تحرير عدن.. حين توحد اليمنيون فانتصروا: الدرس الذي قد يحسم معركة استعادة الدولة

2026-03-13 18:00 الهدهد/خاص:
تحرير عدن.. حين توحد اليمنيون فانتصروا: الدرس الذي قد يحسم معركة استعادة الدولة

بعد أكثر من عقد على تحرير محافظة عدن، لا تزال تلك المعركة تُستحضر بوصفها واحدة من أهم اللحظات المفصلية في مسار الحرب اليمنية. فقد مثلت معركة يوليو 2015 أول تحول استراتيجي كبير في الصراع، ليس فقط لأنها أنهت سيطرة قوات الحوثيين وحلفائهم على المدينة، بل لأنها كشفت أيضاً عن قدرة القوى المحلية المتباينة على تجاوز خلافاتها السياسية والمناطقية عندما تواجه تهديداً وجودياً مشتركاً.

وإذا كان تحرير عدن قد تحقق بفضل تداخل عوامل عسكرية وسياسية متعددة، فإن الدرس الأبرز الذي أفرزته تلك المعركة يتمثل في أن توحد القوى المحلية حول هدف واضح كان العامل الأكثر تأثيراً في تغيير موازين المعركة، وهو درس ما يزال يحضر بقوة في النقاشات المتعلقة بإمكانية استعادة الدولة وإنهاء الحرب.

من سقوط صنعاء إلى معركة عدن

بدأت ملامح معركة عدن تتشكل بعد سيطرة جماعة الحوثي والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح على محافظتي لحج وأبين مطلع عام 2015.

في تلك الفترة أعلن الرئيس عبدربه منصور هادي عدن عاصمة مؤقتة للبلاد بعد مغادرته صنعاء، وهو إعلان منح المدينة أهمية سياسية واستراتيجية كبيرة، وجعلها مركزاً للسلطة الشرعية في مواجهة الحوثيين.

لم يمر وقت طويل حتى بدأت قوات تحالف صالح والحوثي التقدم جنوباً عبر محافظتي لحج وأبين باتجاه عدن، ومع محدودية القوات الحكومية المتواجدة في المدينة آنذاك، بدأت مجموعات من المدنيين والعسكريين المحليين في تشكيل نواة مقاومة شعبية لمواجهة هذا التقدم.

خلال الأسابيع الأولى من القتال تشكلت مجموعات صغيرة من أبناء المدينة تولت الدفاع عن الأحياء والمناطق المختلفة، ومع مرور الوقت تطورت هذه المجموعات إلى تشكيلات أكثر تنظيماً عُرفت باسم "المقاومة الشعبية"، وبدأت تتشكل لها بنية قيادية ولوجستية قادرة على إدارة المواجهة داخل المدينة.

وحدة القوى المحلية قلبت ميزان القوة

كانت القوات المهاجمة تعتمد على تفوق عسكري واضح، إذ امتلكت جزءاً كبيراً من ترسانة الجيش اليمني التي استولت عليها بعد سيطرتها على صنعاء، إضافة إلى وحدات عسكرية وأمنية موالية للرئيس السابق.

كما أن التقديرات الأولية لتلك القوات كانت تفترض أن الطابع المدني لمدينة عدن سيجعل مقاومتها محدودة وقصيرة الأمد، غير أن مجريات الأحداث أثبتت عكس ذلك.

فخلال الأشهر الأولى من المعركة تمكنت المقاومة المحلية من منع القوات المهاجمة من إحكام سيطرتها الكاملة على المدينة، رغم اختلال موازين القوة. وقد لعبت معرفة المقاتلين المحليين بطبيعة المدينة الجغرافية دوراً مهماً في هذا الصمود، لكن العامل الأكثر تأثيراً كان قدرة المجموعات المختلفة على العمل ضمن هدف مشترك.

شاركت في القتال أطراف متعددة من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، شملت عناصر من الأحزاب السياسية التقليدية، وفصائل من الحراك الجنوبي، ومقاتلين مستقلين، إضافة إلى عسكريين سابقين. ورغم اختلاف مشاريعهم السياسية، فقد نجحوا في تلك اللحظة في وضع هذه الخلافات جانباً والتركيز على هدف واحد هو منع سقوط المدينة.

هذا التلاقي المؤقت بين أطراف متباينة خلق حالة نادرة من الاصطفاف المحلي في مواجهة القوات الحوثية، وهو ما ساعد على إطالة أمد المعركة وإرباك خطط القوات المهاجمة.

دور التحالف العربي في تغيير مسار المعركة

في أواخر مارس 2015 تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية دعماً للحكومة اليمنية، وهو تدخل كان له تأثير كبير في مسار الحرب.

وفر التحالف غطاء جوياً مكثفاً استهدف مواقع القوات الحوثية، كما قدم دعماً لوجستياً وعسكرياً للمقاومة المحلية، ومع مرور الوقت بدأت موازين القوة على الأرض تميل تدريجياً لصالح القوات المناهضة للحوثيين.

وفي منتصف يوليو 2015 انطلقت عملية عسكرية واسعة بدعم من التحالف عُرفت باسم "السهم الذهبي"، تمكنت خلالها القوات المشتركة من استعادة مواقع استراتيجية داخل المدينة، بما في ذلك المطار والميناء وعدد من المعسكرات العسكرية.

انتهت تلك العمليات بإعلان تحرير عدن في 17 يوليو 2015، وهو إعلان شكل نقطة تحول مهمة في مسار الحرب، إذ أصبحت المدينة منذ ذلك الوقت مركزاً سياسياً وإدارياً للحكومة اليمنية.

الدرس السياسي لمعركة عدن

رغم أن تحرير عدن كان انتصاراً عسكرياً واضحاً، فإن أهميته السياسية ربما كانت أكبر من أهميته العسكرية؛ فقد أثبتت تلك المعركة أن القوى المحلية المتباينة قادرة على العمل معاً عندما تتوفر قيادة واضحة وهدف مشترك.

لكن التجربة أظهرت أيضاً أن الاصطفاف العسكري المؤقت لا يتحول بالضرورة إلى مشروع سياسي مستدام، فبعد انتهاء المعركة عادت الخلافات السياسية بين القوى المختلفة إلى الظهور تدريجياً، وهو ما انعكس لاحقاً في تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في الجنوب.

ومع ذلك، فإن تجربة عدن تظل مثالاً واضحاً على أن تحقيق اختراق عسكري في الحرب لا يعتمد فقط على القدرات العسكرية أو الدعم الخارجي، بل يرتبط أيضاً بمدى قدرة القوى المحلية على توحيد رؤيتها وأهدافها.

ومن هذا المنظور، فإن الدرس الأبرز لمعركة عدن يتمثل في أن استعادة الدولة لن تكون ممكنة دون قدر كبير من التوافق السياسي وتوحيد القرار العسكري، فقد أظهرت التجربة أن تكامل الجهد المحلي مع الدعم الخارجي يمكن أن يحقق نتائج سريعة عندما يكون الهدف واضحاً ومشتركاً.

أما في حال استمرار الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين، فإن ذلك قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف الموارد والقدرات دون تحقيق تقدم حاسم.