ميناء المخا بين الاستثمار والتهريب: تحقيق في غياب السيادة

2026-01-10 01:37 الهدهد/خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

 

في 11 ديسمبر الماضي، شهدت مدينة المخا بمحافظة تعز مظاهرة شعبية للتعبير عن تأييد مذكرة تفاهم حول إعادة تأهيل وتطوير ميناء المخا، التي وُقّعت قبل يومين في عدن، وتنتظر المذكرة موافقة الحكومة عليها. لم يكن هذا الحدث مجرد احتفال شعبي، بل جاء وسط جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي حول دور الشركة المنفذة كواجهة لشركة مرتبطة بحكومة أبوظبي، وسط تحذيرات من أن الميناء يشهد نشاطات غير قانونية تشمل التهريب والفساد الإداري.

 

بدت الفعالية استثنائية ليس فقط بسبب حرص السلطة المحلية وإعلام العميد طارق صالح، قائد "قوات المقاومة الوطنية" الذي يتخذ من المدينة مقراً له، بل أيضًا من حيث الرسالة المقصودة: أي مذكرة بهذا الحجم ونطاق التأثير، إذا كانت مطابقة للقوانين، لا تحتاج إلى استدعاء المواطنين للتعبير عن دعمها. 

 

في هذا السياق، يرى الدكتور عبدالقادر الجنيد أن هذه الخطوة تمثل تجاوزًا صريحًا لاختصاصات الحكومة اليمنية وخرقًا لمبدأ السيادة الاقتصادية للدولة. بحسب الجنيد، فإن استدعاء المواطنين للتظاهر ليس مجرد احتفال شعبي، بل محاولة لإضفاء شرعية مزيفة على قرار يفتقر لأي أساس قانوني أو سيادي. وهذا الأمر يكشف هشاشة السلطة الشرعية وغياب أدواتها المؤسسية القادرة على فرض سيادة الدولة على المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

 

تتحوّل مظاهرة المخا بذلك من حدث شعبي عابر إلى مؤشر واضح على توترات السلطة، هشاشة الرقابة القانونية، صراع النفوذ الإقليمي، والأنشطة غير القانونية في الميناء، لتطرح تساؤلات حاسمة حول من يملك فعليًا إدارة ميناء المخا ويحدد مستقبله.

 

خلفية الاتفاقية ومشروع ميناء المخا

في 9 ديسمبر الماضي، جرى توقيع مذكرة تفاهم بين مؤسسة موانئ البحر الأحمر اليمنية وشركة بريما الاستثمارية المحدودة، بهدف إعادة تأهيل وتطوير وتشغيل ميناء المخا التاريخي على البحر الأحمر والقريب من مضيق باب المندب. ووقّع المذكرة كل من الدكتور عبدالملك الشرعبي، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر الأحمر للشؤون الفنية ومدير عام ميناء المخا، وليث الورد، مدير عام شركة بريما الاستثمارية المحدودة، بحضور وزير النقل حينها الدكتور عبدالسلام حُميد وعدد من وكلاء الوزارة والمسؤولين.

 

وتنص المذكرة على تنفيذ مشروع إعادة تأهيل الميناء بتكلفة إجمالية بلغت 138 مليون و907 ألف دولار، يتضمن بناء رصيف جديد بطول 280 متر وغاطس 12 متر، إضافة إلى رصيف بطول 50 متر لتراكي السفن الصغيرة والقاطرات، وإنشاء مساحات خلف الرصيف لتأسيس ساحة للحاويات مع ثلاث مستودعات، وصوامع للغلال والأسمنت، فضلاً عن المباني الإدارية والخدمية.

وأكد وزير النقل المُقال مؤخرا الدكتور عبدالسلام حُميد أن الاتفاقية تتماشى مع قوانين إنشاء الموانئ والشراكة بين القطاعين العام والخاص، فيما أوضح الدكتور الشرعبي أن المشروع سيرفع القدرة التشغيلية للميناء إلى 195 سفينة سنويًا، مع حجم مناولة يصل إلى 2.275 مليون طن سنويًا، قابل للزيادة مستقبلاً. 

 

غموض الشركة المنفذة

 

في المقابل، تبدو شركة بريما الاستثمارية المحدودة حتى الآن ككيان يكتنفه قدر كبير من الغموض في المشهدين اليمني والإقليمي، رغم تقديمها نفسها كشركة يمنية مسجلة رسميًا لدى وزارة التجارة والصناعة. 

وبحسب ما ورد في مذكرة التفاهم الخاصة بمشروع ميناء المخا، والتي حصلت منصة الهدهد على نسخة منها، فإن الشركة تمتلك سجلًا تجاريًا يحمل الرقم (132).

