خلف الكواليس: من يمنع انعقاد البرلمان في عدن؟
رغم مرور ثلاثة أشهر على التحولات التي شهدتها حضرموت والمهرة، والتي أفضت إلى إضعاف نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي ميدانيًا في عدن وبقية المحافظات الجنوبية، وانسحاب القوات الإماراتية من اليمن، لم تنعكس هذه المتغيرات على مسار استعادة المؤسسات الدستورية. فبرغم تشكيل حكومة جديدة مطلع فبراير الماضي، وتعيين محمود الصبيحي وسالم الخنبشي عضوين في مجلس القيادة الرئاسي، لا يزال ملف انعقاد مجلس النواب مُعلّقا دون تقدم يُذكر، سواء في عدن أو حضرموت، ما يعطل استكمال الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بمنح الحكومة الثقة وأداء اليمين الدستورية للأعضاء الجدد.
الحراك الرسمي يدور في حلقة مفرغة
في هذا السياق، لا تبدو المؤشرات الرسمية حاملة لأي تقدم فعلي في ملف انعقاد مجلس النواب، إذ اقتصر الحراك على لقاءات بروتوكولية وتصريحات عامة دون أن تفضي إلى خطوات ملموسة. فقد بحث رئيس مجلس النواب، سلطان البركاني، مع وزير الدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، عبدالله أبو حورية، يوم السابع من أبريل الجاري، الترتيبات المتعلقة بعقد جلسة للبرلمان تمكّن الحكومة من عرض برنامجها ونيل الثقة، غير أن هذا اللقاء لم يسفر عن أي اتفاقات واضحة أو إجراءات تنفيذية محددة.
وأوضح الوزير أن الحكومة استكملت إعداد برنامجها العام، إلى جانب مشروع الموازنة العامة للعام 2026، وحزمة من التشريعات والتعديلات الضرورية، تمهيدا لعرضها على مجلس النواب.
من جهته، أكد البركاني استلامه البرنامج الحكومي والموازنة، مشددا على أهمية انعقاد المجلس، إلا أن مجمل هذه التصريحات بقيت في إطار العموميات، دون الإعلان عن أي جدول زمني، أو حتى مؤشرات واضحة على قرب انعقاد المجلس، ما يعكس حالة جمود سياسي مستمرة رغم المتغيرات الأخيرة.
وفي سياق متصل، تواصلت منصة "الهدهد" مع أكثر من نائب في مجلس النواب لمعرفة ما إذا كانت هناك ترتيبات جارية لانعقاد المجلس في عدن، إلا أنهم لم يردوا، كما تواصلت مع وزير الدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، الدكتور عبدالله أبو حورية، للاستفسار عن موقف الحكومة من هذه المسألة، دون أن تتلقى أي رد.
وفي مقابل هذا الغموض، قال المهندس محسن باصرة، نائب رئيس مجلس النواب للشؤون الفنية والتنظيمية، إن التواصل بين سلطات الدولة لا يزال قائما بهدف تفعيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس النواب، لتمكينه من أداء دوره الرقابي.
وأوضح باصرة، في تصريح لمنصة "الهدهد"، أن الجهود مستمرة لمتابعة الترتيبات المتعلقة بانعقاد المجلس، دون أن يحدد موعدا زمنيا واضحا لذلك.
تردد داخل السلطة التنفيذية وغياب الحافز للانعقاد
وفي ظل هذا الغموض وغياب أي مؤشرات عملية، تكشف مصادر سياسية عن قراءة مختلفة لما يجري خلف الكواليس، إذ قال مصدر لمنصة "الهدهد" إنه لم يطرأ أي تغيير على موقف السلطة التنفيذية، ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، فيما يتعلق بتعاونهم وتسهيلهم لانعقاد مجلس النواب، بهدف منح الحكومة الثقة، وإقرار برنامجها العام، وكذلك أداء اليمين الدستورية لعضوي مجلس القيادة الرئاسي محمود الصبيحي وسالم الخنبشي.
