في ندوة لـ"الهدهد".. باحثون وسياسيون: الوحدة اليمنية "منجز وطني" تواجهه تحديات المشاريع الانعزالية

2026-05-19 21:11 الهدهد - خاص
سياسيون وباحثون يتحدثون عن الوحدة اليمنية - منصة الهدهد
سياسيون وباحثون يتحدثون عن الوحدة اليمنية - منصة الهدهد

أكد باحثون وسياسيون يمنيون أن الوحدة اليمنية تمثل ثمرة نضال وطني طويل، محذرين من أن مشاريع "الإمامة" في الشمال و"الانفصال" في الجنوب، إلى جانب إرث الإقصاء السياسي، تمثل أبرز التهديدات التي تقوض مشروع الدولة الوطنية المنشودة.

جاء ذلك خلال ندوة حوارية نظمتها منصة "الهدهد" عبر مساحة في منصة "إكس" (تويتر سابقاً) الأحد، بعنوان "الوحدة اليمنية والدولة الوطنية المنشودة"، وذلك بمناسبة الذكرى الـ36 لقيام الوحدة اليمنية في 22 مايو/ أيار 1990.

الندوة الحوارية التي أدارتها الإعلامية والباحثة "صفا عصام"، وشارك في مداخلاتها عدد من السياسيين والإعلاميين، تحدث في مستهلها الباحث والمحلل السياسي "نبيل البكيري" الذي قال "إن الوحدة اليمنية تمثل ثمرة نضال أجيال متعاقبة من اليمنيين على امتداد القرن العشرين، وصولاً إلى تحقيقها في 22 مايو 1990.

وأوضح "البكيري" أن هذا المنجز لم يكن نتاج فرد أو طرف بعينه، بل حصيلة كفاح طويل لرموز وقوى وطنية متعددة، تأثرت بالتحولات التي شهدها العالم العربي والعالم في مرحلة ما بعد الاستعمار، حين برزت فكرة الدولة الوطنية الحديثة كهدف رئيسي للحركات التحررية.

وأضاف أن مشروع الدولة الوطنية في اليمن ارتكز على ثلاثية “الوحدة والجمهورية والتعددية السياسية”، باعتبارها ركائز دولة حديثة سعت إليها مختلف التيارات الفكرية والسياسية والدينية، في سياق مشابه لما حدث في عدد من الدول العربية.

وفي سياق حديثه، أشار البكيري إلى ما وصفه بـ”الإمامة” بوصفها نقيضاً موضوعياً لفكرة الدولة الوطنية الحديثة، معتبراً أنها تمثل مشروعاً انعزالياً يتعارض مع مفهوم الدولة القائمة على المواطنة والتعدد السياسي والثقافي.

وقال إن الحركة الوطنية اليمنية استطاعت لاحقاً صياغة مشروع الدولة الحديثة، الذي تُوّج بثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، اللتين اعتبرهما انعكاساً لطموحات اليمنيين في بناء دولة جمهورية موحدة.

وأضاف أن عودة ما وصفه بـ”مشروع الإمامة” تعني  إعادة إنتاج مظاهر الانقسام والتشظي في الحالة اليمنية، بما يتجاوز ثنائية الشمال والجنوب إلى مستويات أعمق من التفكك السياسي والاجتماعي.

واعتبر البكيري أن المدخل لاستعادة الدولة اليمنية الحديثة يتمثل في تعزيز المشروع الوطني الجمهوري، وتحقيق الاستقرار السياسي، محذراً من أن استمرار الصراع الحالي قد يعمّق الانقسامات ويقوّض فكرة الدولة الجامعة.

وأكد أن اليمنيين أمام “مأزق تاريخي”، يستدعي إعادة التوافق على مشروع دولة وطنية حديثة تقوم على أسس الجمهورية والمواطنة والمؤسسات، بعيداً عن مشاريع التقسيم والانقسام.

إرث الإقصاء السياسي

من جانبه، رأى المحلل السياسي، حسن مغلس، أن "الإقصاء والتفرد بالقرار" يمثلان أحد أبرز الإشكالات التي تكررت عبر مراحل تاريخية مختلفة منذ ما بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر وحتى اليوم.

وأضاف مغلس في حديثه في المحور الثاني من مساحة "الهدهد" الخاصة بالوحدة اليمنية، أن "ثقافة الإقصاء التي ترسخت في الشمال والجنوب قبل الوحدة، انعكست على مسار الدولة اليمنية لاحقاً"، داعياً إلى تجاوز هذا الإرث عبر بناء دولة تقوم على الشراكة السياسية والتمثيل العادل لكافة المكونات.