 

وأكد مسؤول في وزارة التجارة والصناعة، في إفادة للمنصة، أن الشركة مسجلة رسميًا منذ العام 2024، فيما تشير المذكرة نفسها إلى أن عنوانها يقع في شارع الدائري بمدينة المخا. غير أن هذه البيانات تظل محدودة، إذ لا تتوافر أي معلومات موثوقة أو منشورة عن مشاريع سابقة نفذتها الشركة، سواء داخل اليمن أو خارجه، الأمر الذي يجعلها شركة حديثة النشأة تفتقر إلى سجل خبرات معروف في تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى بحجم مشروع إعادة تأهيل ميناء المخا.

 

ولا تملك الشركة، حتى الآن، حضورًا معروفًا في السجلات الاقتصادية المتداولة، أو موقعًا إلكترونيًا رسميًا، أو تعريفًا واضحًا في قواعد البيانات المالية والتجارية الدولية، ما يزيد من صعوبة التحقق من قدراتها الفنية أو ملاءتها المالية.

 

ويُضاف إلى ذلك أن مذكرة التفاهم تخلو من أي توضيح بشأن آلية تمويل مشروع إعادة تأهيل وتطوير وتشغيل الميناء، أو الجهة التي ستتحمل كلفته، إذ لم يُحدد ما إذا كان التمويل سيتم عبر قرض، أو استثمار مباشر، أو دعم حكومي، أو شراكة مع أطراف أخرى، وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول الطبيعة الاقتصادية والالتزامات المالية المترتبة على المشروع.

 

ويتعزز هذا الغموض بما ورد في مذكرة رسمية بعث بها نائب رئيس مؤسسة موانئ البحر الأحمر للشؤون الفنية ومدير عام ميناء المخا، الدكتور عبدالملك الشرعبي، إلى محافظ تعز بتاريخ 29 نوفمبر الماضي، أشار فيها إلى أن شركة بريما ستعمل "مع شركائها الدوليين"، دون الإفصاح عن هويات هؤلاء الشركاء أو جنسياتهم، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة الأطراف المشاركة فعليًا في المشروع.

 

ويزداد الجدل عند النظر إلى مشروع إعادة تأهيل وتطوير ميناء المخا نفسه، إذ يثير إسناد مشروع بهذا الحجم والأهمية الاستراتيجية لكيان غير معروف بما فيه الكفاية تساؤلات جدية حول الجهات الداعمة، وتركيبة الشراكات غير المعلنة، فضلًا عن غياب أي إعلان رسمي من وزارة النقل بشأن طرح المشروع في مناقصة عامة تضمن المنافسة والشفافية.

 

ومن زاوية أوسع، يأتي هذا المشروع في سياق سياسي وإقليمي بالغ الحساسية، حيث تربط مصادر غير رسمية ومتداولة شركة بريما بـ AD Ports Group، الذراع المينائية واللوجستية التابعة لحكومة أبوظبي، وهو ما يضع الاتفاقية ضمن إطار أوسع من صراع النفوذ الإقليمي على الموانئ اليمنية والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

 

قراءة اقتصادية

 

في ظل هذا الغموض، تبرز تساؤلات جوهرية حول جدوى المشروع اقتصاديًا وآلية إسناده. وفي هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي، عبدالواحد العوبلي في تصريح خاص لمنصة «الهدهد»، إن ما يثير القلق في مشروع ميناء المخا هو منح عقد المقاولة لشركة غير معروفة، دون اللجوء إلى مناقصة مفتوحة تضمن الحصول على أفضل العروض من حيث الجودة والتكلفة.

وأوضح العوبلي أن مثل هذه المشاريع الاستراتيجية يفترض أن تُدار عبر فتح باب المنافسة أمام شركات محترمة ومؤهلة فنيًا وماليًا، على أن يتم تقييم العروض وفق أسس ومعايير واضحة وخطة تنفيذ مدروسة، تعكس فهمًا حقيقيًا لطبيعة المشروع وأبعاده الاقتصادية والتنموية.

 

وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في اختيار شركة بعينها فحسب، بل في غياب الرؤية والمنهجية، لافتًا إلى أنه بدلًا من العمل وفق نموذج احترافي يُحدَّد فيه ما الذي يراد تنفيذه، وكيف، وبأي معايير، جرى التعاقد مع شركة تبدو أقرب إلى كيان غير معروف، لا يُعرف لها سجل واضح أو قدرة حقيقية على تنفيذ مشروع بهذا الحجم.

