باحثون لـ"الهدهد": من خسارة رمزية إلى ارتباك استراتيجي… كيف سيتأثر الحوثيون بغياب خامنئي؟
لم يكن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي حدثاً عادياً في سياق الصراع الإقليمي، بل يمثل أكبر ضربة يتعرض لها النظام الإيراني منذ تأسيس "الجمهورية الإسلامية" عام 1979. فخامنئي لم يكن مجرد رأس للسلطة، بل كان مركز توازن بين المؤسسات العسكرية والدينية، ومرجعية عليا لمشروع التمدد الإقليمي الذي اعتمد على بناء شبكات نفوذ مسلحة خارج الحدود.
على مدى عقود، أدارت طهران نفوذها عبر ما عُرف بمحور “المقاومة”، مستثمرة في كيانات مسلحة تمتلك هامش حركة محلي لكنها ترتبط استراتيجياً بالقرار الإيراني. وفي هذا السياق، برزت مليشيات الحوثيين كأحد أهم الأوراق المتقدمة في خاصرة الخليج والبحر الأحمر، خصوصاً منذ سيطرتهم على صنعاء أواخر عام 2014 وتطور قدراتهم الصاروخية والبحرية بمرور ما يزيد عن 10 أعوام من الحرب.
اليوم، ومع اهتزاز قمة الهرم في طهران وتعرّض النظام لضربات عسكرية وضغوط مركبة، يقف المشروع الحوثي أمام اختبار مركزي، هل يستطيع الاستمرار بذات الزخم في غياب المرجعية التي شكلت له الإسناد العقائدي واللوجستي، أم أن اللحظة تمثل بداية انكماش تدريجي لدوره المحلي والإقليمي؟
من الرمزية إلى البنية
الباحث في الشؤون السياسية الدكتور مصطفى الجبزي يضع الحدث في مستويين، ظاهر رمزي، وجوهر بنيوي. فمقتل المرشد، بحسب تقديره، يمثل خسارة رمزية كبيرة لكل أعضاء المحور المرتبط بإيران، غير أن التأثير الحقيقي يتصل بصراع أوسع بين تفوق تكنولوجي واستخباراتي من جهة، وبين ما يصفه بهشاشة الوهم والدعاية من جهة أخرى.
ويرى الباحث الجبزي في تصريح خاص لمنصة "الهدهد" أن المسألة لا تتوقف عند شخص المرشد، بل عند ما قد يتكشف لاحقاً داخل النظام نفسه؛ إذ إن اتساع دائرة الاستهداف سيجعل الخسارة أكبر، لأن “تضعضع الرأس سيقود إلى انهيار الأطراف”، وفق تعبيره، في إشارة إلى أن تماسك المركز هو ما يمنح الأذرع الإقليمية قدرتها على الاستمرار.
بهذا المعنى، لا ينحصر القلق في الفراغ الرمزي، بل في احتمال اهتزاز البنية التي تضبط الإيقاع السياسي والعسكري للمحور.
مركز القرار تحت الضغط
هذه القراءة تتقاطع مع تقدير الباحث في العلاقات الدولية بندر العنابي، الذي ينقل النقاش من البعد الرمزي إلى الإجرائي. فموقع المرشد، في تصوره، ليس موقعاً بروتوكولياً، بل محور منظومة اتخاذ القرار، وأي فراغ فيه يؤدي إلى اهتزاز مباشر في القدرة على إدارة الأذرع الإقليمية.
ويذكّر العنابي في حديث خاص لمنصة "الهدهد" بالدور الذي لعبته إيران في تطوير القدرات القتالية للحوثيين، سواء عبر نقل التكنولوجيا العسكرية أو التدريب أو توفير الموارد. ومع تعرض هذه الشبكات للضغط، يصبح استمرار هذا الدعم محل شك، لا سيما في ظل انشغال طهران بإدارة أزماتها الداخلية والخارجية.