وأوضح أن الإقصاء لم يبدأ بعد الوحدة اليمنية، بل تعود جذوره إلى ما بعد قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن، مروراً بفترات الانقلابات السياسية المتعاقبة، وصولاً إلى ما وصفه بمرحلة التفرد بالحكم في عهد الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي ثم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح.

وأشار إلى أن الحالة ذاتها، بحسب تعبيره، امتدت إلى جنوب اليمن خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث شهدت تلك الفترة صراعات داخلية وإقصاءً سياسياً بين القوى المختلفة، تَطوّر لاحقاً إلى مواجهات دامية أبرزها أحداث 13 يناير 1986، إضافة إلى سياسات التأميم وإعادة تشكيل البنية الاقتصادية والإدارية.

واعتبر أن تلك المراحل أسست لثقافة سياسية قائمة على الإقصاء والتفرد، سواء في الشمال أو الجنوب، وهو ما انعكس على مسار الدولة اليمنية لاحقاً، بما في ذلك مرحلة الوحدة عام 1990 وما بعدها.

وفي سياق حديثه، أشار إلى أن الخلافات التي سبقت إعلان الوحدة ثم ما تلاها من تطورات سياسية، بما في ذلك أحداث حرب 1994، ارتبطت ـ بحسب قوله ـ بتداخلات سياسية واقتصادية وصراعات داخلية بين مراكز القوى، أدت إلى تعميق حالة عدم الاستقرار.

كما رأى أن ما بعد عام 2011 مثّل محطة جديدة من الصراع السياسي، حيث حاولت قوى مختلفة إعادة تشكيل المشهد عبر أدوات سياسية متعددة، في ظل استمرار الإشكاليات المرتبطة بغياب الشراكة وتعدد مراكز القرار.

وقال إن أزمة اليمن الراهنة لا يمكن فهمها بمعزل عن تاريخ طويل من الإقصاء السياسي والتفرد بالسلطة، داعياً إلى تجاوز هذا الإرث عبر بناء دولة تقوم على الشراكة السياسية والتمثيل العادل لكافة المكونات.

صراع الحلفاء وما بعد حرب 1994

وفي المحور الثالث قال الأمين العام المساعد لحركة النهضة "علي الأحمدي" إن الوحدة اليمنية كانت “حُلماً وطنياً جامعاً” تحققت ظروفه عام 1990، إلا أن ما لحق بها من أزمات، يعود بالأساس إلى الصراع السياسي بين أطراف الحكم في الشمال والجنوب بعد الانتخابات البرلمانية عام 1993، وما تلاها من تطورات انتهت بحرب 1994.

وأوضح "الأحمدي" أن الصراع السياسي “شوّه تجربة الوحدة” وحوّلها من مشروع وطني جامع إلى ساحة تنازع بين قوى سياسية، مشيراً إلى أن كلا النظامين في الشمال والجنوب ساهم ـ وفق قوله ـ في الوصول إلى حالة الانفجار التي سبقت الحرب.

وأضاف أن حرب 1994 انتهت بانتصار ما وصفه بـ“الشرعية”، التي قال إنها ضمت مختلف اليمنيين المؤمنين بمشروع الوحدة من شمال وجنوب، معتبراً أن ذلك شكّل نقطة تحول في مسار الدولة اليمنية.

وأشار إلى أن النظام السياسي في جنوب اليمن قبل الوحدة كان يعاني من “إقصاء داخلي وصراعات سياسية”، انعكست لاحقاً على موقفه من الوحدة بعد خسارة الحرب، الأمر الذي أدى إلى استمرار التوتر السياسي في المرحلة اللاحقة.

وفي المقابل، اعتبر أن مرحلة ما بعد 1994 شهدت بدورها اختلالات سياسية وإدارية، تمثلت في غياب المعالجات الكفيلة بترميم آثار الحرب وإعادة دمج المجتمع، خاصة في المناطق الجنوبية التي كانت تعتمد على الدولة بشكل كامل في الاقتصاد والخدمات.

وقال إن عدم معالجة تلك التراكمات، سواء على مستوى البنية الاجتماعية أو الاقتصادية أو الإدارية، أسهم في بروز تباينات لاحقة ومطالب سياسية متصاعدة، مشيراً إلى أن غياب سياسات احتواء حقيقية فاقم الشعور بالاختلال.

