ويؤكد أن الحديث عن استقالة رئيس الجمهورية يمثل، بحسب رأيه، ضرباً من العبث السياسي، لأن الاستقالة تعني فقدان الشرعية والمشروعية، وتسليم البلاد للفوضى، وهو ما يصب في مصلحة الأطراف التي افتعلت الأزمات وتسعى لإغراق اليمن في مزيد من الانهيار.
كما يشدد قلي على ضرورة تنحية الفاسدين والمخربين وتقديمهم للمحاكمة العلنية، وإقصاء كل من ثبتت ارتباطاته الخارجية، معتبراً أن الميليشيات الحوثية تمثل عدواً واضحاً للدولة، ولا بد من محاربتها بوصفها جماعة إرهابية.
مؤسسات التشريع والنخب
وفي السياق ذاته، دعا إلى أن يضطلع مجلس النواب بدوره الدستوري من خلال تشكيل لجان مختصة لمتابعة ومحاسبة كل من يخرج عن التوافق الوطني والثوابت العامة، مؤكداً أن الحكومة ملزمة دستورياً بالحفاظ على سلامة الوطن ووحدة أراضيه، ومعاقبة كل من يعمل على تقويضها، في حين يتوجب على الجيش والأمن الالتزام بتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويحمّل قلي النخب والمثقفين والإعلاميين والوجهاء مسؤولية خاصة في هذه المرحلة، تتمثل في الالتزام بالكلمة المسؤولة، والنصيحة، والتوعية، والوقوف إلى جانب الشرعية، والالتفاف حول الرئيس وتأييد قراراته، واستثمار مختلف وسائل الإعلام والمجالس والمنتديات في خدمة هذا التوجه، مؤكداً أن هذه المسؤولية تقع على عاتق كل قادر.
كما دعا الأحزاب والمكونات السياسية إلى التصرف وفق الدستور والثوابت الوطنية التي تأسست على أساسها، وعدم الانجرار وراء مشاريع تقوض الدولة أو تشتت الجهد الوطني.
ويرى مدير عام إذاعة صعدة أن توجيه البوصلة نحو صنعاء وتخليصها من الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران يمثل أولوية قصوى، وينطبق الأمر ذاته على محافظات الحديدة وتعز وإب وبقية المحافظات دون استثناء.
وعلى المستوى الإقليمي، دعا قلي دول الجوار، وبخاصة المملكة العربية السعودية، إلى احتضان حوار ومشاورات يمنية–يمنية تفضي إلى الحلول والإجراءات المشار إليها، والتعامل مع اليمنيين بندية لا بمنطق التبعية، مع الضغط لإخراج اليمن من الفصل السابع، ووقف تدخل الدول الأخرى.
ويخلص علي قلي إلى أن القضاء على الميليشيات الحوثية الإرهابية هو المدخل الأساسي لاستعادة هيبة الدولة وقوتها، مؤكداً أنه بزوال هذا الخطر ستتراجع تلقائياً بقية الأزمات والمشكلات التي تعاني منها البلاد.
عند نقطة واحدة تتقاطع أراء النخب السياسية والاجتماعية أن ما يجري اليوم انقلاب مكتمل الأركان على الشرعية، يهدد ما تبقى من الدولة، ويقوّض هدف استعادة اليمن من المليشيات والانقسامات، وأن إنقاذ البلد لم يعد يحتمل المواربة أو الصمت، بل يتطلب قرارات شجاعة، وموقفًا وطنيًا جامعًا، وكبحًا حقيقيًا لمنطق القوة وفرض الأمر الواقع.