لوران بوكيرا في اليمن: مهمة إنسانية أم غطاء لتحركات إقليمية لإعادة رسم خارطة النفوذ في عدن؟
في مشهد دبلوماسي يثير الكثير من التساؤلات، طوى "لوران بوكيرا" مدير برنامج الغذاء العالمي صفحة طرده المثيرة للجدل من السودان، ليفتح فصلاً جديداً في اليمن، ولكن هذه المرة من بوابة العاصمة المؤقتة عدن كمنسق للشؤون الإنسانية خلفا لـ "جوليان هارنيس".
فبعد أشهر قليلة من قرار الحكومة السودانية اعتباره "شخصاً غير مرغوب فيه" بتهم مست سيادة الدولة، باشر بوكيرا مهامه رسمياً كمنسق مقيم للأمم المتحدة في اليمن في 21 أبريل الماضي، في خطوة قرأها مراقبون بأنها تتجاوز مجرد "تدوير المناصب" داخل أروقة المنظمة الدولية.
وفي أكتوبر 2025، وضعت الحكومة السودانية حداً لمهمة "لوران بوكيرا"، معلنةً إياه "شخصاً غير مرغوب فيه". ولم يكن القرار إدارياً بحتاً، بل جاء مشفوعاً باتهامات خطيرة أوردتها وسائل إعلام سودانية قريبة من دوائر صنع القرار، تمحورت حول "تجاوز البروتوكولات الرسمية" وفتح قنوات اتصال مشبوهة مع "قوات الدعم السريع".
هذه الاتهامات وضعت الأمم المتحدة في موقف حرج؛ فالمسؤول الدولي الذي يُفترض به الحياد، وجد في قلب عاصفة سياسية تربط تحركاته بأجندات القوى الداعمة لقوات "الدعم السريع"، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، مما جعل مغادرته لبورتسودان تبدو كأنها "فشل دبلوماسي" في الحفاظ على سيادة الدولة المضيفة.
وفي هذا التقرير يستقرئ "الهدهد" قرار التعيين الأممي لشخص ذات خلفية "صدامية" مع السلطات السيادية في الخرطوم، وما إن كان يمثل "حصان طروادة" الذي تسعى من خلاله أبوظبي لإعادة صياغة نفوذها في الجنوب تحت غطاء العمل الإنساني الدولي، مستغلةً خبراته السابقة في المنطقة وعلاقاته المتشابكة مع القوى الفاعلة على الأرض؟ دور سابق في صنعاء
وسبق أن عمل بوكيرا بمنصب الممثل المقيم لبرنامج الأغذية العالمي في اليمن، (2021/2024)، وسبق أن التقى بقيادات جماعة الحوثي في صنعاء في ظل اتهامات للوكالات الأممية بالتواطؤ مع الحوثيين.
ويخلف “بوكيرا” المنسق السابق، جوليان هارنيس، الذي شهدت فترة عمله في اليمن جدلًا متصاعدًا، حيث واجه أداء المنظومة الأممية انتقادات حكومية وإعلامية واسعة، خاصة فيما يتعلق بآليات توزيع المساعدات والتعامل مع القيود المفروضة من قبل جماعة الحوثي.
ويشهد اليمن أزمة إنسانية ممتدة، حيث يعتمد ملايين السكان على المساعدات، في ظل فجوة تمويلية متزايدة، وقيود تشغيلية مستمرة، ما يضع دور المنسق الأممي في موقع حاسم يتطلب التوازن بين المتطلبات الإنسانية والاعتبارات السياسية.
هل تعود الإمارات عبر بوابة الإغاثة؟
رغم أن الوقائع تشير إلى أن الإمارات عمدت على استخدام "الإغاثة" كأداة رئيسية لتثبيت نفوذها في جنوب اليمن، خاصة في عدن وسقطرى، كبديل عن الوجود العسكري المباشر، إلا أن عودة بوكيرا كمنسق أممي مقيم في عدن تأتي في توقيت حساس، في وقت تسعى فيه أبوظبي لتأكيد حضورها من خلال بوابة الإغاثة وإعادة الإعمار، مما يعيد تشكيل خارطة المساعدات والنفوذ في عدن.
وفي السياق ذاته قال الكاتب الصحافي وديع عطا "ما من شك أن العمل الإنساني يعتبر أحد أبرز وأخطر أدوات الدبلوماسية الناعمة التي قد تخترق بها الدول والشعوب، خصوصا في ظل انقطاعات دبلوماسية أو سياسية بين الدولة (س) والدولة (ص) مثلا".
