من اغتيال الشاعر إلى اختبار الدولة: هل تتحرك الحكومة لوأد محاولة عودة الإرهاب؟
"يمثل استهداف أي مواطن أو شخصية سياسية مساساً مباشراً بمسؤولية الدولة تجاه جميع أبنائها، وانتهاكاً واضحاً لسيادة القانون والنظام العام"، بهذه الكلمات وصف وزير الإعلام معمر الإرياني حادثة اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الدكتور عبدالرحمن الشاعر، على يد مسلحين مجهولين يوم السبت 25 أبريل 2026 في محافظة عدن، وهي الحادثة التي تعيد إلى الأذهان سنوات العنف والإرهاب التي شهدتها المدينة، والتي أودت بحياة عشرات السياسيين والدعاة والخطباء والأكاديميين والعسكريين والناشطين.
اغتيال الشاعر وجرس الإنذار
ويشير تعليق الوزير، الذي جاء في سياق تصريح صحفي، إلى إدراك الحكومة لأبعاد هذه الجريمة وخطورة أهداف منفذيها والجهات التي تقف خلفها، وهو ما يستدعي – وفق هذا التوصيف – انتقال الحكومة من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الأفعال، لإحباط محاولات إعادة إنتاج الفوضى والإرهاب، وفي الوقت ذاته إثبات كفاءتها في القيام بوظائفها الأساسية، وفي مقدمتها حماية أمن المواطنين وحياتهم.
ولا يمثل اغتيال الشاعر، وهو تربوي أمضى عقودًا في حقل التعليم من خلال إدارته لمدارس النورس الأهلية، التي تُعد نموذجاً تعليمياً متميزاً على المستويين المحلي والعربي، استهداف شخصه فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى استهداف رمزيته ومكانته وتأثيره العلمي والتربوي والاجتماعي والسياسي.
استهداف ممنهج لكوادر الإصلاح
كما يعكس هذا الحادث استهدافاً ممنهجاً لحزب الإصلاح، في امتداد لسلسلة من أعمال العنف والإرهاب التي طالت العديد من كوادره وأعضائه وقياداته في مختلف المحافظات والتي تقف خلفها جهات مرتبطة بالإمارات، نظراً لدوره الوطني وتأثيره في الحفاظ على التماسك والوحدة، إلى جانب كونه أحد المرتكزات في مشروع استعادة الدولة.
غير أن تأثير هذه الجريمة لا يقتصر على الحزب، بل يتجاوز ذلك إلى استهداف جهود السلطة الشرعية في ترسيخ الأمن والاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، وإعادة بناء المؤسسات، وتحصين الخدمات، وتوحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما أشار إليه الإرياني بقوله إن "هذه الجرائم تأتي في سياق محاولات ممنهجة لخلط الأوراق وتقويض ما تحقق من استقرار، عبر إعادة إنتاج الفوضى كأداة لفرض وقائع خارج إطار الدولة".
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى حادثة اغتيال الشاعر بوصفها جريمة إرهاب سياسي منظمة، لا يمكن فصلها عن سياق العمليات التي شهدتها السنوات الماضية، سواء تلك التي استهدفت كوادر حزب الإصلاح، الذي دفع ثمناً باهظاً من قياداته وأعضائه، بحسب منظمة "رايتس رادار" لحقوق الإنسان، والتي أوضحت في تقرير لها أن خارطة الانتماءات الحزبية للضحايا تشير إلى أن منتسبي حزب التجمع اليمني للإصلاح يتصدرون قائمة الضحايا المستهدفين خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وذلك بواقع 164 حالة اغتيال وتصفية.
وللتأكيد على حجم هذا الثمن الكبير، يكفي الإشارة إلى ما شهده عام 2018 وحده من موجة اغتيالات متتابعة طالت قيادات الإصلاح، من أبرزها اغتيال القيادي شوقي كمادي في عدن بتاريخ 13 فبراير، ثم اغتيال القيادي هائل عبده غالب في 17 فبراير بانفجار لغم أرضي، تلاه اغتيال القيادي رفيق الأكحلي في تعز في 30 مارس، ثم وفاة الشيخ عمر دوكم في 2 أبريل متأثراً بجراحه بعد محاولة اغتيال.
كما شملت العمليات اغتيال الشيخ حسن دوبلة مع خمسة من مرافقيه في 2 مايو، إضافة إلى اغتيال الناشط علي محمد الدعوسي في 19 سبتمبر بعدن، والتربوي رمزي الزغير أمام طلابه في 23 سبتمبر، ثم العثور على جثة محمد الشجينة، رئيس جمعية الإصلاح الخيرية، مذبوحاً بعد اختطافه وتعذيبه في 2 أكتوبر، واغتيال الصحفي زكي السقلدي في الضالع بتاريخ 5 أكتوبر، وصولاً إلى اغتيال القيادي علي عبد الله مقبل في تعز يوم 20 أكتوبر.