وأكد الأحمدي أن الإشكال في تجربة الوحدة لا يتعلق بمبدأ الوحدة ذاته، وإنما بآليات إدارتها والصراعات السياسية التي رافقت مراحلها المختلفة، داعياً إلى قراءة أكثر توازناً للتجربة بما يضمن استيعاب الدروس ومعالجة آثار الماضي.

نقد السرديات 

بدوره، دعا عضو مجلس الشورى اليمني، "صلاح باتيس"، إلى إعادة النظر في الخطاب السياسي السائد بشأن توصيف الجغرافيا اليمنية بمصطلحي “شمال وجنوب”، معتبراً أنهما جزء من “سردية تاريخية” ساهمت في تشويه فهم الهوية الوطنية وتكريس الانقسام السياسي.

وقال "باتيس"، في حديثه خلال الجلسة الحوارية لمنصة "الهدهد" إن الإشكال يبدأ من اعتماد هذا التقسيم الجغرافي الذي روج له الاستعمار، قبل أن يتبناه لاحقاً سياسيون ومؤرخون، مشيراً إلى أن اليمن تاريخياً لا يقوم على هذا التصنيف، بل على جغرافيا واحدة تم تقسيمها سياسياً عبر مراحل مختلفة.

وأضاف أن استخدام مصطلحي “شمال” و“جنوب” أسهم في تكريس اختزال اليمن في شطرين سياسيين، الأمر الذي انعكس على طبيعة الصراع، وأدى إلى إنتاج مفاهيم سياسية “محدودة” حول السلطة والشراكة، على حد قوله.

وانتقد باتيس ما وصفه بـ”ترسيخ السرديات الاستعمارية” في الخطاب السياسي المعاصر، لافتاً إلى أن الاستعمار البريطاني في عدن والمناطق المحيطة بها تعامل مع جغرافيا الساحل الجنوبي كمناطق نفوذ منفصلة، وهو ما أدى لاحقاً إلى ترسيخ مفاهيم مثل ”الجنوب العربي” و”الجنوب اليمني”.

وأشار إلى أن التحولات السياسية اللاحقة، خصوصاً بعد الاستقلال، أسهمت في تثبيت هذه المصطلحات داخل الأدبيات السياسية اليمنية، بما في ذلك خلال مراحل إعداد الدساتير والحوار الوطني، معتبراً أن ذلك أدى إلى إعادة إنتاج مفهوم “الشطرية” بصيغ مختلفة.

وحذّر باتيس من استمرار استخدام توصيف “شمال وجنوب” في الخطاب السياسي والإعلامي، معتبراً أنه يخلق ـ بحسب رأيه ـ اختلالاً في فهم طبيعة الدولة ويؤسس لتمييز سياسي غير دقيق بين اليمنيين، داعياً إلى استبداله بمصطلحات جغرافية أشمل مثل الجهات الأربع أو الأقاليم.

وأكد أن معالجة القضايا السياسية الراهنة، بما في ذلك “القضية الجنوبية”، يجب أن تتم ضمن إطار وطني شامل لا يختزلها في جغرافيا واحدة، مشدداً على أهمية تبني مقاربات تقوم على الشراكة المتوازنة بين مختلف المحافظات.

ودعا عضو مجلس الشورى إلى مراجعة شاملة للمصطلحات والسرديات السياسية في اليمن، بما ينسجم ـ وفق قوله ـ مع بناء دولة حديثة تقوم على “الهوية الوطنية الجامعة” بعيداً عن التقسيمات التي وصفها بـ“الاستعمارية”.

غياب التوثيق واختلالات إدارة

وفيما يخص الذاكرة الوطنية، قال رئيس مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، "عاتق جار الله"، إن الذاكرة السياسية اليمنية تعاني “خللاً واضحاً في التوثيق والتدوين”، مشيراً إلى أن كثيراً من الأحداث التاريخية، سواء ما قبل الوحدة أو ما بعد الثورة، لم تُدرس أو تُوثق بالشكل الكافي، الأمر الذي أدى إلى تشوه في الوعي العام حول التاريخ الوطني.

وأوضح "جار الله"، خلال حديثه، أن الحديث عن الذكريات التاريخية يمكن أن يُصنَّف إلى ثلاثة مستويات، الأول يقوم على استحضار الأمجاد والعواطف، والثاني على المراجعة والتقييم، فيما يتمثل الثالث في إعادة ضبط المسار عبر قراءة نقدية للمصطلحات والسرديات التاريخية.