في حديثه لـ"الهدهد" يقول عطا "صحيح إنه لم يكد غبار الأزمة الدبلوماسية في الخرطوم يهدأ، حتى حطّ الدبلوماسي الأممي الجدلي "بوكيرا" رحاله في عدن، حاملاً معه حقيبة مثقلة بتهم "تجاوز السيادة" التي أخرجته مطروداً من السودان قبل أشهر.
وأضاف: لكن هناك معايير للدولة المعنية بأن تقيس بها مدى إيجابية أو سلامة هذه العلاقة مع هذا الموظف الدولي والأممي ومراقبة أدائه على الميدان، كذلك واعتماد معايير محلية ووطنية لأدائه على المستوى الميداني، لكي يتم الكشف ما إذا كان عمليا يخدم أجندات خارجية أو سيكون في مهمته الإنسانية بشكل واقعي وعادل".
وتابع "لذلك لا أعتقد أنه من الحكمة التعامل بشكل مبكر بالبناء على موقفه في السودان، لكن يمكن الاستفادة من تجربته في السودان بالتعامل معه بحذر والتعامل معه بمنطقية واقعية كذلك وإخضاعه لمعايير وطنية وميدانية وإنسانية لا تتقاطع أبدا مع المصلحة العليا للشعب اليمني".
يستدرك عطا "في المحصلة موظف أممي ودولي اعتمد وتمت الموافقة عليه، وإلا لن يأتي إلى اليمن إلا بموافقة حكومية وأعتقد أنه سيكون بضوء أخضر من التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، لذلك أقول إنه يفترض أن تتعامل الحكومة اليمنية معه بحذر وأن تكون لها معاييرها الوطنية والميدانية لقياس نجاحه من عدمه".
معايير التعيين وبيئة العمل
من جانبه قال الباحث والمحلل في الشؤون الأمنية والسياسية، عاصم المجاهد إن عودة بوكيرا إلى اليمن، وتحديداً إلى عدن -التي تمثل مركز نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل والمدعوم إماراتياً تطرح تساؤلات جوهرية حول معايير التعيين الأممية.
في حديثه لـ "الهدهد" يضيف المجاهد "في مثل هذه الملفات من المهم أولاً التمييز بين مسارين غالبًا ما يتم الخلط بينهما الأول مسار التعيين داخل منظومة الأمم المتحدة نفسها والثاني مسار توظيف البيئة السياسية التي سوف يعمل فيها هذا التعيين، فآليات اختيار موظفي الأمم المتحدة يفترض نظريا أنها تقوم على معايير مهنية واضحة، لكن هذا لا يعني أن السياق السياسي في الدول التي يتم تعيينهم فيها والفاعلين الإقليميين لا يترك أثره على تحركاتهم وطبيعة عملهم".
وأضاف "في حالة بوكيرا تحديدًا فإن ملف عمله في السودان يبقى حاضرا في التقييمات سواء من زاوية إدارته للعلاقات مع الأطراف المحلية أو طبيعة الاتهامات التي وجهت له، لكن الانتقال إلى اليمن لا يعني أنه سيتصرف بذات الطريقة، لأن البيئة اليمنية أكثر تعقيدا وتعددا في مراكز النفوذ مع حضور إقليمي متداخل يجعل أي وظيفة أممية عرضة لقراءات متباينة ومتناقضة".
ويرى الباحث والمحلل في الشؤون الأمنية والسياسية أن الحديث عن تدخل إماراتي مباشر في هذا التعيين أو عن محاولة "عودة عبر بوابة الإغاثة" حديث مبالغ فيه، ولا يمكن الجزم به، وما هو قائم فعليًا هو مؤشرات مرتبطة بوجود إماراتي سابق في بعض المناطق عبر أدوات أمنية عسكرية بالدرجة الأولى تليها الأدوات الإنسانية إلى جانب تنافس إقليمي واضح في الساحة اليمنية خصوصا في الجنوب والساحل، لكن هذا لا يرتقي تلقائيًا إلى استنتاج وجود تدخل مباشر في التعيينات داخل المنظومة الأممية.
وطبقا للمجاهد فإن الإشكالية الحقيقية الآن ليست في اسم المنسق بحد ذاته بل في بيئة العمل نفسها -جنوب اليمن- تحديدًا ساحة متعددة النفوذ وأي نشاط إنساني فيها يتقاطع مع اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد، وهذا يجعل مفهوم الحياد أمام اختبار صعب وتحدي يومي على الأرض".
التنظيم الحوثي السري
بدوره الأكاديمي عبدالقادر الخراز المهتم بقضايا فساد المنظمات الدولية علق على التعيين الأممي من وجهة نظر أخرى حيث يرى أن كل التعيينات الأممية تعمل لخدمة جماعة الحوثي في العاصمة صنعاء.