 

وأضاف العوبلي أن هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول الهدف من المشروع نفسه، متسائلًا عما إذا كان مشروعًا حقيقيًا يخدم الميناء والمنطقة، أم مجرد مشروع شكلي بلا مضمون أو أثر فعلي.

 

وأكد الباحث الاقتصادي أنه لو تم طرح المشروع كمناقصة شفافة، واستُدعيت شركات مؤهلة وقدمت عروضًا فنية ومالية قوية، لكان بالإمكان تنفيذ مشروع محترم ذي قيمة حقيقية ومعنى واضح، معتبرًا أن ما حدث يعكس نهجًا يفتقر إلى التخطيط والمهنية، ويحوّل مشروعًا استراتيجيًا إلى عبء بدل أن يكون فرصة تنموية حقيقية.

 

سياق سابق مهمل

 

لا يأتي مشروع إعادة تأهيل ميناء المخا الحالي في فراغ، إذ سبق أن طُرح الميناء ضمن مشاريع تنموية كبرى عقب زيارة الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي إلى الصين في أواخر عام 2013، وهي الزيارة التي أسفرت عن توقيع حزمة اتفاقيات وُصفت حينها بأنها من أبرز الإنجازات التنموية لليمن. وشملت تلك الاتفاقيات تعهّد بكين بتمويل مشاريع على مدى عشرين عامًا، وتقديم مساعدات عاجلة، ودعم إعادة تأهيل البنية التحتية، مع تركيز خاص على أهمية الموقع الاستراتيجي لليمن وموانئه الحيوية، وفي مقدمتها ميناء المخا.

 

وفي هذا الإطار، وُضع مخطط لإعادة تأهيل ميناء المخا تضمن إنشاء رصيف بطول 200 متر وبغاطس يتراوح بين 12 و16 مترًا، وتوفير معدات وآليات الشحن والتفريغ اللازمة، بكلفة إجمالية بلغت نحو 53 مليون دولار، ممولة من الحكومة الصينية على شكل قرض ميسّر بفائدة 2%، على أن يبدأ السداد بعد خمس سنوات من إنجاز المشروع، بحسب ما أكده مدير ميناء المخا السابق محمد أحمد صبر في تصريح لصحيفة الجمهورية عام 2014.

 

غير أن هذا المشروع ظل حبيس الأدراج، في ظل غياب الجدية الحكومية وعدم استكمال الإجراءات التنفيذية، ما أدى إلى تعطيل الاستفادة من الميناء كمورد اقتصادي حيوي، وإهدار فرصة كان من شأنها تحسين الإيرادات ورفع القدرة التشغيلية للميناء في وقت مبكر.

 

اليوم، وبعد أكثر من عقد على ذلك الاتفاق غير المنفذ، يعود ميناء المخا إلى الواجهة عبر مذكرة تفاهم جديدة مع شركة بريما الاستثمارية المحدودة، ولكن بكلفة أعلى بكثير، وبآلية تمويل غير واضحة، ومن دون أي ارتباط معلن بالاتفاقيات السابقة مع الصين، الأمر الذي يفتح باب التساؤلات حول أسباب تعطيل الخيار السابق، ودوافع القفز إلى صيغة جديدة أكثر غموضًا وأقل شفافية.

 

الإطار الدستوري والقانوني للاتفاقية

 

من جانبه، يؤكد المحامي والخبير القانوني، عبدالرحمن برمان في تصريحات خاصة لمنصة «الهدهد»، إن الدستور اليمني ينص صراحة على أن المعاهدات والاتفاقيات ذات الطبيعة السيادية، أو تلك التي ترتّب التزامات على الدولة، لا تكون نافذة إلا بعد عرضها على مجلس النواب والموافقة عليها.

وأوضح برمان أن المادة (92) من الدستور تنص على أن مجلس النواب يصادق على المعاهدات والاتفاقيات السياسية والاقتصادية الدولية ذات الطابع العام، أياً كان شكلها أو مستواها، خصوصًا تلك المتعلقة بالدفاع أو التحالف أو السلم والحرب والحدود، أو التي يترتب عليها التزامات مالية على الدولة، أو يتطلب تنفيذها إصدار قانون.

 

وأشار إلى أن الموانئ تُعد من المرافق السيادية للدولة، ما يجعل أي اتفاقية تمنح امتيازًا لأي جهة لبناء أو إعادة تأهيل أو تشغيل أي ميناء، وباتفاقية طويلة المدى تتضمن احتكار التنفيذ أو الإدارة، خاضعة بالضرورة لموافقة مجلس النواب، خاصة إذا تضمنت عنصرًا أجنبيًا.