وأضاف المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، لا يبدو متحمسا لفكرة انعقاد المجلس، رغم إدراكه للأهمية الدستورية لمثل هذه الجلسات، سواء فيما يتعلق بالحكومة أو بأعضاء مجلس القيادة الجدد. وأشار إلى أنه لا يزال متمسكا بموقفه، رغم أنه لم يعد بمقدوره الاختباء خلف مبرر الأوضاع الأمنية، بعد تراجع سيطرة المجلس الانتقالي عقب أحداث حضرموت والمهرة.
وأوضح المصدر أن العليمي، حين يُطرح عليه هذا الملف، لا يرفضه بشكل مباشر أو صريح، لكنه يميل حاليا إلى المبالغة في الاعتماد على التوافق السياسي، والمشروعية القائمة على هذا الأساس. وبناءً على هذا التصور، فإنه لا يرى ضرورة ملحّة لتفعيل دور مجلس النواب لمنح المشروعية الدستورية للحكومة وبرنامجها، وكذلك لعضوي المجلس الجديدين.
ومن جانب آخر، أشار المصدر إلى أن العليمي يرى أن انعقاد مجلس النواب، سواء في عدن أو حضرموت، لمنح الحكومة الثقة وإقرار برنامجها وأداء اليمين الدستورية للأعضاء، قد يؤدي إلى استمرار انعقاد المجلس وممارسته لدوره التشريعي والرقابي على أداء الحكومة ومجلس القيادة، مما يخلق نوعا من التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، في ظل تغوّل الأخيرة خلال السنوات الماضية نتيجة تعطيل عمل البرلمان، وهو ما لا يفضّله العليمي، الذي يدرك أن قراراته وسياساته ستخضع حينها لرقابة لجان البرلمان المختلفة.
وأضاف المصدر أن استخدام ذريعة الوضع الأمني لم يعد منطقيا بعد التطورات الأخيرة في عدن، والتي باتت تسمح بانعقاد المجلس، بل وحتى عقد جلساته في حضرموت.
وفيما يتعلق بالحكومة، أوضح المصدر أن الوضع لم يختلف عن الحكومات السابقة من حيث عدم توفير التعزيزات المالية اللازمة لمجلس النواب، مرجّحا أن يكون هذا القرار مرتبطا بشكل أكبر بموقف العليمي من مسألة انعقاد المجلس.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت السعودية لا ترغب في تفعيل عمل مجلس النواب، قال المصدر إنه لا توجد ممانعة من هذا الجانب، على الأقل بعد التطورات الأخيرة التي شهدت انفراد السعودية بالمشهد اليمني، عقب تراجع الدور الإماراتي. وأضاف أنه لا توجد مخاوف من البرلمان، كونه لن يناقش أي قضايا تتعلق بالوجود السعودي أو أي ملفات تخص السعودية.
قراءة قانونية: اختلال دستوري يهدد بنية الشرعية
وفي مقابل هذه المعطيات السياسية، يطرح هذا التعطّل المستمر تساؤلات أعمق حول مشروعيته من الناحية القانونية والدستورية، وحدود استمراره في ظل غياب استكمال الإجراءات الدستورية الأساسية.
وفي هذا الإطار، قال المحامي توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، إن وضع الحكومة التي لم تنل ثقة البرلمان، وعدم أداء بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمين الدستورية، يمثلان من الناحية القانونية والدستورية "مخالفة دستورية تضع البلاد أمام حالة يمكن توصيفها باختلال الشرعية الإجرائية داخل البناء الدستوري".
وأوضح الحميدي في تصريح لمنصة "الهدهد" أن هذا الوضع "لا يعني بالضرورة انعدام الدولة، بل انزلاقها نحو نموذج ممارسة السلطة خارج اكتمال شروطها الدستورية"، مشيرا إلى أن هذه الحالة نتجت عن طبيعة "الشرعية التوافقية" التي تشكلت عقب المبادرة الخليجية لاحتواء تداعيات ثورة فبراير.
