العودة إلى الظل.. رعب الاستهداف بعد حرب إيران يدفع قيادات الحوثيين للاختفاء
لم تكد قيادات ميليشيات الحوثي تخرج إلى العلن، حتى عادت سريعا إلى الظل مجددا، مدفوعة بحالة من الخوف والقلق من الاستهداف، عقب إعلانها المشاركة في الحرب إلى جانب إيران خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما استدعى تفعيل بروتوكولات أمنية صارمة على مستوى القيادات العليا والوسطى، شملت تحركاتهم وتجنبهم استخدام الهواتف والإنترنت.
غير أن هذا الانكفاء لا يبدو مجرد إجراء أمني عابر، بل يعكس – وفق مراقبين – حالة قلق أعمق داخل بنية الجماعة، تتجاوز الخشية من الاستهداف إلى إعادة تموضع القيادة ضمن بيئة صراع أكثر تعقيدا واتساعا، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
بروتوكولات أمنية مشددة: عزلة القيادات ومنع التواصل
وقالت مصادر خاصة لمنصة “الهدهد” إن قيادات الحوثي على كافة المستويات تعيش حالة من العزلة عن بعضها البعض، بعد أن اتخذت القيادة العليا فيما يُسمى بـ"المجلس الجهادي" مجموعة من التدابير والإجراءات الأمنية المشددة، تمثلت في إصدار تعليمات تمنع الوزراء والمسؤولين من التردد على مقار العمل إلا في حالات محدودة ونادرة، مع إيكال مهمة تسيير الأعمال والتوقيعات اللازمة إلى أشخاص محددين.
وبحسب المصادر، فقد ترتب على هذه الإجراءات تعطيل مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وإصابتها بحالة من الشلل. وتشمل هذه الإجراءات، وفق ذات المصادر، منع قيادات الحوثيين الذين يشغلون مناصب حكومية من استخدام الهواتف والحواسيب والأجهزة الحديثة، والاتصال بالإنترنت، خشية الاستهداف من قبل إسرائيل، رداً على استئناف الهجمات ضدها، رغم أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي نفذها الحوثيون مؤخرا لم يكن لها تأثير يُذكر.
ويكشف هذا المستوى من العزلة، بحسب محللين، عن تراجع في الثقة داخل البنية التنظيمية نفسها، حيث يتم تقليص دوائر التواصل إلى الحد الأدنى، وتعزيز مركزية القرار، بما يحد من تدفق المعلومات حتى داخل مؤسسات الجماعة.
مؤسسات بلا قرار: المرافقون بديلاً عن المسؤولين
وكان الحوثيون قد استأنفوا هجماتهم على الكيان الإسرائيلي دعما لإيران، التي تعرضت منذ أواخر فبراير لهجوم مشترك من الولايات المتحدة، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين. وقد توعد قادة الكيان بالرد على الحوثيين في الوقت المناسب، مؤكدين امتلاكهم القدرة على الوصول إليهم، ما يشير إلى احتمالية تصعيد قادم.
ويرى مراقبون أن دخول الحوثيين إلى هذا التصعيد جاء في توقيت متأخر، وهو ما يُفسّر ضمن تفاهمات مع إيران، في إطار توزيع الأدوار بين حلفائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والفصائل العراقية.
وفي الداخل، بدأ هذا التحول ينعكس بوضوح على أداء المؤسسات الحكومية. إذ قال موظف حكومي في إحدى الوزارات – فضّل عدم ذكر اسمه لمنصة الهدهد – إن المعاملات اليومية للمواطنين، خصوصا تلك التي تتطلب توقيعات المسؤولين، تشهد تعطّلا كبيرا نتيجة غيابهم وشلل العمل الإداري.
وأضاف أن من يتولون تسيير الأعمال هم أشخاص من دائرة الولاء الضيقة المرتبطة بالحوثيين، يعملون كمرافقين، حيث يقومون بجمع الملفات ونقلها يدويا إلى المسؤولين المتخفين، ما يؤدي إلى تأخير إنجاز المعاملات لأيام على غرار ما حصل أثناء هجمات أمريكا العام الماضي.
