قمة ثقافية
يبدو أن الوضع الثقافي تنتابه كثير من العثرات لا عثرة واحدة، فقد تناهى إلى سمعنا أن هناك دعوة ثقافية قدمت إلى جانب من الوسط الثقافي تحت عنوان (قمة ثقافية)، دعي إليها المبدعون الشباب واستثني من الحضور من لم تنطبق عليه صفة الشباب، وقد حدد الشباب بسن الخامسة والأربعين، والدعوة قادمة من مكون من المكونات الجديدة التي تصنع في الخارج ثم تأتي إلينا، وما دامت بهذه القيمة عند أصحابها كان الأولى أن يتبناها مكتب الثقافة، فلماذا يهمش هذا المكتب ويستبعد؟..
وبصرف النظر عن ذلك فإن الملاحظة الأهم هو أن اسم الفعالية (قمة ثقافية) وأنها تختص بمن هم في حدود الخامسة والأربعين، والتضارب واضح بين المعنيين، أولاً أن الوضع الثقافي لدينا معلول، وأن غاية ما يمكن ان تقدمه مجموعة شبابية صاعدة فعالية ثقافية فقط، أما أن تكون قمة فهذا من طرائف الأحوال..
وما أدري إذا كان رغبة القائمين أن يقدموا قمة ثقافية لماذا استبعدوا من هم فوق هذا السن، وما هي الحكمة في أن يبعدوا أصحاب الخبرة وأهل التجربة الذين سيمدونهم بنتاج أكثر قوة.. وواضح أن الأمور تتم بشيء من الغرابة، ولا ندري سبب الغرابة والسرية، يبدو لي أن هناك من يعبث بالشأن الثقافي، ويحاول تمزيقه وتشتيته، كان في الماضي تكوينات ثقافية وكانت تعمل تحت الأضواء الساطعة ولا تغلق أبوابها على أي فئات ثقافية بسبب العمر، ولا قيمة لفئات ثقافية لا تمتزج مع الوسط الثقافي العام، والثقافة ليست فعلاً سرياً يخشى فاعلوه من أن يطلع عليه الكبار، والثقافة عمل لا يرتبط بالعمر، وكبار الأدباء ماتوا شباباً وكثير من العلماء والأدباء لم تتقدم بهم السن وتركوا نتاجاً أدبيا وبحثياً عظيماً..
إن ربط الموهبة والثقافة بالسن دليل على أن هناك خللاً ووهناً وضعفاً في التفكير ينبغي أن يتخلص منه أصحابه، والثقافة لدينا تعاني كثيراً من هذا الوهن، لا أدري لماذا ترك اتحاد الأدباء ليلقى حتفه ومن هو المتسبب في ذلك، وما أدري لماذا لا يتولى مكتب الثقافة مهامه الموكلة له، كان الاتحاد إلى وقت قريب يشع ثقافة وأدباً، وفجأة حلّ محله مكون لا يحمل وداً للمثقفين الأدباء، وإنما يحتفي بمن كان همه التاريخ والبحث التاريخي، والواقع أن الثقافة ليست مقصورة على الأدب وإنما هي فعل يشمل كافة المعارف ولا يقف في وجه لون منها..
إذا صح خبر الاجتماع الذي يدعى إليه شباب مثقفون وشباب أدباء، ويرد الباب على غير الشباب وهو صحيح فهذا أمر ينذر بشيء غير حميد .