هل يدخل الحوثيون الحرب إلى جانب إيران؟ خبراء يشرحون حسابات التأخير
مع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتجه الأنظار إلى ميليشيا الحوثي في اليمن بوصفها أحد أبرز وكلاء طهران في المنطقة، والتي يمكن أن تشارك عسكرياً إلى جانب إيران، خصوصاً بحكم موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وبينما تلوّح الجماعة بالجاهزية العسكرية، فإن قرار الانخراط المباشر في الحرب يبدو محكوماً بحسابات سياسية وميدانية معقدة.
وتبرز هذه التساؤلات في ظل دخول الحرب أسبوعها الأول، والتي توصف بأنها تشكل تهديداً وجودياً للنظام الإيراني، ما استدعى دخول حلفاء طهران الإقليميين الآخرين، مثل حزب الله اللبناني – وإن بشكل محدود – إلى جانب الميليشيات الشيعية في العراق.
وعلى الرغم من أن الحوثيين لم يعلنوا موقفاً واضحاً بعد بشأن موعد مشاركتهم، فإن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أشار إلى أن الجماعة تتابع التطورات عن كثب وتبقي خياراتها مفتوحة، قائلاً في محاضرة رمضانية مساء الخميس 5 مارس الجاري:"نحن نتحرك في مختلف الأنشطة وأيدينا على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك، ونحن نعتبر المعركة معركة الأمة كلها".
جاهزية عسكرية مع إبقاء قرار التدخل رهن تطورات الميدان
لكن المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الذي تشكّل خلال العام الماضي. ففي السادس من مايو الماضي، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثي، بوساطة عُمانية، حيّز التنفيذ، منهياً موجة من الضربات الأمريكية في اليمن خلال شهري مارس ومايو من العام ذاته، وكذلك الغارات الأمريكية-البريطانية الأوسع التي ارتبطت بأزمة البحر الأحمر. وفي مرحلة لاحقة، ومع التوصل إلى هدنة في قطاع غزة، توقفت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، في خطوة عُدّت آنذاك جزءاً من تهدئة إقليمية أوسع خففت من حدة التصعيد في الممرات البحرية.
وفي هذا الإطار يقول عضو المجلس السياسي الأعلى للجماعة حزام الأسد إن مسألة التدخل العسكري المباشر "تخضع لتقديرات القيادة العليا التي تتابع تطورات الميدان وتتعامل معها وفق ما تقتضيه المسؤولية". ويضيف أن طبيعة الخيارات العسكرية تبقى مرتبطة بتطورات الميدان واتساع رقعة المواجهات، مؤكداً أنه "لكل حادث حديث"، بحسب تصريحاته لموقع الجزيرة نت.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان الاتفاق مع الولايات المتحدة يمنع مشاركتهم في المواجهة، قال الأسد إن هذا التفاهم لا يشكل قيداً على موقف الجماعة. كما أشار، بشأن احتمال عودة استهداف السفن في البحر الأحمر وباب المندب، إلى أن الجماعة تمتلك "القدرة والإرادة للتعامل مع أي تهديدات في البحر الأحمر وباب المندب".
حسابات سياسية وإقليمية معقدة قد تؤخر دخول الحوثيين في المواجهة
ومع ذلك، يرى عدد من الباحثين أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب لا يرتبط فقط بالتصريحات السياسية، بل بجملة من الحسابات الميدانية والإقليمية.
وفي هذا السياق يقول الأكاديمي والخبير في سياسة الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري إن الجماعة تبدو حذرة في الانخراط المباشر في الحرب، موضحاً أن "الحوثي متردد في الانضمام إلى الحرب".
ويعزو الزويري هذا التردد إلى جملة من التغيرات السياسية التي شهدها اليمن خلال الفترة الأخيرة، قائلاً إن "سبب هذا التردد يعود إلى التغيرات السياسية التي حدثت؛ فهناك تغير في الحكومة اليمنية، ويمكن القول أيضاً إن هناك تراجعاً في المساحة الجغرافية التي يسيطر عليها". ويضيف في تصريحات لمنصة "الهدهد" أن "التغيرات الإقليمية عملياً لا تساعد الحوثي كثيراً، إضافة إلى فشله في الحصول على اعتراف دولي".
