"لا تنشر… سيخرج قريباً": كيف تتحول وعود الحوثيين إلى فخٍ لإخفاء المختطفين؟

2026-04-18 09:42 الهدهد/خاص:
وقفة احتجاجية سابقة لأمهات المختطفين بصنعاء
وقفة احتجاجية سابقة لأمهات المختطفين بصنعاء

"انتظري… لا تنشري… قريب سيخرج"، كانت هذه الكلمات التي تم بها تخدير سمية المقطري عقب اختطاف والدها من قبل الحوثيين في صنعاء قبل عامين، كي لا تكتب عنه ولا تثير قضيته للرأي العام والإعلام والمنظمات الحقوقية.

وخلال هذه الفترة، اتضح لها أن تلك الكلمات لم تكن سوى جزء من استراتيجية خداع تهدف إلى جعل قضيته منسية، وإسقاط أي تحرك ممكن بمساعدة ناشطين ومنظمات حقوقية محلية.

وبعد صمت استمر لعامين، خرجت سمية لتتحدث عن قصة والدها، الذي يعمل مستشاراً في هيئة الطيران المدني، والذي اختطفه الحوثيون دون أي تهمة. وقد قيل لها حينها أن تلتزم الصمت وتنتظر، وأنه سيخرج قريباً، فصدقت تلك الوعود، وانتظر، لكن الأيام والأسابيع والشهور مضت دون أن يعود والدها.

وقبل أيام، قررت أن تكتب وتشارك تجربتها مع الآخرين. وتقول سمية على صفحتها في منصة فيسبوك إنها لم تصمت ضعفاً، ولا لأنها لم تكن متأثرة بغياب والدها، بل لأنها صدقت أن الصمت قد يعيده إليها، لكنها اكتشفت، بعد هذه التجربة القاسية، أن الصمت كان أخطر عليها.

من حالة فردية إلى ظاهرة ممنهجة

قصة سمية ليست حالة فردية، بل تمثل ظاهرة عامة لدى أهالي المختطفين لدى الحوثيين، فقد سبق للعديد منهم مشاركة تجاربهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد مرور سنوات على الاختطاف، ليكشفوا للرأي العام أن ذويهم مختطفون، بعد أن كانت قضاياهم منسية ولا يعلم بها أحد.

يقول أحد أقارب شخصية مدنية مشهورة مختطفة لدى الحوثيين منذ ما يقارب عامين، في حديث مع منصة "الهدهد"، إنه مرّ بتجربة مشابهة، حيث طلب منه قيادي حوثي بعد اختطاف شقيقه: "لا تنشر شيئاً عنه في وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام، لأنك قد تسبب له ضرراً، وأنصحك بالصمت، فهذا هو الخيار الأفضل".

وأضاف أنه عندما سأله عن الضمانات، قيل له: "نحن لا نعدك بشيء، لكن الصمت أفضل لك وله… وإلا قد تجد نفسك إلى جواره".

ورغم التزامه بعدم النشر، إلا أنه اكتشف مع مرور الوقت أن ما قيل له كان مجرد خداع، وأن الصمت لم يساعد في إطلاق سراح شقيقه، بل ساهم في استمرار احتجازه وتعذيبه، وحرمان أسرته من معرفة مصيره، ومنح الخاطفين فرصة لممارسة الانتهاكات بعيدًا عن الإعلام والمنظمات.

سجن الضحية… وسجن الحقيقة

وعلى مدى سنوات، كرّس الحوثيون هذه الاستراتيجية في تعاملهم مع قضايا المختطفين، حيث يُطلب من أهالي المختطف الصمت وعدم النشر، مقابل وعود خادعة بالإفراج القريب، لكن سرعان ما يتبين أن الواقع عكس ذلك تماماً.