وأضاف: "يمكنني القول إننا نعيش وضعا مشابها لما شهدناه خلال فترات القصف الأمريكي والإسرائيلي على الحوثيين العام الماضي، حين اضطرت القيادات إلى الاختفاء والتخفي".
كلفة الانخراط الإقليمي: سلطة تتآكل من الداخل
وخلال تلك الفترة، التي شهدت واحدة من أعنف موجات القصف على الحوثيين في السنوات الماضية، تمكنت الولايات المتحدة من الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة، سواء فيما يتعلق بمخازن الأسلحة أو تحركات القيادات، وهو ما سهّل استهداف القدرات العسكرية والبشرية للجماعة.
وقد استمرت تلك الهجمات قرابة ثلاثة أشهر، وأعادت الحوثيين إلى نمط عملهم الأول، كحركة صغيرة تعتمد على مجموعات متفرقة تعمل في الكهوف والجبال، بشكل منعزل عن بعضها البعض، وبعيدا عن وسائل الاتصال والتكنولوجيا، ما أدى إلى غياب القيادات عن الظهور الإعلامي والأنشطة التي اعتادوا المشاركة فيها.
كما دفعت تلك الضربات الجماعة إلى تبني سياسة التكتم والتحفظ على الخسائر، خاصة المتعلقة بالقيادات، بهدف الحفاظ على معنويات أنصارها، ومنع حدوث حالة من التراجع داخل صفوفها، حيث لم يُعلن عن مصير بعض القيادات إلا بعد مرور أشهر.
وبالمثل، فإن الضربات التي نفذها طيران الكيان، خصوصا تلك التي استهدفت اجتماع الحكومة غير المعترف بها في صنعاء، وأسفرت عن مقتل رئيسها وعدد من الوزراء ومسؤولين آخرين، وُصفت من قبل مراقبين بأنها ضربة استراتيجية قوضت السردية التي كانت الجماعة تروج لها، باعتبارها حركة محصّنة وغير مخترقة أمنيا.
وتزامن ذلك مع حملات اعتقال نفذها الحوثيون، شملت موظفين في منظمات يمنية ودولية، إلى جانب عاملين في سفارات أجنبية، بحجة أنهم يعملون ضمن شبكات تجسس لصالح الولايات المتحدة والكيان.
ويشير مراقبون إلى أن هذا كله انعكس على معنويات أنصار الجماعة، خاصة مع تصاعد الإدراك بأن التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة والكيان يقلل من الحاجة إلى العنصر البشري للحصول على المعلومات، كما حدث مع قيادات حزب الله، وكذلك مع شخصيات إيرانية.
وخلال جولة سريعة على الموقع الإلكتروني لوكالة "سبأ" الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لوحظ غياب شبه تام لأنشطة عدد من القيادات العليا، بما في ذلك القائمين بأعمال وزارات، خلال الأيام الأخيرة، باستثناء ثلاثة تقريبا، حيث اقتصرت الأخبار المنشورة على شخصيات أقل أهمية، تشغل مناصب على مستوى المديريات أو المؤسسات المحلية في المحافظات.
في هذا السياق، تكمن المفارقة في أن الجماعة التي تسعى لإثبات حضورها في معادلة الصراع الإقليمي، تجد نفسها في الداخل أمام مؤسسات شبه مشلولة، ما يطرح تساؤلات جدية حول كلفة هذا الانخراط الخارجي على قدرتها في إدارة المناطق التي تسيطر عليها.
وفي المحصلة، لا يعكس هذا النمط من التخفي والاختباء مجرد إجراءات أمنية تفرضها الظروف، بقدر ما يكشف عن طبيعة الجماعة كحركة منغلقة تتوجس من ظلّها، وتعتمد على القوة كوسيلة دائمة للبقاء في السلطة. كما يجسّد هذا السلوك حالة انفصال متزايدة عن المجتمع، في ظل تراكم المظالم التي أفرزت شعورا عميقا بالغبن والغضب، يظل كامنا تحت السطح، قابلا للانفجار في اللحظة التي تتوافر فيها ظروفه.