وبحسب الزويري، فإن هذه المعطيات تجعل دخول الحوثيين في الحرب أمراً قد يتأخر زمنياً، إذ يرى أن "عملية دخوله في الحرب قد تكون متأخرة"، وربما تحدث "في مرحلة معينة وفقاً لمسار المعركة التي قد تدور بين حزب الله والإسرائيليين"، بحيث يبدو وكأن الحوثيين "يريدون الدخول طرفاً ثالثاً وليس في الوقت نفسه مع الأطراف الأخرى".
ويشير الزويري إلى أن مقارنة الظروف الحالية بالعام الماضي تكشف حجم التغير في المشهد السياسي والعسكري، موضحاً أن "الظروف السياسية تغيرت بين حرب حزيران، أي الحرب التي جرت العام الماضي تحديداً في حزيران 2025، وبين هذه الحرب". ويضيف أن الحوثيين "ليسوا في الوضع الذي كانوا عليه سابقاً، سواء سياسياً أو أمنياً"، معتبراً أن وضعهم داخل اليمن "فيه مؤشرات على أنه ليس جيداً رغم كل الجهود التي بذلوها في السنوات السابقة"، وهو ما يجعله يخلص إلى أن تدخلهم "قد لا يكون سريعاً أو في أقرب وقت ممكن".
كما يتوقف الزويري عند البعد الجغرافي للمواجهة، خاصة ما يتعلق بمضيق باب المندب، موضحاً أن هذا السيناريو "وارد"، لكنه يلفت إلى أن الحوثيين كانوا في السابق يمتلكون مساحة جغرافية أوسع تساعدهم على الحركة والمناورة. أما الآن، ومع وجود الحكومة اليمنية والدعم السعودي لها، فقد "يكون هناك تدخل قوي"، بحيث إن أي تحرك للحوثيين في البحر الأحمر، خاصة في باب المندب، "قد يُستغل كفرصة لشن عملية عسكرية ضدهم".
وعلى المستوى الأيديولوجي، يرى الزويري أن علاقة الحوثيين بإيران لا تصل إلى مستوى العلاقة التي تربط طهران بحزب الله، موضحاً أنه "مهما كان ارتباط الحوثي بإيران فهو ليس في موقع حزب الله بشكل كبير جداً". ويضيف أن الحوثيين قد يفكرون في "ما الذي قد يحدث للنظام الإيراني وهل سيؤثر ذلك عليهم في المستقبل"، ولذلك قد يحاولون الوقوف "في منزلة بين المنزلتين"، بحيث لا يرتبط وجودهم بالكامل بإيران ولا تنعكس أي تطورات قد تحدث للنظام الإيراني على بقائهم.
باب المندب والبحر الأحمر.. الورقة الاستراتيجية التي قد تدفع الحوثيين إلى الحرب
وفي قراءة أخرى لطبيعة الدور الذي قد تلعبه الجماعة، يرى رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية الدكتور فارس البيل أن الحوثيين يمثلون ورقة مهمة في الحسابات الإقليمية لطهران. ويقول إن "الحوثيين هم رقم مهم لدى النظام الإيراني، وبالتأكيد فإن الدور الذي سيلعبونه لن يخرج عن إطار مساندة النظام الإيراني في مراحله الأخيرة".
ويشير البيل في تصريحات لمنصة "الهدهد" إلى أن الجماعة تمتلك عوامل قوة تجعلها مختلفة نسبياً عن بقية حلفاء إيران في المنطقة، موضحاً أن "ميليشيا الحوثي تمتلك أهمية ربما أوسع من الأضلاع الأخرى، باعتبار وجودهم بالقرب من باب المندب، وباعتبار المساحة الجغرافية التي يمكن أن يتحركوا فيها، إضافة إلى القدرات العسكرية التي ما تزال لديهم، والتي يُعتقد أنها تتفوق في بعض الجوانب على حزب الله وعلى الحشد الشعبي في العراق".