 

وأضاف أنه بالرجوع إلى بنود ما سُمّي بـ«الاتفاق المبدئي لإعادة تأهيل الميناء»، يتضح أن الشركة المنفذة لديها شركاء دوليون لم يتم تحديدهم، وهو ما يثير تساؤلات قانونية إضافية حول طبيعة الاتفاق وشفافيته. ولفت إلى أن الاتفاقية، من ناحية أخرى، تحمل خزينة الدولة أعباء مالية كبيرة، ما يستوجب خضوعها لرقابة وموافقة السلطة التشريعية.

 

وبيّن برمان أن القانون رقم (23) لسنة 2007 بشأن المناقصات والمزايدات والمخازن الحكومية، وهو القانون الأساسي المنظّم للتعاقدات الحكومية، ينص بوضوح على أن كل مشروع أو تعاقد حكومي يجب أن يُطرح عبر مناقصة عامة، تحقيقًا لمبادئ الشفافية والمنافسة العادلة، وحماية المال العام، ومنع الاحتكار والفساد.

 

وأكد أن هذا القانون يُلزم الجهة المختصة، بعد استكمال الإجراءات القانونية، بالإعلان عن مناقصة لإعادة بناء وإدارة الميناء، وفتح باب التنافس بشفافية، ودراسة جميع العروض واختيار الأفضل منها، مشددًا على أن ما جرى هو تعاقد بالأمر المباشر وبشكل حصري مع شركة وصفها بأنها «وهمية»، لا تمتلك موقعًا إلكترونيًا أو سيرة ذاتية معروفة، ولم يسبق لها تنفيذ مشاريع مماثلة في إعادة تأهيل أو إدارة الموانئ.

 

وحذّر الخبير القانوني من أن هذا الأمر يرفع مستوى المخاطر التي قد تواجهها اليمن مستقبلًا نتيجة هذا الاتفاق، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار وضعف مؤسسات الدولة، وهي ظروف – بحسب قوله – ولّدت أطماعًا لدى بعض الدول للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية والجزر اليمنية بوسائل متعددة، قد تكون مثل هذه الاتفاقيات إحداها.

 

وهنا يظهر التحدي الكبير: بينما تظل الاتفاقيات السابقة والطموحات التنموية معلقة، فإن الواقع الميداني في الميناء يكشف عن ثغرات كبيرة في الرقابة والسيادة الاقتصادية، حيث تتواصل ممارسات التهريب المنظمة للمشتقات النفطية والمواشي وغيرها من السلع، ما يضع المشروع الجديد في مواجهة مباشرة مع هذه التحديات البنيوية.

 

وثائق عن التهريب المنظّم

 

حصلت منصة "الهدهد" على وثيقة رسمية صادرة من رئيس مصلحة الجمارك، عبدالحكيم ردمان القباطي، موجهة إلى رئيس الحكومة سالم بن بريك، الذي يتولى أيضًا رئاسة اللجنة العليا لمكافحة التهريب، بتاريخ 11 أغسطس 2025، بشأن نشاط جمرك ميناء المخاء وظاهرة التهريب. تستند الوثيقة إلى مذكرات من مدير جمرك ميناء المخاء، شاهر محمد علي، تغطي الفترة من أواخر يونيو حتى مطلع أغسطس 2025، وتوضح التجاوزات والمخاطر الاقتصادية للتهريب المنظم.

 

أولاً: الإيرادات الجمركية (2022 – منتصف 2025):

 

بلغ إجمالي الرسوم الجمركية المحصلة خلال هذه الفترة أربعة عشر ملياراً وستمائة واثنين وخمسين مليوناً وستمائة وخمسة وثمانين ألفاً وثمانمائة ريال (14,652,685,800 ريال).

 

عام 2022م: مئة وخمسة وثمانون مليوناً وخمسمائة واثنين وسبعون ألفاً وأربعة وثلاثون ريالاً (185,572,034 ريال) من مستوردات أخرى فقط.

 

عام 2023م: خمسة مليارات وستمائة وتسعة وخمسون مليوناً وثمانمائة وتسعة وسبعون ألفاً وسبعمائة وخمسة ريال (5,659,879,705 ريال)، منها خمسة مليارات وأربعمائة مليون للمشتقات النفطية ومئتان وتسعة عشر مليون للمواشي.

 

عام 2024م: ستة مليارات ومائتان وثلاثة مليون وسبعمائة وستون ألف وثمانمائة وسبعون ريال (6,203,760,870 ريال)، منها ستة مليارات للمشتقات النفطية ومائة وتسعة وعشرون مليون للمواشي.

