خبراء لـ"الهدهد": نهاية بعثة الحديدة تسحب آخر غطاء دولي عن اتفاق ستوكهولم وتعيد الجبهة الأخطر إلى الواجهة

2026-03-31 23:12 الهدهد/خاص:
خبراء لـ"الهدهد": نهاية بعثة الحديدة تسحب آخر غطاء دولي عن اتفاق ستوكهولم وتعيد الجبهة الأخطر إلى الواجهة

مع انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA) في 31 مارس/آذار 2026، يعود واحد من أكثر الأسئلة أهمية في الملف اليمني إلى الواجهة: هل يعني ذلك نهاية اتفاق الحديدة فعليا، أم أن ما انتهى هو فقط الآلية الأممية التي كانت تشرف عليه؟

لا يمثل هذا السؤال مسألة إجرائية كما قد تبدو، بل يمزج بين الجانب السياسي والعسكري معا، لأن الأمر لا يتعلق فقط بإغلاق بعثة أممية، بل بانتهاء واحد من آخر الأطر الدولية التي أبقت اتفاق الحديدة قائمًا، ولو بصورة محدودة ومتعطلة، منذ توقيع اتفاق ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول 2018.

من الناحية الشكلية، لا يعني انتهاء البعثة سقوط الاتفاق تلقائيًا، لأن بعثة الحديدة ليست هي الاتفاق نفسه، بل آلية أُنشئت بقرار منفصل من مجلس الأمن لمساندة تنفيذ الشق الخاص بالحديدة داخل اتفاق ستوكهولم. لكن من الناحية الواقعية، يصعب التعامل مع هذه النهاية بوصفها مجرد تفصيل تقني أو إداري، لأن البعثة كانت تمثل طوال السنوات الماضية الذراع الأممية الوحيدة التي تمنح هذا الاتفاق حضورًا ميدانيًا مباشرًا، حتى وإن كان هذا الحضور قد فقد فاعليته تدريجيًا بمرور الوقت.

وكان مجلس الأمن قد أقر إنشاء البعثة بموجب القرار 2452 لعام 2019، بعد أن أيد أصلًا اتفاق ستوكهولم بالقرار 2451 لعام 2018، لتكون مهمتها الأساسية دعم تنفيذ اتفاق الحديدة، ومراقبة وقف إطلاق النار، والإشراف على ترتيبات إعادة الانتشار في المدينة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، والعمل مع الطرفين لضمان أن تتولى قوات أمن محلية إدارة هذه المناطق وفق ما نص عليه الاتفاق. ولهذا، فإن أهمية البعثة لم تكن في بعدها العسكري، لأنها لم تكن قوة حفظ سلام قتالية، بل في كونها الآلية التي منحت اتفاق الحديدة جسدًا تنفيذيًا ومراقبة أممية مباشرة، حتى وإن بقي التنفيذ ناقصًا أو متعثرًا.

لكن المسار الذي انتهت إليه البعثة لم يكن مفاجئًا تمامًا، فقد كان واضحًا منذ الأشهر الأخيرة أن مجلس الأمن يتجه نحو إنهاء مهمتها تدريجيًا، خصوصًا بعد أن جاء آخر تمديد بموجب القرار 2813 الصادر في 27 يناير/كانون الثاني 2026 لفترة نهائية قصيرة مدتها شهران فقط حتى 31 مارس/آذار 2026، وذلك بعد تمديد سابق أيضًا كان أقصر من المعتاد بموجب القرار 2786 لعام 2025. 

 

انتهاء البعثة لا يعني فقط إغلاق مكتب أممي

 

وعلى هذا الأساس، ما ينتهي اليوم ليس فقط مكتبًا أمميًا أو آلية مراقبة ميدانية، بل صيغة كاملة كانت تفصل الحديدة عن بقية مسرح الحرب اليمنية، وتعاملها باعتبارها ملفًا خاصًا يُدار عبر ترتيبات مستقلة نسبيًا عن بقية الجبهات. وهذا ما يجعل انتهاء البعثة تطورًا يتجاوز الحديدة نفسها، ويمس اتفاق ستوكهولم بوصفه أحد آخر المظلات الدولية التي أبقت على نوع من "التجميد المنظم" في هذا الجزء من الجغرافيا اليمنية.

في القراءة القانونية لهذا التطور، يلفت المحامي توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، إلى ضرورة التمييز بين الاتفاق نفسه وبين آلية الإشراف عليه. وفي تصريح لمنصة "الهدهد"، قال إن البعثة الأممية في الحديدة تُعد جزءًا من اتفاق ستوكهولم بوصفها آلية رقابة ومساعدة، مشددًا على أن انتهاء عمل هذه الآلية لا يعني، من الناحية القانونية، انتهاء الاتفاقية نفسها أو سقوط الالتزامات المترتبة عليها.

 وأوضح أن الالتزامات الواردة في الاتفاق لا تسقط بمجرد زوال آلية الإشراف، ما لم يكن هناك اتفاق صريح بين الأطراف على إنهاء الاتفاقية، أو ثبوت انهيارها كليًا، وهو ما يرى أنه غير متوفر في حالة الحديدة حتى الآن.