وتشير هذه الوقائع، التي تمثل جزءاً من سلسلة أوسع وأكثر تعقيداً، إلى أن الاستهداف لم يكن عشوائياً، بل اتخذ طابعاً منظماً وممنهجاً، استهدف كوادر حزب الإصلاح في مختلف مستوياتهم، من القيادات السياسية إلى التربويين والنشطاء والإعلاميين. كما تعكس هذه الأحداث طبيعة التهديدات متعددة المصادر التي يواجهها الحزب، في ظل بيئة أمنية معقدة.
مسؤولية الدولة في المواجهة
وعلى هذه الخلفية، تتجه الأنظار إلى ما ستقوم به الأجهزة الحكومية، ممثلة بمؤسسات إنفاذ القانون، من الشرطة الجنائية، وجهاز أمن الدولة، والسلطة القضائية، للتحقيق في واقعة الاغتيال، وضبط المنفذين، وكشف الجهات التي تقف خلفهم، وتحديد دوافعهم وأهدافهم، وإحالتهم إلى القضاء ليقول كلمته بحقهم. ويُعد هذا المسار هو الطريق الطبيعي والوحيد لإجهاض محاولات الجهات التي لا يروق لها الأمن والاستقرار، ولا تقبل بدور القوى الوطنية وتأثيرها.
وفي هذا السياق، تشير المحامية هدى الصراري إلى أن الإفلات من العقاب وعدم الملاحقة القضائية لمثل هذه الجرائم يمنح مرتكبيها ضوءًا أخضر للاستمرار، ويشجعهم على التمادي في أفعالهم نتيجة غياب العدالة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التحرك السريع لكشف ملابسات الحادثة وفق إجراءات قانونية واضحة، وتقديم المتهمين إلى القضاء، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وينصف الضحايا، ويحد من تكرار مثل هذه الجرائم.
كما تراهن الجهات التي تقف وراء هذه العمليات على امتصاص الغضب الشعبي في أعقاب كل حادثة، بانتظار أن تخفت ردود الفعل خلال وقت قصير، كما حدث في وقائع سابقة، لتعاود التخطيط لعمليات جديدة دون خوف من المساءلة. وهو ما ينبغي أن يدركه صانع القرار السياسي في الحكومة المعترف بها دولياً، من أجل استعادة زمام المبادرة، وتجاوز الخطاب اللفظي إلى إجراءات عملية وحاسمة.
ومن المفترض أيضاً أن تدفع هذه الحادثة الحكومة إلى إعادة النظر في بعض قراراتها، لا سيما تلك المتعلقة بالجانب الأمني والاستخباراتي، والتي شملت تعيين شخصيات متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان أو تفتقر إلى الالتزام الصارم بالقانون في مواقع حساسة، بما في ذلك وحدات أمنية وأخرى معنية بمكافحة الإرهاب، رغم ارتباط بعضها بسجل طويل من الاغتيالات خلال السنوات الماضية. وهو ما يثير تساؤلات حول دوافع إعادة تعيين هذه الشخصيات في مواقع مؤثرة، بدلًا من اختيار كفاءات تمتلك سجلاً نظيفاً وتتمتع بالمهنية والالتزام بالقانون.
وتؤكد تجارب الدول، لا سيما في مراحل التحول والانتقال الصعبة، أن اختيار قيادات كفؤة وملتزمة بحماية المواطنين يمثل أساساً لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعزز قدرة المؤسسات على أداء دورها، ويؤسس لبناء أجهزة أمنية على أسس وطنية ومهنية بحتة.
العدالة أساس استعادة الثقة
في المقابل، فإن التساهل مع مرتكبي الجرائم، خاصة تلك التي تمسّ هيبة الدولة وحقها في احتكار استخدام القوة، أو تقييد هذه الجرائم ضد "مجهولين" دون استكمال التحقيقات ومساءلة الجناة أمام القضاء، لا يؤدي إلى الاستقرار ولا يعزز هيبة الدولة، بل على العكس، يضعفها أمام مواطنيها، ويشجع الأطراف المختلفة على استهدافها والنيل منها.
ومن هنا، فإن المسار المطلوب يجب أن ينطلق من قضية اغتيال الشاعر لفتح ملف الاغتيالات بشكل شامل، واستكمال التحقيق في القضايا التي توقفت، والشروع في التحقيق في القضايا التي لم يتم فتحها، وتشجيع المواطنين على تقديم بلاغاتهم، وتوفير الحماية للشهود وأسر الضحايا. فالدولة لا تُحمى بالقوة وحدها، بل تُصان بالعدالة أولاً، باعتبارها الأساس الحقيقي للأمن والاستقرار.