غير أن الباحث العنابي لا يتبنى سيناريو الانقطاع الكامل؛ بل يرجّح أن يتحول الدعم إلى صيغة أكثر محدودية وانتقائية، ما قد ينعكس على قدرة الحوثيين في الحفاظ على وتيرة عملياتهم الحالية. وهي مقاربة توحي بأن التأثير – إن وقع – سيكون تدريجياً ومتدرجاَ، لا انهياراً فورياً.
ضربة معنوية ورسالة ردع
على الضفة الأخرى، يذهب الصحفي عدنان الشهاب إلى قراءة أكثر حدّة، معتبرًا أن مقتل خامنئي يمثل مقدمة لهزيمة أكبر ستتلقاها المليشيات المرتبطة بإيران في المنطقة. البداية، برأيه، ستكون معنوية، حتى وإن حاولت الجماعة ترميمها عبر مظاهر تحشيد واسعة.
ويركز الشهاب في تصريح خاص لمنصة "الهدهد" على دلالة العملية نفسها، بوصفها ضربة خاطفة غير مسبوقة في الحروب الحديثة من حيث استهداف زعيم دولة بهذا الشكل، وما تحمله من رسالة بأن النظام – رغم صورته المتضخمة إعلامياً – قابل للاختراق. وفي قراءته الأوسع، فإن ما جرى يكشف هشاشة بنية تُقدَّم باعتبارها عصية، ويعني أن الأذرع، ومنها الحوثيون، ليست بمعزل عن هذا الانكشاف.
ويمضي الصحفي الشهاب إلى اعتبار أن استهداف النظام الإيراني يشكل ضربة مباشرة للحوثيين، الذين قد يفقدون – وفق تقديره – الداعم الأول بالمال والسلاح والخبراء، داعياً القوى المناوئة لهم إلى استثمار اللحظة سياسياً وعسكرياً.
البعد الشخصي… عبدالملك بين المرجعية والفراغ
أما الصحفي عدنان الجبرني فيتناول المسألة من زاوية مختلفة، أقرب إلى البعد الشخصي والفكري داخل الجماعة. فخامنئي، في تقديره، لم يكن حليفاً سياسياَ فحسب، بل صاحب التأثير الأكبر في تشكيل عقيدة عبدالملك الحوثي ومنظوره الاستراتيجي للصراع، سواء عبر خطبه أو طريقته في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة بعناد قائم على منطلقات الثورة الإيرانية.
ويشير الجبرني المتخصص في الشأن العسكري وجماعة الحوثيين في مقال له، إلى أن عبدالملك تأثر بعمق بهذا النموذج، “وكان يذاكر جيداً في دفاتره”، على حد وصفه، ما يجعل غيابه يتجاوز الحسابات السياسية إلى فراغ في المرجعية الرمزية.
وفي الوقت ذاته، يلفت إلى أن الحوثي كان يميل خلال العامين الماضيين إلى خيار أكثر اندفاعاً في إدارة المواجهة، قائم على المبادرة والمناجزة بكل ما هو متاح، خلافاً لنهج الاشتباك المحدود الذي اتبعه بعض حلفائه لتفادي مواجهة كبرى. ومع غياب خامنئي، قد تبدو الفرصة متاحة لفرض هذا التصور، لكن في لحظة شديدة التعقيد، خاصة إذا دخل النظام الإيراني في حالة ارتباك أو “موت سريري محتمل”، بما يضعف الجوانب المادية والتقنية واللوجستية التي تعتمد عليها الجماعة.
في المحصلة، لا يعني مقتل علي خامنئي سقوطاً فورياً للمشروع الحوثي، لكنه يضعه أمام مفترق طرق حاسم، فإما إعادة التموضع ضمن واقع إقليمي متغير، مع تقليص مستوى الطموح والتصعيد، أو الذهاب إلى مغامرة أكبر في محاولة لتعويض الفراغ الرمزي والاستراتيجي الذي خلّفه غياب المرشد الإيراني.
وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في اليمن، في ظل سباق مفتوح بين إعادة رسم النفوذ الإقليمي ومحاولات كل طرف تثبيت أوراقه قبل أن تستقر معادلة ما بعد طهران.