في بعض الحالات، يُبلّغ الأهالي بهذا الطلب فور وقوع الاختطاف، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء محسوبين على الحوثيين. وفي أحيان أخرى، يتم استخدام ناشطين يتظاهرون بالحرص على سلامة المختطفين، ويقدمون نصائح بعدم النشر، بزعم أن ذلك في مصلحتهم، بينما يكون الهدف الحقيقي هو طمس القضية.

ومن خلال الوقائع والتجارب، يتضح أن هذه الممارسات لا تقتصر على اختطاف الضحية فقط، بل تمتد إلى "سجن الحقيقة" أيضاً، بحيث يتم إخفاء القضية عن الرأي العام، فلا يعرف أحد شيئاً عن المختطفين أو مصيرهم.

وبالإضافة إلى ذلك، لعبت بعض المنظمات أدواراً مشابهة، منها منظمة "مواطنة"، بحسب ما أفاد به عدد من ذوي الضحايا وشهادات ناشطين حقوقيين مثل رياض الدبعي. وقد تجلى ذلك خلال حملة اختطاف موظفي المنظمات الأممية والدولية، حيث تم إبلاغ بعض الأهالي بأن المنظمة ستتولى متابعة القضية مع الحوثيين مقابل التزامهم بالصمت.

لكن رغم ذلك، لم يتغير شيء، وخسر الأهالي فرصة خلق تعاطف وضغط إعلامي على الحوثيين.

الصمت كأداة لتزييف الواقع

ويرى مدافعون عن حقوق الإنسان أن أخطر ما يواجه المختطف، بعد حرمانه من حريته، هو الصمت على قضيته، لأنه يحوله إلى مجرد رقم بلا صوت، ولا يستدعي أي تعاطف أو تحرك لإنقاذه. وفي المقابل، يتيح ذلك للحوثيين تمرير روايتهم بأن المختطفين مذنبون ومدانون وأن مكانهم الطبيعي هو السجن.

وبحسب هذه الرؤية، يدرك الحوثيون أن أي تفاعل أو اهتمام بقضية المختطف يقلل من قدرتهم على تمرير هذه السردية، ويصعّب مهمتهم في كسب تأييد للرأي العام تجاه ممارساتهم.

ولهذا، فإن أفضل وسيلة بالنسبة لهم هي إبقاء القضية صامتة، دون ضغط إعلامي أو رواية مضادة، بحيث لا يعرف الناس أصلًا بوجود المختطف.

وفي هذا السياق، نجح الحوثيون في تمرير بعض هذه السرديات نتيجة الصمت، وساعدهم في ذلك أيضاً تردد بعض المنظمات الدولية في التحدث عن موظفيها المختطفين بالشكل المطلوب، ما أتاح توجيه اتهامات لهم مثل التجسس أو العمالة.

ومما يسعى إليه الحوثيون من وراء هذه الاستراتيجية هو تحسين صورتهم لدى الرأي العام، محلياً وخارجياً، عبر إعطاء انطباع بأنهم لا يختطفون الناس بسبب آرائهم، بل يقتصر الأمر—بحسب روايتهم—على معاقبة أشخاص متهمين بالتجسس أو الخيانة.

وبالتالي، فإن الصمت عن حالات الاختطاف يسهم بشكل مباشر في ترسيخ هذه الصورة الزائفة.

وفي المقابل، يشعر المختطف بالخذلان، وكأن من حوله قد نسوه أو تخلوا عن قضيته، في ظل غياب أي صوت يدافع عنه أو يطالب بحريته.

كسر الصمت هو البداية

وفي المقابل، يقترح ناشطون على أهالي المختطفين إيجاد طرق آمنة لنشر قضايا ذويهم، سواء عبر حسابات غير مباشرة أو حملات مستمرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بما يضمن إبقاء القضية حية، وحماية المختطفين، وفي الوقت نفسه تقليل المخاطر على عائلاتهم.

هذه الوقائع تؤكد أن الصمت لم يكن يوماً حلاً… بل كان جزءاً من المشكلة.