الوحدة اليمنية.. لماذا لا يكون فشل السلطة مبرراً لتفكيك الوطن؟

مأرب الورد

ليس من المبالغة القول إن الوحدة تمثل أعظم إنجاز حققه اليمنيون في العصر الحديث. ففي الثاني والعشرين من مايو 1990، تحقق الحلم الأبرز بقيام الدولة اليمنية الواحدة، بعد عقود طويلة من النضال الوطني في سبيل الوصول إليها. ولم يكن لأيٍّ من الشطرين، قبل الوحدة، ذلك الوزن أو التأثير السياسي والاقتصادي الذي أصبح يمثله اليمن الموحدة لاحقاً، وهو ما يجعل من هذا الإنجاز مشروعاً يستحق الحفاظ عليه والبناء عليه من الداخل، لا هدمه أو التفريط به.

فالفرقة والانقسام والتمزق ليست أساساً للتطور والازدهار، بل العكس تماماً، والحديث عن الوحدة، مهما بدا للبعض ذا طابع عاطفي، فإنه في الحقيقة ينطلق من مسؤولية وطنية، ومن تقييم واقعي لا ينبغي ربطه بالأشخاص الذين أداروا هذا المشروع أو حكموا باسمه. فهم في النهاية بشر ارتكبوا أخطاءً كبيرة، لكن كل تلك الأخطاء لا يمكن أن تكون مبرراً لتفكيك الوطن أو العودة إلى التقسيم والتجزئة.

ولو أن كل تجربة سياسية فاشلة في العالم كانت تُعالج بالهدم والتراجع والتفكيك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوحدة الأوطان، لرأينا كثيراً من الدول تغرق حتى اليوم في الحروب والنزاعات. وجنوب السودان مجرد مثال واضح على ذلك؛ فقد أُغرقت الناس هناك بالأحلام الوردية، وقيل لهم إن الانفصال سيقودهم إلى الجنة، لكن النتيجة كانت مزيداً من الصراعات والاقتتال والانهيار، بينما بقي الشعب غارقاً في البؤس والمعاناة أكثر مما كان عليه سابقاً. وهذا يوضح ببساطة أن المشكلة ليست دائماً في شكل الدولة أو وحدتها، بل في طبيعة الأنظمة والنخب التي تديرها.

وفي الحالة اليمنية، يصبح الحديث عن الانفصال أكثر خطورة، لأن اليمن، بخلاف نماذج أخرى، بلد ذو هوية اجتماعية وثقافية واحدة، ولا توجد فيه الانقسامات الإثنية والعرقية الحادة التي عرفتها دول أخرى. ومع ذلك، فإن الأخطاء التي حدثت بعد الوحدة، والتي جرى استثمارها سياسياً خلال العقود الماضية، ثم تضخيمها بصورة أكبر خلال السنوات العشر الأخيرة، عبر حملات تزييف الوعي والتحريض وتمكين النزعات المناطقية، بدعم من قوى خارجية معروفة، جعلت البعض يعتقد أن الصوت الطاغي اليوم هو صوت الانفصال، وهذا غير صحيح.

كما أن المظاهرات، مهما كان حجمها، لا يمكن اعتبارها وحدها وسيلة حضارية وديمقراطية كافية للتعبير عن إرادة الناس بشكل نهائي، خصوصاً عندما يمتلك كل طرف أدوات المال والإعلام والقوة والنفوذ. وقد سبق خلال السنوات الماضية أن ظهرت عشرات الكيانات والمسميات قبل المجلس الانتقالي وبعده، وكان كل طرف يدّعي أنه يمثل "الإرادة الشعبية" ويحتكر الصوت الجنوبي، بل إن بعضهم كان يتحدث عن "مليونيات" في ساحات لا تتسع أساساً لآلاف محدودة من المتظاهرين.

ولهذا، فإن التسليم في الإعلام والخطاب السياسي بفكرة أن "إرادة المحافظات الجنوبية مع الانفصال" يُعد مغالطة خطيرة لا ينبغي القبول بها. فالكثير من الكيانات التي ظهرت منذ ما قبل عام 2017 وحتى اليوم، لم تكن سوى أدوات محلية لمشاريع وأجندات خارجية، وكانت تدّعي احتكار تمثيل الناس بينما هي في الحقيقة تعبّر عن مصالح قادتها وداعميها.

لقد كانت الوحدة اليمنية نتيجة قناعة شعبية واسعة في مختلف أنحاء البلاد، وتتويجاً لنضال الحركة الوطنية اليمنية، ولم تكن مجرد اتفاق سياسي عابر بين نظامين، أو نزوة شخصية بين زعيمين. كما أنها عُرضت للاستفتاء الشعبي بصورة حرة ونزيهة، وكانت نتيجة التصويت عليها كاسحة وواضحة.