وأشار إلى أن تجربة الوحدة اليمنية تعرضت، برأيه، لاختلالات في الإدارة أدت إلى تصدعها، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن مسؤولية ذلك لا تقتصر على طرف واحد، بل تتوزع بين ممارسات ما بعد الوحدة في الدولة المركزية، وما سبقها من ظروف سياسية واقتصادية في الشمال والجنوب.

وأضاف أن هناك ممارسات خاطئة رافقت مرحلة ما بعد الوحدة، من بينها، تجاوزات في إدارة الممتلكات والموارد، مؤكداً في المقابل أن تقييم تلك المرحلة يجب أن يكون موضوعياً بعيداً عن التوظيف السياسي، وأن الهدف ينبغي أن يكون “فتح الجرح ثم إغلاقه بشكل صحيح”.

ورأى "جار الله" أن بعض التطورات في المحافظات الشرقية، وما وصفه بمحاولات فرض وقائع سياسية جديدة، أسهمت في إعادة تسليط الضوء على أهمية الوحدة اليمنية، معتبراً أن هذه التطورات أظهرت، من وجهة نظره، استمرار تماسك النسيج الاجتماعي اليمني رغم التحديات السياسية.

وأكد أن المجتمع اليمني يتميز بترابط اجتماعي وثقافي متداخل بين مختلف مناطقه، مشيراً إلى أن هذا التداخل يمثل عاملاً مهماً في منع تفكك الدولة، حتى في ظل ضعف مؤسساتها.

وفي حديثه عن مستقبل الوحدة، شدد "جار الله" على أن ترميمها لا يمكن أن يتم عبر الشعارات، بل من خلال معالجة جذور الخلل، وفي مقدمتها “المركزية المفرطة والشعور بالتهميش”، داعياً إلى إعادة النظر في شكل الدولة وعلاقة المركز بالأطراف بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للسلطة والثروة.

كما دعا إلى توسيع مساحات الحوار بين مختلف القوى اليمنية، وتعزيز منطق الشراكة الوطنية، محذراً من استمرار الخطابات الإقصائية أو المناطقية، ومؤكداً أن مستقبل اليمن مرهون ببناء توافق وطني يقوم على العدالة والتوازن بعيداً عن الاستقطاب السياسي والجغرافي.

تهديد عميق

إلى ذلك قال المحلل السياسي ياسين التميمي، إن الجدل الدائر حول الوحدة اليمنية والدولة الوطنية يعكس، بحسب وصفه، “تأثيرات خارجية وصراعات إقليمية” أسهمت في تعميق الانقسام داخل البلاد، مشيراً إلى أن المشروع الوطني في اليمن بات يواجه تحديات متزامنة من الحوثيين في الشمال والمجلس الانتقالي الجنوبي في الجنوب.

وأوضح التميمي، خلال حديثه، أن الدولة الوطنية في اليمن تتعرض لـ“تهديد عميق” بفعل ما وصفه بالمشروع الحوثي المدعوم من إيران، في حين تواجه الوحدة اليمنية، “مشروعاً انفصالياً مدعوماً من الخارج”، في إشارة إلى أطراف إقليمية قال إنها تدعم هذا الاتجاه.

وأضاف أن بعض التحركات السياسية والعسكرية في المناطق الجنوبية، بما في ذلك أنشطة المجلس الانتقالي الجنوبي، تمثل جزءاً من مشروع جيوسياسي أوسع يتجاوز المطالب المحلية، لافتاً إلى أن ذلك ينعكس على طبيعة الصراع في اليمن ويزيد من تعقيداته.

وانتقد التميمي ما اعتبره “سرديات تختزل اليمن في ثنائية الشمال والجنوب”، مؤكداً أن الوحدة اليمنية لا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها قضية تخص طرفاً جغرافياً دون آخر، بل هي “صيغة شراكة وطنية جامعة”.

وأشار إلى أن استمرار الخطاب القائم على التقسيم الجغرافي قد يفاقم حالة عدم الاستقرار، محذراً من أن أي توجه نحو مزيد من التشطير قد يؤدي إلى انقسامات أعمق داخل اليمن.

وشدد التميمي على أن الحل يكمن في إعادة بناء الدولة على أساس شراكة وطنية عادلة، بعيداً عن الاصطفافات المناطقية، معتبراً أن المرحلة الراهنة تتطلب،  “سردية وطنية جديدة” تتجاوز إرث الصراعات السابقة، وتؤسس لمرحلة من الاستقرار السياسي والمؤسسي.