 

عام 2025م (حتى 30 يونيو): اثنان مليار وستمائة وثلاثة مليون وأربعمائة وثلاثة وسبعون ألف ومائة وواحد وتسعون ريال (2,603,473,191 ريال).

 

تعكس هذه الإيرادات نمواً هائلاً بين عام 2022م وعام 2023م بنسبة تقارب 2950%، ويرجع ذلك أساساً إلى إدخال الرسوم على المشتقات النفطية، بينما تبقى الإيرادات الخاصة بالمواشي متواضعة نسبياً. 

 

ومن اللافت أن الإيرادات لعام 2025م تمثل النصف الأول من العام فقط، ما يشير إلى أن العائد السنوي الكامل قد يصل إلى أكثر من خمسة مليارات ريال، لكنه يبقى دون مستواه المحتمل نتيجة التهريب المنظم الذي يشمل المشتقات النفطية والمواشي وغيرها من السلع.

 

ثانياً: أبرز التجاوزات وظواهر التهريب

 

تشير الوثيقة إلى أن ميناء المخاء يعاني من تهريب منظم ومخالفات جمركية متكررة تشمل:

 

أولاً: المشتقات النفطية:

 

تفريغ النواقل في الخزانات دون رقابة جمركية أو تقديم "منافست"، وعدم خضوع الشحنات للجنة الاقتصادية، مما يؤدي لفقدان كبير للإيرادات.

 

هذا يعني أن الدولة تخسر مليارات الريالات سنوياً، كما أن غياب الرقابة يجعل الميناء بيئة مثالية لتهريب المشتقات النفطية إلى السوق السوداء.

 

ثانياً: السلع المهربة عبر الشريط الساحلي:

 

وتشمل الألعاب النارية، الدراجات النارية، الأسمدة والمبيدات، هياكل السيارات، السجائر، المواشي، والأدوية.

 

هذا النشاط لا يضر بالإيرادات الجمركية فقط، بل يشوه المنافسة العادلة في السوق المحلي، ويعرّض المستهلك لمخاطر صحية واقتصادية كبيرة، ويزيد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.

 

ثالثاً: تهريب المواشي:

 

إعادة تصدير الأبقار القادمة من القرن الأفريقي إلى جهات مجاورة "ترانزيت" دون إشراف جمركي، ودخولها البلاد عبر الشريط الساحلي، وإخراج المواشي ليلاً دون استيفاء الإجراءات الجمركية والصحية، على سبيل المثال:

 

السفينة "دبي" (10 يوليو 2025) كانت محملة بـ أربعمائة رأس من الأبقار، وبتاريخ 29 يوليو 2025 كانت محملة بـ أربعمائة وخمسة وثلاثين رأساً.

 

السفينة "فتح الخير" (12 أبريل 2025) تم إخراج مائة وستة وسبعين رأس بقر دون ترسيم.

السفينة "السعيد" (31 يوليو 2025) تم إخراج مائتين وثمانية وأربعين رأس بقر وسبع مرات وسبع مائة وسبع رأس غنام (107 رأس غنام).

كل ما سبق يعد مخالفة لقانون الجمارك رقم 14 لسنة 1990 وتعديلاته.

 

يخلق هذا النوع من التهريب أضرار لا حصر لها، من التأثير في صحة المواطنين بسبب غياب الفحوص البيطرية، إلى تعزيز شبكة تهريب منظمة تعمل خارج القانون تحت سلطة الميناء.

 

ثالثاً: المعوقات والصعوبات

 

تشير الوثيقة إلى عدة صعوبات تؤثر على فعالية الرقابة الجمركية، منها غياب الحرم الجمركي وعدم توفر مستودعات خاصة بالجمارك، وخضوع مبنى الجمرك لسيطرة القيادات الأمنية، وصعوبة حركة الموظفين داخل الميناء.

 

إلى جانب ذلك، يتم استخدام الميناء كمحطة "ترانزيت" لدخول وخروج البضائع دون فائدة جمركية أو سيادية وغياب المحجر البيطري لفحص المواشي.

 

وانطلاقاً مما سبق، فإن كل هذه العوامل تجعل الميناء بيئة مثالية للتهريب المنظم، حيث يمكن إدخال السلع والحيوانات إلى البلاد أو تصديرها دون دفع أي رسوم جمركية أو خضوع لأي رقابة، مما يعرض الإيرادات الوطنية والسيادة الاقتصادية للخطر المباشر.

 

وقد طالب رئيس مصلحة الجمارك، عبدالحكيم ردمان القباطي، رئيس الوزراء بالتوجيه العاجل لمحافظ تعز والجهات ذات العلاقة من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ظواهر التهريب وتمكين موظفي جمرك ميناء المخاء من ممارسة مهامهم القانونية، إضافة إلى تفعيل الرقابة الجمركية لضمان الحفاظ على الإيرادات والسيادة الاقتصادية.

