إزاحة "وحدة حماية الأراضي".. هل بدأت السلطة المحلية في عدن تفكيك إرث "الانتقالي" المنحل؟
في خطوة وُصفت بأنها "بداية التفكيك" لواحد من أكثر الكيانات الأمنية إثارة للجدل في العاصمة المؤقتة عدن، أعلن المقدم كمال الحالمي، قائد "وحدة التدخل لحماية الأراضي"، استقالته رسمياً من مهامه. هذه الاستقالة لم تكن مجرد إجراء إداري عابر، بل جاءت لتزيح الستار عن صراع نفوذ ومال محتدم، وتفتح ملف سنوات من "السطوة" التي فرضها هذا التشكيل على كل شبر في المدينة.
عقب ساعات من استقالة "الحالمي"، أصدرت السلطة المحلية بعدن، الثلاثاء، بياناً توضيحياً كشف عن "خلافات عميقة" مع الوحدة. وبحسب البيان الذي رصده "الهدهد"، فإن الأزمة تفجرت بسبب "ملاحظات قانونية ومالية جسيمة"، وتذمر قيادة الوحدة من توجهات المحافظ الجديد بإخضاع نشاطها لمراجعة مالية شاملة وربط إيراداتها مباشرة بموارد السلطة المحلية؛ تحقيقاً لمبدأ الشفافية المالية.
البيان لم يتوقف عند الجانب المالي فحسب، بل اتهم الوحدة بممارسة "إجراءات مخالفة" بحق المواطنين، شملت احتجاز مركبات وآليات لفترات وصلت إلى سنوات دون مسوغ قانوني.
وبحسب البيان أعلنت السلطة المحلية رسمياً إسناد مهام الوحدة إلى "قوات الأمن الخاصة" باعتبارها التبعية القانونية الصحيحة، في مسعى واضح لتصحيح المسار التنظيمي وإعادة الهيبة للمؤسسات الرسمية.
ارتياح شعبي وتركة ثقيلة
ميدانياً، رصدت تقارير وشهادات حالة من الارتياح الشعبي لرحيل قيادة الوحدة. وأشار مواطنون لـ"الهدهد" إلى أن وحدة حماية الأراضي تسببت بركود حاد في قطاع العقارات، حيث شهد هذا القطاع تراجعاً كبيراً في أسعار الأراضي وتدهور سوق المقاولات نتيجة القيود والجبايات.
ولم يقتصر الضرر على العقارات، بل امتد للقطاع التجاري؛ حيث أغلقت الوحدة عشرات المحال التجارية، مما دفع مئات التجار المتخصصين في مواد البناء للنزوح إلى محافظات أخرى هرباً من الإتاوات المفروضة.
صراع الأجنحة
يرى مراقبون أن سطوة "الحالمي" بدأت تتآكل فعلياً مع تعيين المحافظ الجديد لعدن، عبد الرحمن شيخ، الذي اتخذ سلسلة إجراءات حدت من نفوذ الوحدة، أبرزها التوجيه بالإفراج عن المعدات المحتجزة وتسهيل إجراءات البناء للمواطنين. هذا التوجه الاصلاحي اصطدم برغبة الوحدة في البقاء كـ"دولة داخل الدولة"، وهو ما فجر الاستقالة الأخيرة.
هذا الصراع ليس وليد اللحظة؛ ففي أبريل/ نيسان 2025، تعثرت محاولات إصلاح الهيئة العامة للأراضي التي يقودها سالم ثابت العولقي (الناطق باسم الانتقالي) بعد ممانعة شديدة من أجنحة داخل المجلس، مما أدى لاستقالة العولقي حينها، وهو ما يعكس حجم "تشابك المصالح" وصعوبة تفكيك مراكز القوى في ملف الأراضي.
نشأة "الخطيئة"
تعود قصة "وحدة حماية الأراضي" إلى 15 ديسمبر/ كانون الأول 2021، حين أصدر محافظ عدن السابق، الموالي للمجلس الانتقالي المنحل، أحمد حامد لملس، القرار رقم (85) بإنشاء هذا التشكيل المستحدث ليكون مرتبطاً به شخصياً.
ورغم أن المهمة المعلنة كانت "فض نزاعات الأراضي"، إلا أن الواقع الميداني تحول إلى "سلطة مطلقة" تتدخل في كل شيء، من رخص البناء وصولاً إلى التحكم في بيع "الطوب والأسمنت".
وبحسب مختصين قانونيين، فإن بقاء الوحدة طوال هذه السنوات كان "خطيئة قانونية"؛ كونها صادرت صلاحيات القضاء والنيابة ومكتب الأشغال، وتحولت إلى أداة لشرعنة ممارسات "البلطجة" تحت غطاء النظام والقانون.
مستقبل المؤسسات
تظل استقالة كمال الحالمي مجرد خطوة أولى في طريق طويل. والسؤال الذي يتردد اليوم في الشارع العدني: هل ستنجح السلطة المحلية وقوات الأمن الخاصة في استعادة صلاحيات مؤسسات الدولة المنهوبة؟ أم أن "هوامير الأراضي" سيجدون غطاءً جديداً لمواصلة ما بدأته الوحدة على مدار السنوات الخمس الماضية؟.