ومن المغالطات التي يجري تكريسها اليوم أيضاً، محاولة ترسيخ ثنائية جغرافية خطيرة تحت مسمّى "الشمال والجنوب"، وكأن الوحدة تمت بين شعبين مختلفين أو دولتين منفصلتين تماماً. والحقيقة أن الدولتين اللتين توحدتا لم تكونا تحملان أصلاً اسم "دولة الشمال" و"دولة الجنوب"، بل كانتا جمهوريتين يمنيتين تشملان كل اليمنيين، وهو ما يجعل اختزال القضية بهذه الثنائية الجغرافية تبسيطاً مضللاً للتاريخ والواقع معاً.

إن القول إن "الجنوب يريد الانفصال" بالطريقة التي يتم الترويج لها اليوم، يمثل محاولة من أقلية مدعومة من الخارج لاستغلال حالة الضعف والانقسام، وسط تواطؤ من النخب الحاكمة، للتفريط بأهم مكسب تاريخي حققه اليمنيون في العصر الحديث.

فالوحدة لم تكن يوماً مشروعاً مؤقتاً أو اتفاقاً قابلاً للانسحاب منه متى شاء أي طرف، كما يحاول البعض تصويرها، بل كانت مشروع حياة، والوضع الطبيعي لشعب واحد يتشارك الأعراف والثقافة والطعام واللغة والدين والتاريخ والهوية. وبالتالي، لا يحق لأي طرف، مهما امتلك من قوة أو نفوذ، أن يمنح نفسه حق هدم هذا المشروع أو الادعاء بأن فشل بعض الممارسات يعني فشل فكرة الوحدة نفسها.

إن ما يسمّى بـ"القضية الجنوبية" تحوّلت خلال العقود الماضية إلى واحدة من أكبر قضايا الابتزاز السياسي في تاريخ اليمن الحديث، حيث جرى عبرها تغذية المجتمع بالكراهية والأحقاد، وساهمت أطراف عديدة، للأسف، في تكريس هذا الواقع لأهداف وحسابات مختلفة. فقد ساهم نظام صالح في ذلك، كما ساهمت قوى المعارضة ممثلة في المشترك حينها، واستمر هذا المسار حتى بعد معالجة كثير من المظالم المتعلقة بالموظفين المدنيين والعسكريين وقضايا الأراضي، والتي تم حل جزء كبير منها منذ سنوات.

ومع ذلك، لم تتوقف هذه القضية عن التحوّل إلى باب مفتوح للابتزاز السياسي والمالي، في ظل عجز الدولة والنخب الحاكمة عن القيام بواجباتها الدستورية والوطنية والأخلاقية تجاه حماية الوحدة والسلم الاجتماعي.

وفي كل دول العالم، سواء كانت قوية أو ضعيفة، غنية أو فقيرة، توجد نزعات انفصالية بدرجات مختلفة، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها توجد جماعات تدعو لانفصال بعض الولايات، كما توجد نزعات مشابهة في أكثر من خمس عشرة دولة أوروبية، لكن تلك الدول لا تسمح بتحويل هذه النزعات إلى أدوات لابتزاز الدولة أو تهديد وجودها.

أما في اليمن، فقد وصل الأمر إلى أن يتم الحديث عن الانفصال بوصفه "أساس أي تسوية سياسية"، في مشهد يعكس حجم الاختلال الذي تعيشه الدولة والنخب السياسية. فالمظالم تُعالج بالدستور والقانون وتحت سقف الدولة، لا بالخروج عليها أو هدمها. وإذا جرى فتح باب الانفصال لأي منطقة تمتلك دعماً خارجياً أو قوة عسكرية أو نفوذاً سياسياً، فإن النتيجة النهائية ستكون تفكك اليمن إلى دويلات ومناطق متصارعة.

إن الحفاظ على الوحدة، كما الحفاظ على الجمهورية، مسؤولية كل يمني حر، ولا ينبغي أن تُقاس هذه المسؤولية بالمكاسب الشخصية أو المنافع الآنية. فعدم حصول الفرد على حقوقه أو تعرضه للظلم لا يمكن أن يكون مبرراً للتنصل من واجبه الوطني تجاه بلده.

لقد كان المطلوب دائماً هو إصلاح مشروع الوحدة وتطويره وتصحيح أخطاء من أداروه، كما يحدث في تجارب دول كثيرة، لا هدم المشروع نفسه؛ فالذين فشلوا، طوال أكثر من عشر سنوات، في توفير خدمة أساسية كالكهرباء لمدينة صغيرة مثل عدن، لا يمكنهم إقناع الناس بأنهم قادرون على إدارة "دولة مستقبلية" مستقرة ومزدهرة.

وهذه حقيقة ينبغي أن يدركها المواطن اليمني جيداً؛ فمعظم الأطراف التي ترفع اليوم شعارات الإنقاذ أو التحرير أو بناء الدولة قد جرى اختبارها عملياً في الحكم والإدارة، وعرف الناس نتائج أدائها، وبالتالي لا يحق لأي طرف أن يعد بما هو أكبر، بينما هو عاجز عن إدارة ما هو أصغر.