جمارك الحوثيين تنهب 120 مليار ريال سنوياً.. تنهك الاقتصاد وتُطرد رؤوس الأموال
كشفت دراسة اقتصادية حديثة (الثلاثاء)، عن تنامي نفوذ المنظومة المالية الموازية التي تديرها مليشيا الحوثي مؤكدة أن الجماعة استطاعت تحويل النقاط الجمركية الداخلية إلى "حدود اقتصادية" تدر مبالغ طائلة، وتكرس تشظي السيادة المالية للدولة اليمنيّة.
وأفادت الدراسة الصادرة عن "مركز المخا للدراسات الاستراتيجية"، تحت عنوان "اقتصاد الحرب: المنافذ الجمركية في مناطق سيطرة الحوثيين"، بأن نظام الجمارك الداخلية للجماعة بات يحقق إيرادات سنوية تتراوح ما بين 90 و120 مليار ريال يمني، نحو 65 إلى 85 مليون دولار، فيما قفزت حصة الجماعة من إجمالي الإيرادات الجمركية الوطنية لتصل إلى ما بين 74% و85% خلال عام 2024.
وبحسب الدراسة، فإن هذا النظام لم يكن وليد اللحظة، بل مرّ بمراحل تطور بدأت بنقاط تفتيش عسكرية محدودة في سنوات الحرب الأولى، قبل أن تتحول بحلول عام 2024 إلى شبكة عنكبوتية منظمة تضم أكثر من 220 نقطة جمركية نشطة، تتوزع على عشر محافظات على الأقل.
وتشير إلى أن خطورة هذه الأرقام تتجاوز قيمتها المادية، لتكشف عن "حوكمة هجينة" تجمع بين البيروقراطية الإدارية وقوة الإكراه المسلح، حيث ترتبط عمليات التحصيل بمركز بيانات مالي موحد في صنعاء، ما يعني انتقال الجباية من العشوائية إلى مستوى عالٍ من المأسسة الأمنية والمالية.
وترى أن ظاهرة الجمارك الداخلية التي استحدثها الحوثيون تمثل أحد أبرز تجليات تشظي الدولة اليمنية، حيث تحوّلت أدوات الجباية من وظيفة مالية تقليدية إلى رافعة رئيسية لاقتصاد الحرب، أسهمت في تعزيز مصادر التمويل المستقلة للجماعة خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية.
وأوضحت أن الجماعة نجحت خلال سنوات الصراع في بناء منظومة مالية موازية تجاوزت الدور الجمركي التقليدي، لتؤدي وظائف سياسية وأمنية وسيادية، بما يمنح سلطتها قدرة أكبر على إدارة الموارد بعيداً عن النظام المالي الرسمي.
وبيّنت الدراسة أن هذا النظام لم ينشأ بشكل مفاجئ، بل بدأ في السنوات الأولى للحرب عبر نقاط تفتيش وجبايات محدودة ذات طابع عسكري وأمني، قبل أن يتطور تدريجياً ليصبح، بحلول عام 2024، شبكة واسعة ومنظمة تضم أكثر من 220 نقطة جمركية داخلية نشطة موزعة على ما لا يقل عن عشر محافظات يمنية.
وأضافت أن هذا التطور يعكس انتقال الجباية من حالة العشوائية إلى مستوى من المأسسة، إذ جرى دمج الإدارة المدنية بالأجهزة الأمنية والعسكرية، وربط عمليات التحصيل بمركز بيانات مالي في صنعاء، ما أوجد منظومة تعمل وفق نموذج حوكمة هجين يجمع بين البيروقراطية الإدارية وأدوات الإكراه المسلح.
دراسة مركز المخا ذكرت أن ازدواجية الجباية في مناطق سيطرة الحوثيين أدت إلى تشوهات عميقة في بنية الأسواق، مع ارتفاع تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 25 و30% في المتوسط، فيما تجاوزت الزيادة في بعض المسارات 200%، نتيجة تعدد نقاط التحصيل وفرض رسوم غير قانونية وغرامات وتأخيرات متكررة على حركة البضائع.
وأشارت إلى هذه الزيادات تسببت بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، التي ارتفعت بنحو 10 إلى 15% في المتوسط، ما أسهم في تراجع القدرة الشرائية وتوسيع رقعة الفقر، إلى جانب دفع مزيد من رؤوس الأموال المحلية نحو الانكماش أو مغادرة السوق.
وبحسب النتائج، تذهب النسبة الأكبر من هذه الموارد إلى صناديق دعم الجبهات والأنشطة العسكرية والأمنية، في حين لا تتجاوز مخصصات الخدمات العامة نحو 10%، ما يعني ـ وفق الدراسة ـ أن الجمارك في مناطق سيطرة الحوثيين لم تعد أداة لتنظيم التجارة أو رفد الخزينة العامة، بل تحولت إلى آلية لتمويل النزاع وترسيخ نفوذ الجماعة على المجتمع والاقتصاد.
وخلصت إلى أن نظام جمارك الحوثيين يمثل انتهاكاً صريحاً لقانون الجمارك رقم (14) لسنة 1990، الذي يحصر عمليات التحصيل الجمركي في المنافذ الحدودية والموانئ والمطارات والمناطق الحرة، مشيرة إلى أن هذا النظام يتعارض أيضاً مع مبادئ دستورية تتعلق بحرية التنقل ووحدة الخزينة العامة والسوق الوطنية.
وفي الجانب الإنساني والاجتماعي، تشير الدراسة إلى أن هذه الجبايات فاقمت الأوضاع المعيشية في بلد يعيش أكثر من 70% من سكانه تحت خط الفقر، كما أدت إلى تعطيل تدفق المساعدات الإنسانية نتيجة تأخير القوافل لفترات تتراوح بين 48 و72 ساعة، وفرض تكاليف إضافية على الشاحنات تتراوح بين 300 و600 دولار.
ودعت إلى مقاربة متعددة المراحل لمعالجة الظاهرة، تبدأ باحتواء شبكة الجباية وعزلها، عبر توسيع نطاق العقوبات الدولية ضد المتورطين في التحصيل غير القانوني، وتجميد أصولهم الخارجية، ونشر خرائط شفافة توثق مواقع نقاط الجباية وحجم الإيرادات، إلى جانب تعزيز الرقابة على تدفق البضائع.
وأوصت بتعزيز السيادة المالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من خلال تحديث وأتمتة العمل الجمركي في الموانئ والمنافذ الرسمية، خصوصاً في عدن والمخا والمهرة، وإنشاء بوابة شفافية جمركية تتيح نشر البيانات والحد من الفساد والازدواج الضريبي.