ويرى البيل أن تأخر الحوثيين في الانخراط في الحرب حتى الآن قد لا يعني غياب الدور، بل قد يكون جزءاً من حسابات إيرانية تتعلق بتوقيت استخدام هذه الورقة. ويقول في هذا السياق إن "تأخر ميليشيا الحوثي حتى اللحظة هو نوع من استثمار هذه الورقة لمرحلة لاحقة".
ومع ذلك، يلفت البيل إلى أن الضربات التي تعرض لها النظام الإيراني في بداية الحرب ربما أحدثت حالة من الارتباك في إدارة المواجهة، موضحاً أن "حالة من الارتباك أصابت النظام الإيراني وفقد القدرة على توجيه هذه الأذرع بالشكل الذي يريد". ويضيف أن هذه الحالة ظهرت بعد "الصدمة الأخيرة واستهداف المرشد في أول يوم، مما أظهر ضعف حالة التنسيق بين هذه الأذرع وبين النظام الإيراني".
ويتابع البيل أن هذا الارتباك انعكس أيضاً على طبيعة ردود الفعل الإقليمية، مشيراً إلى أن "ضربات النظام الإيراني باتت مرتبكة سواء على دول الخليج أو غيرها"، كما أن "دخول حزب الله جاء بشكل خافت، وكذلك ميليشيا الحشد الشعبي في العراق شهدت تراجعاً". أما الحوثيون، بحسب قوله، "فهم حتى الآن يراقبون، وهذا يشير إلى أن النظام في طهران أصيب بصدمة وأن الضرر الذي لحق بعملياته كبير".
ورغم ذلك، يعتقد البيل أن الحوثيين قد يجدون أنفسهم في نهاية المطاف جزءاً من المواجهة، موضحاً أنه "في كل الأحوال أتصور أن ميليشيا الحوثي ستُضطر وتُدفع دفعاً من قبل النظام الإيراني، لأنه استثمر فيها كثيراً، وبالتالي ستُدفع حالياً أو قريباً لممارسة دور عسكري".
ويربط البيل هذا الاحتمال بالتطورات في الممرات البحرية الاستراتيجية، خصوصاً بعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، معتبراً أن "المرحلة الحالية تستوجب من إيران أن تدفع بالحوثيين للتدخل". ويضيف أن طهران كانت تسعى في الأصل إلى أن تتمكن الجماعة من التحكم بمضيق باب المندب "وأن تصبح صاحبة الكلمة الفصل فيه"، لكنها لم تستطع تحقيق ذلك حتى الآن.
وبحسب البيل، فإن هذا الواقع قد يدفع إيران إلى محاولة توسيع نطاق المواجهة البحرية، موضحاً أنها قد تلجأ إلى "عسكرة البحر الأحمر في إطار تكاملي مع خطوة إغلاق مضيق هرمز".
ويخلص البيل إلى أن دخول الحوثيين الحرب قد لا يكون بعيداً، إذ يرى أنه "خلال الأيام القليلة القادمة قد تدخل ميليشيا الحوثي على خط المواجهة". لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن "النظام الإيراني تعرض لضربات كبيرة أفقدته القدرة على إدارة المعركة بالشكل الذي يريد"، ما يعني أن تأخر الحوثيين حتى الآن قد يكون نتيجة "حالة الارتباك التي أصابت طهران، وليس بالضرورة تأخراً تكتيكياً مخططاً له".
خاتمة
في المحصلة، يبدو أن قرار دخول الحوثيين الحرب إلى جانب إيران لا تحكمه التصريحات السياسية وحدها، بل شبكة معقدة من الحسابات الميدانية والإقليمية، تمتد من توازنات الداخل اليمني إلى مسار المواجهة الأوسع في المنطقة.
وبينما تشير بعض التقديرات إلى احتمال تأخر التدخل بسبب الحذر والظروف السياسية، يرى آخرون أن الجماعة قد تجد نفسها في نهاية المطاف مضطرة للانخراط في المواجهة، خاصة إذا اتجهت طهران إلى توسيع نطاق الصراع في الممرات البحرية الاستراتيجية.
وحتى ذلك الحين، يبقى موقف الحوثيين أقرب إلى مراقبة تطورات المعركة وانتظار اللحظة التي قد يرونها أكثر ملاءمة للدخول إلى ساحة المواجهة.