أحمد عبدالوهاب الوريث.. صوت الحكمة اليمانية وبذرة الإصلاح المبكر

2026-02-28 01:46 الهدهد/خاص:
تصميم غلاف مجلة الحكمة اليمانية التي أسسها الوريث
تصميم غلاف مجلة الحكمة اليمانية التي أسسها الوريث

 

في سيرة كثير من المؤثرين لا تُقاس قيمة حياتهم بطول أعمارهم، على الرغم من أهمية العمر في إتاحة فرص العطاء والإنجاز، بل بما يتركونه من أثر في واقع مجتمعاتهم، وبما يحدثونه من تحولات تصب في صالح التغيير الإيجابي، رغم ما يواجهونه من تحديات ومخاطر لا يقلّ أدناها عن السجن والملاحقة. ويُعد الأديب والمفكر اليمني أحمد عبدالوهاب الوريث واحداً من هؤلاء الذين صنعوا تحولاً بارزاً في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، تلك الحركة التي مهّدت الطريق لاقتلاع نظام الإمامة الزيدية في شمال الوطن عبر ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962.

اليمن تحت الحكم الإمامي وبدايات الوعي الإصلاحي

كانت اليمن، ولا سيما في شطرها الشمالي، ترزح آنذاك تحت حكم الإمام يحيى حميد الدين، وهو حكم ثيوقراطي اتسم بعزل البلاد عن محيطها الخارجي وقطع صلتها بماضيها الحضاري، فدخلت اليمن في مرحلة من الانغلاق والتخلف على مختلف المستويات. 

وفي خضم تلك الأجواء القاتمة، كان الوريث على موعد مع أداء دور حيوي في مشروع وطني أوسع سيستهدف لاحقاً بنية نظام الحكم القائم.

وفي تلك المرحلة نفسها، ظهرت جمعية "فتاة الفليحي" التي تأسست في صنعاء عام 1935م على يد أحمد المطاع وأحمد الشامي ويحيى الإرياني وعبد الله الجرافي وحسين العمري، ثم انضم إليهم أحمد عبدالوهاب الوريث، ليكون جزءاً من هذا الحراك الثقافي والفكري المبكر الذي أخذ يتبلور في أوساط النخبة اليمنية المتعطشة للإصلاح والتغيير.

وقد أسهمت كتابات العديد من الأحرار والمفكرين، ومنهم الوريث، في إذكاء الروح الوطنية وبث الوعي بضرورة الإصلاح، وبرزت ملامح هذا المشروع بصورة أوضح مع صدور مجلة "الحكمة اليمانية" التي تأسست عام 1938، واستمرت في الصدور حتى عام 1941، حين بادر الإمام يحيى إلى إيقافها بعد صدور 28 عدداً، خشية تأثير موضوعاتها الفكرية والإصلاحية في المجتمع.

ويشير الكاتب والباحث في التاريخ محمد صلاح إلى أن الوريث "كان يسعى في كتاباته لصياغة وحدة دينية تتجاوز المذاهب، وذلك لتسهيل عملية التغيير في اليمن، إذ كان يرى أن التغيير قبل صياغة هذه الوحدة سوف يقود إلى صراعات لا تنتهي، وأن الإمامة ستستغل الخلافات المذهبية لتأجيج الصراع من أجل العودة إلى السلطة".

عُرف الوريث بقدرته العالية على الخطابة وذكائه اللافت في مدينة ذمار، فذاع صيته على نطاق واسع، الأمر الذي لفت انتباه سيف الإسلام عبد الله، ابن الإمام ووزير المعارف، فاستدعاه إلى صنعاء ليكون عضواً في "لجنة التاريخ اليمني" التي شكّلها الإمام لكتابة تاريخ اليمن. 

ولم يكن الوريث مجرد خطيب يعتلي منابر المساجد، بل كان داعيةً إلى الإصلاح والتجديد الديني، متأثراً بمدرسة الإحياء والإصلاح اليمنية، التي كان من أبرز رموزها الإمام محمد بن علي الشوكاني (1759-1834)، وفق ما يذكره الكاتب والباحث نبيل البكيري.

مجلة الحكمة ومشروع التنوير والإصلاح

عندما استقر الوريث في العاصمة صنعاء، تمكّن من إقناع سيف الإسلام عبد الله بفكرة إصدار مجلة "الحكمة اليمانية"، على غرار مجلات النهضة العربية مثل "المنار" لرشيد رضا و"الرسالة" لأحمد حسن الزيات. وكان ذلك في وقت لم تكن فيه اليمن تعرف أي مجلة دورية، باستثناء صحيفة وحيدة تصدر في صنعاء ناطقة باسم دولة الإمام وحاشيته، تنشر أخبارهم العائلية ومناسباتهم الخاصة.