وبناءً على ذلك، يذهب الحميدي إلى أن ما يزال قائمًا اليوم هو المرجعية القانونية والسياسية للاتفاق، لا فعاليته التنفيذية. ويقول في هذا السياق إن الالتزامات ما تزال قائمة من الناحية النظرية، غير أنها تعاني من ضعف كبير على مستوى التنفيذ، بل إن غياب آلية الرقابة قد يفتح المجال أمام نوع من التلاعب السياسي أو الميداني من قبل الأطراف، عبر محاولة كل طرف تحميل الطرف الآخر مسؤولية التعثر أو الانتهاك. ويشير أيضًا إلى أن القيمة القانونية للاتفاق ما تزال قائمة، لكنها أصبحت معطلة أو فاقدة للفاعلية العملية، لافتًا إلى أنها تظل، في نظر الأمم المتحدة، مرجعًا قانونيًا وسياسيًا قائمًا يمكن الاستناد إليه في أي تقييم أو مسار تفاوضي لاحق.

هذه القراءة القانونية مهمة لأنها تمنع القفز السريع إلى استنتاج أن "اتفاق السويد انتهى" بمجرد انتهاء البعثة، لكنها في الوقت نفسه لا تنفي أن الاتفاق فقد عنصرًا حاسمًا من عناصر بقائه، وهو وجود آلية رقابة أممية متخصصة تمنحه شيئًا من الحياة الميدانية. 

 

قانونيًا لم يسقط… لكن سياسيًا يترنح

 

من الناحية السياسية، يرى يعقوب السفياني، المدير الإقليمي لمركز South24 للدراسات، أن إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الحديدة لا يعني فقط إغلاق آلية أممية فنية، بل يحمل أيضًا دلالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي بات يعترف، ولو ضمنيًا، بأن الصيغة التنفيذية لاتفاق الحديدة ضمن اتفاق ستوكهولم لم تعد قابلة للتطبيق أو الاستمرار بالشكل الذي استمرت به منذ عام 2018. 

وفي تصريحات لمنصة "الهدهد"، أوضح السفياني أن نقل ما تبقى من مهام البعثة إلى مكتب المبعوث الأممي يُعد، في نظره، إقرارًا عمليًا بأن البعثة لم تعد قادرة على أداء دورها الأصلي على الأرض، مضيفًا أن هذا التطور يعني أيضًا تراجع الاستثناء الذي كان يضع محافظة الحديدة في مسار منفصل عن بقية المحافظات اليمنية وعن ملف الحرب والسلام بشكل عام.

ويستند هذا التقدير، كما يوضح السفياني، إلى أن الحديدة كانت طوال السنوات الماضية تُدار ضمن صيغة تهدئة خاصة وتحت مراقبة أممية مباشرة، لكن اتفاق الحديدة نفسه لم يُنفذ كما كان ينبغي، بل ظل إطارًا معطلًا أكثر منه اتفاقًا فعّالًا. 

ويضيف أن الحوثيين لم يلتزموا — بحسب قوله — بأي من التعهدات الأساسية التي كانت تقع على عاتقهم، وفي مقدمتها استخدام موارد ميناء الحديدة لتسديد رواتب الموظفين وصرفها لصالح المواطنين. 

ويرى أن هذه الموارد استُخدمت، بدلًا من ذلك، ضمن اقتصاد الحرب وتمويل المجهود العسكري، كما يشير إلى ما يعتبره فشلًا من البعثة في مراقبة واردات الميناء بشكل فعّال، بما في ذلك ما وصفه بوصول أسلحة ومعدات من إيران إلى الحوثيين عبر الميناء.

ومن هنا، يذهب السفياني إلى خلاصة أكثر صراحة، مفادها أن بدء تصفية مهام البعثة اعتبارًا من الأول من أبريل يمثل، إلى حد بعيد، إشارة قانونية وسياسية إلى موت اتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة أو انتهاء فاعليته العملية، مضيفًا أن القيود التي كانت مفروضة على الأطراف، سواء الحكومة المعترف بها دوليًا أو الحوثيين، لم تعد قائمة بالشكل السابق. 

وفي تقديره، فإن معادلة الحديدة أصبحت اليوم جزءًا من المعادلة الشاملة للحرب في اليمن، ما يعني أن أي تصعيد أو جولة قتال قادمة لن تظل محصورة في مأرب أو الضالع أو جبهات وسط اليمن، بل قد تعود بقوة إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية وخطورة على المستوى الأمني والإقليمي، وهي جبهات الساحل الغربي والحديدة.

هذا التباين بين القراءة القانونية التي تقول إن الاتفاق ما يزال قائمًا نظريًا، والقراءة السياسية التي تعتبره منتهيًا عمليًا، يعكس في الحقيقة جوهر الوضع الحالي في الحديدة.

 

الحديدة بعد البعثة… هل تعود الجبهة الأخطر؟

 

ومن هنا يُطرح السؤال المهم: هل يفتح غياب البعثة الباب تلقائيًا أمام عمل عسكري في الحديدة؟

الإجابة القانونية ليست بهذه البساطة، على الأقل برأي الحميدي الذي يوضح بوضوح أن غياب البعثة الأممية لا يمنح أي طرف، بحد ذاته، شرعية تلقائية لشن الحرب، لكنه في المقابل يُضعف أدوات الرقابة والمساءلة الدولية. 

ويضيف أن أي عمل عسكري محتمل قد يكون مشروعًا فقط وفق شروط محددة جدًا، من بينها وجود خطر وشيك أو هجوم حقيقي، على أن يكون ذلك مقيدًا بالكامل بأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، خصوصًا ما يتعلق بمبادئ التمييز والتناسب.

لكن على المستوى السياسي والعسكري، فإن تآكل الغطاء الأممي عن الحديدة يغيّر بالتأكيد البيئة التي كانت تضبط هذا الملف، ذلك أن المحافظة لم تعد ضمن زاوية "تنفيذ اتفاق ستوكهولم"، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تشمل البحر الأحمر، والملاحة الدولية، والهجمات الحوثية، والأمن الإقليمي.