في حديثه لـ "الهدهد" يقول "بالنسبة لبوكيرا واضح أنه طرد من السودان وتم تعيينه مباشرة في اليمن، للأسف الشديد، فالمتتبع للمعينين في هذا المنصب (منسق الشؤون الإنسانية في اليمن) نجد أنه يتم اختيار شخصيات تلعب دورا في خدمة جماعة الحوثي".
وأضاف الخراز وهو -رئيس حملة لن نصمت المختصة بفساد المنظمات باليمن- "لو نتتبع دور المنسق السابق والأسبق، فالأسبق عمل على انسحاب قوات الشرعية من الحديدة وانقذ الحوثي عبر اتفاق "استوكهولم"، وللأسف لم يطبق هذا الاتفاق، وبقية الحديدة بيد جماعة الحوثي، ويأتي بعد ذلك السابق الذي سلم الباخرة "نوتيكا" البديلة لخزان صافر العائم قبالة الحديدة لجماعة الحوثي، وأصبحت "نوتيكا" و"صافر" تخدمان الجماعة في تهريب النفط".
وتابع "من الملاحظ للأحداث القريبة فقط تحديدا من عام 2018م حتى ابريل الجاري من العام الحالي 2026، تم فيها تعيين ثلاثة منسقين أمميين وهم "ليز غراندي، ديفيد غريسلي، جوليان هارنيس"، والكل -حسب الخراز- متورط في دعم الحوثيين". وطبقا للخراز فإن هذا المنسق الجديد "بوكيرا" ربما ينقذ الحوثيين ويعمل على خدمتهم في قضايا قادمة.
وزاد "القضية مرتبطة أساساً بما نشرناه سابقا من تقارير وملفات تتعلق بالتنظيم الحوثي السري في المنظمات والصناديق الدولية التي تعمل على تعيين شخصيات معينة تقوم بخدمة الحوثي والتخفيف عنه من الضغوط الدولية، وأيضا تمكينه في كثير من القضايا التي تساهم في مساعدته على كثير من المسائل، بل حتى دعمه بالتمويلات الدولية".
وتابع " من وجهة نظري هناك تنظيم حوثي سري وكشفنا الكثير من الأسماء وهذا التنظيم ما يزال يلعب دورا كبيرا في المنظمات والصناديق الدولية، وكشفنا على أسماء شخصيات تلعب على تسهيل وصول التمويلات الدولية إلى مليشيا الحوثي".
وأردف "نحن اليوم أمام إشكالية كبيرة في تعيين المنسق الأممي الجديد "لوران بوكيرا" والذي ربما قد يساهم في خدمة الحوثيين ويقدم لهم أدوار كبيرة".
وبشأن الدور الذي من المفترض أن تتخذه الحكومة اليمنية إزاء هذا التعيين يقول الخراز "يفترض أنها اعترضت على المنسقين الأمميين السابق والأسبق اللذان ثبت تورطهم مع الحوثيين، وهذا أيضا الجديد الذي كانت لديه إشكالية في السودان، والذي يظهر أنه لم يكن حيادي وكان مع طرف".
واسترسل "كان من المفترض على الحكومة اليمنية أن ترفض تعيين المنسق الأممي الجديد الذي كانت لديه إشكالية في السودان، والذي يظهر أنه لم يكن محايدا وكان مع طرف".
وقال "لكن للأسف نستغرب من مواقف الحكومة اليمنية في هذا الوضع ولا نعرف ما دوافع هذا السكوت والصمت، وما إن كان هناك اختراق أيضا في الشرعية يؤدي لهذا السكوت عن تعيين مثل هكذا شخص تبت تورطه في السودان بالعمل مع طرف ما ضد الحكومة الرسمية.
واستدرك "الدور واضح منذ البداية للأمم المتحدة وهو دور مرتبط من وجهة نظري بالتنظيم الحوثي السري المخترق لهذه المنظمات حتى من قبل الحرب في اليمن وكان يسمى "التنظيم الهاشمي" وما حدث في صندوق النقد الدولي الذي أساساً المستشار الرئيسي أو ما يسموه "كبير مستشاري صندوق النقد الدولي" هو فؤاد علي الكحلاني والذي كشفناه في تقرير "التنظيم السري الحوثي" في الجزء الأول، مشيرا إلى أن فؤاد هو نجل علي الكحلاني مساعد وزير الدفاع في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها دوليا).
وختم الأكاديمي الخراز حديثه بالقول "ربما يكون هناك تأثيرات وتدخلات لدول ما في هذا التعيين، نتيجة خلافات، لكن الحقيقة تكمن وراء تماهي الأمم المتحدة وخدمتها لجماعة الحوثي بالدرجة الرئيسية منذ بداية الحرب".