 

بشكل عام، تكشف تفاصيل هذه الوثيقة أن ميناء المخاء لا يزال يمثل نقطة ضعف اقتصادية كبيرة، نتيجة التهريب المنظم الذي يشمل المشتقات النفطية والمواشي والسلع الأخرى. واستمرار هذه الظاهرة يشير إلى وجود شبكات محلية مترابطة تحت سلطة العميد طارق صالح، التي تتحكم في حركة البضائع بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب الدولة.

 

ومن ناحية أخرى، يطرح استمرار التهريب تساؤلات حول موقف الحكومات المتعاقبة، ودرجة جدية تعاملها مع هذا الفساد، في الوقت الذي تدّعي فيه محاربته بهدف تأمين الموارد الوطنية. كما يضع ذلك الأجهزة الرقابية والقضائية تحت مجهر الاستفهام، بسبب غياب المتابعة والمحاسبة على التجاوزات التي تكبّد خزينة الدولة خسائر كبيرة، وهو ما يستلزم ملاحقة المتورطين وتحميلهم المسؤولية القانونية.

على طاولة مصلحة الجمارك

 

كما حصلت منصة «الهدهد» على وثيقة رسمية صادرة عن جمرك ميناء المخاء – جمارك تعز، موجهة إلى رئيس مصلحة الجمارك عبد الحكيم ردمان القباطي، بتاريخ الثامن والعشرين من يونيو 2024، تحت عنوان: «تقرير عن نشاط جمرك ميناء المخاء وظاهرة التهريب».

 

وتكشف الوثيقة، الموقعة من مدير عام جمرك ميناء المخاء شاهر محمد علي، بصورة مباشرة طبيعة النشاط الجمركي في الميناء، وحجم الإيرادات، وفي الوقت ذاته تضع توصيفًا صريحًا لواقع التهريب المنظم والمعوقات التي تجعل من الميناء بؤرة مفتوحة لانتهاك السيادة الاقتصادية.

أولًا: طبيعة النشاط الجمركي في ميناء المخاء

تفيد الوثيقة أن جمرك ميناء المخاء بدأ مزاولة عمله بعد الحرب في شهر أكتوبر عام 2021، وأن حركة الميناء ظلت محدودة نسبيًا، واقتصرت بشكل أساسي على استيراد الحيوانات الحية (الأبقار والأغنام)، إضافة إلى المشتقات النفطية التي لم يبدأ تحصيل رسومها الجمركية إلا اعتبارًا من عام 2023.

مما يُمكن استنتاجه من الوثيقة أن الميناء ظل لسنوات يعمل دون نشاط تجاري متنوع، وأن إدخال المشتقات النفطية إلى منظومة التحصيل الجمركي جاء متأخرًا، ما يفسر القفزات الكبيرة في الإيرادات لاحقًا، لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول السنوات التي سبقت ذلك، وحجم الموارد التي فُقدت خارج أي إطار رقابي.

 

ثانيًا: الإيرادات الجمركية (٢٠٢٣م – منتصف ٢٠٢٥م)

بحسب التقرير، بلغت إيرادات عام 2023، خلال الفترة من الأول من يناير حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر، إجمالي:

خمسة مليارات وستمائة وتسعة وخمسين مليونًا وثمانمائة وتسعة وسبعين ألفًا وسبعمائة وخمسة ريالات يمنية(٥٬٦٥٩٬٨٧٩٬٧٠٥ ريال)مقارنة بإيرادات عام 2022، التي بلغت:مائة وخمسة وثمانين مليونًا وخمسمائة واثنين وسبعين ألفًا وأربعة وثلاثين ريالًا (١٨٥٬٥٧٢٬٠٣٤ ريال)وبذلك، سجلت الإيرادات في عام ٢٠٢٣م زيادة قدرها: خمسة مليارات وأربعمائة وأربعة وسبعون مليونًا وثلاثمائة وسبعة آلاف وستمائة وواحد وسبعون ريالًا(٥٬٤٧٤٬٣٠٧٬٦٧١ ريال)

أي بنسبة نمو بلغت ألفين وتسعمائة وخمسين في المائة (٢٩٥٠٪) مقارنة بالعام السابق.

وقد توزعت إيرادات عام ٢٠٢٣م على النحو التالي:

المواشي: مائتان وتسعة عشر مليونًا ومائتان وثلاثة وتسعون ألفًا ومائتان وعشرون ريالًا(٢١٩٬٢٩٣٬٢٢٠ ريال).