مثّل صدور المجلة تعبيراً عن "توق عارم للانعتاق من سجون العزلة السياسية والمعرفية المضروبة حول اليمن آنذاك، بعد أن كانت المجلات والكتب تُهرّب من القاهرة ودمشق وبغداد ويستقبلها الوريث أو رفاقه ممن لم يخرجوا من اليمن"، كما يذكر البكيري في دراسته حول أثر المجلة في تلك المرحلة.

كانت المجلة عملياً برئاسة السيف عبد الله، بينما كانت شكلياً برئاسة أحمد عبدالوهاب الوريث الذي كان يوقّع بصفته رئيس التحرير، وقد حرص الوريث وفريقه، على أن تكون مجلة متنوعة غير متخصصة، إلا أن رغبته الإصلاحية طغت على محتواها.

وفي هذا السياق، افتتح الوريث مشروعه الفكري بسلسلة مقالات حملت عنوان "الإصلاح"، حيث كتب – كما يشير البكيري – تسع حلقات متتالية في تسعة أعداد من المجلة، ركّز فيها على ضرورة الإفادة من تجارب الدول المتقدمة في مجالات التعليم والصحة وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، مؤكداً أن تحقيق ذلك يظل مرهوناً بابتعاث الطلاب للدراسة خارج اليمن والانفتاح على الخبرات العالمية. وقد تجسّد هذا التوجّه عملياً لاحقاً عبر إرسال "بعثة الأربعين" الشهيرة، التي تخرّجت منها نخبة من اليمنيين درسوا في عدة بلدان، وفي مقدمتها مصر، وأسهم عدد منهم لاحقاً في ثورة الدستور عام 1948. وعقب فشل تلك الثورة أُعدم عدد من رموزها، من بينهم أحمد بن أحمد المطاع وأحمد الحورش ومحيي الدين العنسي وغيرهم، وجميعهم كانوا من كتّاب المجلة ومؤسسيها.

ويذكر الباحث في التاريخ د. ثابت الأحمدي أنه نُشرت للوريث حلقة عاشرة بعد وفاته عُثر عليها بين أوراقه، فيما تبنى صديقه وزميله أحمد المطاع مواصلة الكتابة تحت العنوان ذاته، فكتب ثماني حلقات أخرى، ليبلغ مجموع هذه السلسلة ثماني عشرة مقالة.

وسعى الوريث ورفاقه من المثقفين المستنيرين إلى فتح كوة للتنوير في مجتمع كان يرزح تحت وطأة الانغلاق، وقد تحقّق هذا المسعى فعلياً من خلال المجلة التي تناولت طيفاً واسعاً من الموضوعات الفكرية والثقافية والاقتصادية والإدارية، وأسّست بذلك لمدرسة صحفية جادة ظلّت مصدر إلهامٍ للجيل الثاني من رواد الحركة الوطنية والثوار. وفي سبعينيات القرن العشرين، استعاد اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الموحّد في عدن هذا الإرث حين اختار اسم "الحكمة" لمجلته الصادرة عنه، تكريماً لهذا العنوان ودلالاته، واعترافاً بالدور النضالي والتنويري الذي اضطلعت به المجلة ورجالاتها في مسار الحركة الوطنية اليمنية.

إرث فكري مبكر مهّد لثورة سبتمبر 1962

يضيف د. ثابت الأحمدي أن كل عدد من المجلة كان يُستقبل في صنعاء وكأنه هدية شهرية ينتظرها المثقفون، فيعكفون على قراءتها أياماً في دواوين القات ومجالسهم الخاصة، ثم يناقشون مضامينها بتفصيل، وكانت المقالة شبه الرسمية بعنوان "الإصلاح" هي الأكثر إثارة للنقاش، لما اتسمت به من جرأة محسوبة مغلفة بالأدب المقامي، سواء في كتابات الوريث أو في ما كتبه المطاع من بعده. 

وقد مثّلت هذه المقالات الشرارة الأولى والنبع الأصيل الذي تفجرت منه أحلام الجيل الشبابي المتطلع للتجديد، حتى أصبح مطلب الإصلاح جارياً على كل لسان في تلك المرحلة.

توفي الوريث مبكراً عن عمر لم يتجاوز الثلاثين، وقيل إنه اغتيل على يد أحد أبناء الإمام، غير أنه كان قد ترك أثراً يفوق عمره القصير، وأسهمت أفكاره في تمهيد التحولات اللاحقة التي أطاحت بالحكم الإمامي، ليبقى واحداً من روّاد الحركة الوطنية اليمنية.