"جمعة الكرامة".. المجزرة التي أطلقت رصاصة الرحمة على نظام صالح
لم تكن مجزرة جمعة الكرامة يوم 18 مارس 2011 في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء مجرد محطة عابرة في مسار الثورة، بل كانت بمثابة زلزال سياسي ضرب نظام صالح في مقتل، وأسقط عنه آخر أوراق الشرعية السياسية، في مقابل انتقال الثورة من مرحلة الاحتجاج الشبابي إلى مرحلة الاصطفاف الوطني الواسع بمشاركة مختلف فئات المجتمع.
مثّلت المجزرة، التي سقط فيها عشرات القتلى والجرحى برصاص القناصة المتمركزين على أسطح المباني المطلة على الساحة، نقطة تحوّل مفصلية رفع فيها المحتجون سقف مطالبهم من الإصلاحات الجزئية إلى المطالبة بإسقاط النظام، وهو ما منح الثورة زخماً كبيراً، خاصة مع انضمام قوى سياسية وقبلية وعسكرية إلى صفوفها.
موجة الغضب الشعبي وتلاشي المنطقة الرمادية
بعد هذه المجزرة، خسر النظام جزءاً كبيراً من التعاطف الشعبي، نتيجة الصدمة الوجدانية العنيفة التي هزت المجتمع اليمني بأسره؛ فقد كان لمشهد القنص المباشر للشباب العزل أثر عميق بدّد حاجز الخوف ودفع قطاعات واسعة للانضمام إلى المحتجين.
وعلى عكس ما أُريد من وراء المجزرة، تحوّلت دماء الضحايا إلى وقود أشعل الغضب الشعبي أكثر من ذي قبل، وانتقلت حالة التعاطف الصامت لدى ما يُعرف بـ"الأغلبية الصامتة" إلى انخراط فعلي في الثورة وتدفقت مئات الآلاف من الجماهير في اليوم التالي إلى الساحات في صنعاء وتعز وعدن وإب وغيرها، ما جعل السيطرة الأمنية على الشارع أمراً شبه مستحيل.
قبل جمعة الكرامة، كان جزء من المحتجين، خصوصاً الأحزاب السياسية، يقبل فكرة التفاوض على إصلاحات دستورية أو خروج تدريجي للنظام، لكن بعد المجزرة، تبدل الخطاب جذرياً، وأصبحت المطالبة بـ"إسقاط النظام ومحاكمته" مطلباً حتمياً لا رجعة فيه وسقطت معه شرعية التفاوض أو القبول بأنصاف الحلول.
انشقاق النخبة العسكرية والقبلية وكسر احتكار القوة
لم تقتصر تداعيات المجزرة على الشارع، بل امتدت إلى بنية النظام نفسه، وهو التحول الأهم، حيث حدث تصدع عمودي وأفقي داخل النواة الصلبة للدولة، ما قلب موازين القوى بشكل واضح.
فقد دخل الجيش على خط الثورة مع إعلان اللواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية والفرقة الأولى مدرع، تأييده للثورة السلمية وانضمامه لحمايتها. وكان هذا الإعلان بمثابة ضربة قاصمة للنظام، إذ لم يكن الأحمر مجرد قائد عسكري، بل أحد أعمدة السلطة لعقود.
هذا الانشقاق قسّم المؤسسة العسكرية، وأنهى احتكار النظام لأداة العنف، ووفّر للثوار "غطاءً عسكرياً" حال دون تكرار مجازر مماثلة.
إلى جانب ذلك، فقد النظام جزءاً مهماً من غطائه القبلي، مع انضمام الشيخ صادق الأحمر، زعيم قبيلة حاشد، إلى الثورة. وقد اعتُبر هذا الموقف بمثابة سحب للشرعية القبلية من الرئيس، ومنح الثورة زخماً إضافياً، كما قيّد قدرة النظام على حشد القبائل لقمع الاحتجاجات.
من اعتصام شبابي إلى كتلة سياسية تاريخية
بفعل هذا التحول، تغيّرت الخريطة السياسية والديموغرافية للثورة، فقد اضطرت أحزاب "اللقاء المشترك" إلى قطع أي مسار تفاوضي مع الحزب الحاكم، وتبنّت مطالب الشارع بشكل كامل، مما منح الثورة إطاراً تنظيمياً وسياسياً أكثر تماسكاً.
هذا التحول أتاح للثورة القدرة على إدارة الصراع سياسياً والتفاعل مع المجتمع الدولي بقدر أكبر من الاحترافية.
بالتوازي، تحوّلت الساحات من مجرد مواقع احتجاج إلى ما يشبه "مجتمعات سياسية مصغرة"، حيث ظهرت اللجان التنظيمية، وتبلورت الائتلافات، وتوحد الخطاب الإعلامي، ما جعل الثورة لاعباً سياسياً حقيقياً، وليس مجرد حركة احتجاج يمكن احتواؤها.
التحليل الاستراتيجي لتغير ميزان القوى
من منظور استراتيجي، أحدثت جمعة الكرامة اختلالاً جوهرياً في ركائز النظام، فقد أدت المجزرة إلى سلسلة استقالات غير مسبوقة داخل مؤسسات الدولة، شملت وزراء، وسفراء في عواصم مؤثرة مثل واشنطن ولندن، ومندوب اليمن لدى الأمم المتحدة، إضافة إلى نواب في البرلمان وقيادات حزبية وإعلامية.
هذا النزيف المؤسسي جرّد النظام من غطائه السياسي، وأضعف صورته كدولة، وأظهره كسلطة معزولة.
أما على المستوى الدولي والإقليمي، فقد تغيّر الموقف بشكل ملحوظ؛ فقبل 18 مارس، كان يُنظر إلى نظام صالح كشريك ضروري في "مكافحة الإرهاب"، لكن المجزرة، إلى جانب الانقسام داخل الجيش، أثارت مخاوف جدية من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، ما دفع العواصم الغربية والخليجية إلى إعادة تقييم موقفها.
وقد أفضى هذا التحول إلى طرح "المبادرة الخليجية" كآلية لنقل السلطة، رغم الجدل الذي أثير حولها بين من اعتبرها محاولة لاحتواء الثورة، ومن رآها مخرجاً واقعياً للأزمة.
نقطة اللاعودة
في المحصلة، لم تكن مجزرة جمعة الكرامة مجرد حادثة قمعية، بل شكلت لحظة "انتحار سياسي" لنظام فقد القدرة على قراءة الواقع.
لقد أعادت هذه المجزرة تشكيل ميزان القوى بالكامل، فسحبت من النظام أدواته التقليدية—الجيش الموحد، والغطاء القبلي، والدعم الدولي، والتماسك الحزبي—ومنحتها، بدرجات متفاوتة، لقوى الثورة.