المشتقات النفطية: خمسة مليارات وأربعمائة وأربعون مليونًا وخمسمائة وستة وثمانون ألفًا وأربعمائة وخمسة وثمانون ريالًا(٥٬٤٤٠٬٥٨٦٬٤٨٥ ريال).

أما في عام 2024، فقد بلغت الإيرادات الجمركية خلال الفترة من الأول من يناير حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر: ستة مليارات ومائتين وثلاثة ملايين وسبعمائة وستين ألفًا وثمانمائة وسبعين ريالًا

(٦٬٢٠٣٬٧٦٠٬٨٧٠ ريال)

وبنسبة زيادة قدرها تسعة فاصلة ستة في المائة (٩٫٦٪) عن عام ٢٠٢٣م، منها:

المشتقات النفطية: ستة مليارات وثلاثة وسبعون مليونًا وتسعمائة وستة وأربعون ألفًا وأربعمائة وستة ريالات

(٦٬٠٧٣٬٩٤٦٬٤٠٦ ريال).

المواشي: اثنا عشر مليونًا وتسعمائة وواحد وثمانون ألفًا وأربعمائة وستة وأربعون ريالًا

(١٢٬٩٨١٬٤٤٦ ريال).

وفي عام 2025، وخلال الفترة من الأول من يناير وحتى الثلاثين من يونيو فقط، بلغت الإيرادات:

مليارين وستمائة وثلاثة ملايين ومائة وثلاثة وسبعين ألفًا ومائتين وأربعة ريالات

(٢٬٦٠٣٬١٧٣٬٢٠٤ ريال)

منها:المشتقات النفطية: مليارين وخمسمائة وسبعة ملايين وستمائة وتسعين ألفًا وأربعمائة وثلاثة وستين ريالًا(٢٬٥٠٧٬٦٩٠٬٤٦٣ ريال).

 

تعكس هذه الأرقام اعتمادًا شبه كلي على المشتقات النفطية كمصدر للإيرادات، مقابل تراجع حاد في عوائد المواشي، وهو ما يتناقض مع حجم الشحنات الحيوانية التي تدخل الميناء فعليًا. هذا التفاوت يعزز فرضية أن جزءًا كبيرًا من نشاط المواشي يتم خارج نطاق الترسيم الجمركي، وأن ما يُحصّل لا يمثل الحجم الحقيقي للواردات.

 

ثالثًا: المشتقات النفطية وآلية التفريغ

تقر الوثيقة بأن نواقل المشتقات النفطية يتم تفريغها من وسط البحر مباشرة إلى خزانات المحطة البخارية دون إشراف جمركي، ودون تقديم المستندات أو “المنافست” لإدارة الجمرك، كما لا تخضع هذه الشحنات لرقابة اللجنة الاقتصادية أو المكتب الفني، ويتم الترسيم لاحقًا وبفارق زمني طويل اعتمادًا على مستندات مقدمة بعد التفريغ.

هذا الأسلوب يمثل ثغرة خطيرة في منظومة الرقابة، إذ يسمح بالتلاعب بالكميات، ويجعل الترسيم الجمركي إجراءً شكليًا لاحقًا، ما يفتح الباب أمام فقدان ملايين – وربما مليارات – الريالات من إيرادات الدولة، ويحوّل الميناء إلى نقطة عبور شبه حرة للوقود.

رابعًا: التهريب وآثاره الاقتصادية والاجتماعية

تعرف الوثيقة التهريب بأنه إدخال أو إخراج البضائع خارج النظام الرسمي للضرائب والجمارك، وتؤكد أن هذه الظاهرة تسببت في:

فقدان الإيرادات العامة.

تشويه المنافسة العادلة.

إضعاف الاقتصاد الوطني وزيادة البطالة.

تعميق الفجوة الاجتماعية.

أضرار بيئية جسيمة نتيجة تهريب المواد الكيميائية والمبيدات.

إغراق السوق بمنتجات غير مطابقة للمواصفات.

وتشير الوثيقة إلى أن السواحل اليمنية الممتدة من رأس العارة والمخاء وباب المندب وذباب باتت مسرحًا واسعًا للتهريب، مستفيدة من القرب الجغرافي من جيبوتي والصومال وإريتريا، ومن طبيعة ميناء جيبوتي الحر.

هذا الوصف يضع ميناء المخاء في قلب شبكة تهريب إقليمية، لا تقتصر آثارها على تعز أو الساحل الغربي، بل تمتد لتقويض الاقتصاد الوطني بأكمله، وتكشف أن المشكلة ليست تقنية بل بنيوية وسيادية.