وبيّن أن الدستور اليمني وضع قواعد واضحة لاكتساب الشرعية التنفيذية، حيث تنص المادة (82) على ضرورة تقدم الحكومة ببرنامجها إلى مجلس النواب ونيل الثقة، مؤكدا أن هذا الإجراء "ليس شكليا، بل يمثل جوهر المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان وأحد أعمدة النظام الجمهوري". وأضاف أن استمرار الحكومة دون نيل الثقة "يشكل اختلالًا ومخالفة وانفصالا بين السلطة ومصدر مشروعيتها الرقابية، لتتحول إلى ما يُعرف فقهيًا بحكومة الأمر الواقع ذات الشرعية الناقصة".
وفيما يتعلق بعدم أداء بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمين الدستورية، أشار الحميدي إلى أن ذلك "يمسّ شرطًا جوهريًا لمباشرة السلطة"، موضحا أن المادة (50) تُلزم بأداء اليمين قبل تولي المهام، وأنها "ليست إجراءً بروتوكوليًا بل شرط انعقاد قانوني للصفة"، لافتا إلى أن أي ممارسة للسلطة قبل أدائها "تثير شبهة البطلان أو القابلية للطعن".
وأكد الحميدي أن ما يحدث "يمثل تآكلًا في الشرعية الإجرائية، حتى وإن استمرت الشرعية السياسية أو الواقعية بفعل موازين القوة".
وفي رده على سؤال حول مشروعية الإجراءات في ظل الظروف الاستثنائية، أوضح أن الفقه الدستوري يقر بأن "الظروف الاستثنائية لا تلغي الدستور، بل تقيد تطبيقه في أضيق الحدود"، محذرا من استخدامها كمبرر لاستبداد السلطة التنفيذية. وأشار إلى أن نظرية الضرورة تخضع لشروط صارمة، منها وجود خطر حقيقي، وتعذر تطبيق القواعد العادية، وأن تكون الإجراءات مؤقتة ومتناسبة، وألا تمس جوهر النظام الدستوري أو مبدأ الفصل بين السلطات.
وأضاف أنه رغم أن الحرب والانقسام في اليمن يشكلان ظرفا استثنائيا، إلا أن المشكلة تكمن في "مدى انضباط السلطة بقيود الضرورة"، معتبرا أن استمرار تجاهل إجراءات جوهرية كالثقة البرلمانية واليمين الدستورية "دون إطار قانوني واضح أو سقف زمني محدد، يحول الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يعد تعطيلا فعليا للدستور".
وحول تعطيل مجلس النواب، قال الحميدي إن غيابه لا يمكن تفسيره بسبب واحد، بل نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية وبنيوية، أبرزها الانقسام الجغرافي، وتعدد مراكز القرار، وضعف الإرادة السياسية لتفعيل الرقابة البرلمانية.
وأشار إلى أن هذا الوضع يحمل دلالات خطيرة، منها "تعطيل مبدأ الفصل بين السلطات، وانهيار آليات الرقابة والمساءلة السياسية، وانتقال النظام من شرعية دستورية إلى سلطة تنفيذية مغلقة تستمر دون تجديد مشروعيتها عبر المؤسسات".
واختتم الحميدي تصريحه بالقول إن ما تعيشه مؤسسات الدولة في اليمن "لا يمكن وصفه بانهيار دستوري كامل، لكنه أقرب إلى تعليق غير معلن للدستور"، حيث تستمر السلطة في العمل خارج مساراتها الإجرائية، محذرًا من أن استمرار ذلك "يحوّل الانحراف المؤقت إلى بنية حكم بديلة تفتقر إلى السند الدستوري".
في المحصلة، لم يعد تعطّل انعقاد مجلس النواب مجرد تأخير إجرائي، بل بات انعكاسا لأزمة تتعلق بطبيعة إدارة السلطة وبين خطاب رسمي يفتقر إلى خطوات عملية وكواليس تكشف حسابات سياسية معقدة.