خامسًا: المعوقات والصعوبات

تعدد الوثيقة جملة من المعوقات، أبرزها:

غياب الحرم الجمركي والمستودعات.

سيطرة القيادات الأمنية على مبنى الجمرك.

صعوبة حركة الموظفين.

استخدام الميناء كمحطة “ترانزيت”.

إدخال وإخراج الأبقار المهربة دون ترسيم.

خروج بضائع ليلاً (أسمدة، سجائر، مبيدات، ألعاب نارية).

غياب المحجر البيطري.

هذه المعوقات لا تبدو عرضية، بل تشير إلى بيئة عمل مصممة عمليًا لتعطيل الرقابة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهة التي تستفيد من بقاء هذا الوضع، ومن يمتلك القرار الأمني الفعلي داخل الميناء.

وخلاصة هذه الوثيقة بمضمونها وأرقامها، أن ميناء المخاء لا يزال مصدرًا نشطًا للتهريب المنظم، وأن الإيرادات المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للنشاط التجاري فيه، كما يشير استمرار هذه الاختلالات، رغم وضوحها وتوثيقها رسميًا، إلى وجود شبكات نفوذ محلية تعمل تحت سلطة العميد طارق صالح، تسيطر على الميناء وتوجه حركة البضائع بما يخدم مصالحها، على حساب الدولة وإيراداتها وسيادتها الاقتصادية.

 

شكاوى دون استجابة

 

تكشف وثيقة رسمية صادرة عن جمرك ميناء المخاء – مكتب جمارك تعز، وموجهة إلى رئيس مصلحة الجمارك عبد الحكيم ردمان القباطي، بتاريخ الثالث عشر من يوليو 2025، عن استمرار التجاوزات غير القانونية والتهريب المنظم داخل الميناء، رغم رفع بلاغات سابقة بشأنها إلى قيادة مصلحة الجمارك.

وتشير الوثيقة، التي حصلت عليها منصة "الهدهد"، إلى أن إدارة جمرك ميناء المخاء سبق أن أبلغت رسميًا عن ما وصفته بـ "العمل خارج الأطر والإجراءات القانونية من قبل إدارة الميناء"، إلا أن تلك الممارسات لم تتوقف، بل استمرت وتكررت، وبصورة أكثر وضوحًا، خصوصًا في ملف استيراد وتهريب الأبقار.

تؤكد الوثيقة أن من بين أبرز التجاوزات القيام بإعادة تصدير الأبقار الواصلة عبر البحر والساحل إلى جهات قريبة ومجاورة، دون استكمال الإجراءات الجمركية، وهو ما يشير إلى استخدام الميناء كنقطة عبور (ترانزيت) غير خاضعة للرقابة، بما يتعارض مع القوانين النافذة.

وتسرد الوثيقة حالتين موثقتين:

في يوم الخميس الموافق العاشر من يوليو 2025، وصلت الزعيمة المسماة «دبي» إلى ميناء المخاء، وعلى متنها أربعمائة رأس من الأبقار، حيث جرى إخراج الشحنة ليلاً إلى حظائر المستفيدين دون استكمال الإجراءات الجمركية المنصوص عليها في قانون الجمارك.

وفي يوم السبت الموافق الثاني عشر من أبريل 2025، وصلت الجلبة المسماة «فتح الخير»، وكانت محمّلة بـ مائة وستة وسبعين رأسًا من الأبقار، وتم كذلك إخراجها ليلاً إلى الجهات المستفيدة دون ترسيم جمركي أو استكمال للإجراءات القانونية.

وتؤكد الوثيقة أن هذه الوقائع تُعد مخالفة صريحة لقانون الجمارك رقم 14 لسنة 1990، وتعديلاته بالقانون رقم 12 لسنة 2010.

 

تكشف هذه الوقائع أن الأمر لا يتعلق بحوادث عرضية أو أخطاء إجرائية، بل بنمط متكرر من إخراج الشحنات الحيوانية ليلاً، وفي توقيتات تقل فيها الرقابة، وبطريقة توحي بوجود تنسيق مسبق بين جهات داخل الميناء والمستفيدين من الشحنات.

كما أن إعادة تصدير الأبقار أو تمريرها خارج النظام الجمركي يحرم خزينة الدولة من الرسوم المستحقة، ويشكل خطرًا صحيًا مباشرًا على المواطنين في ظل غياب الفحص البيطري، فضلًا عن كونه بابًا لتمويل شبكات غير خاضعة للدولة.

وفي ختام الوثيقة، يكتفي مدير عام جمرك ميناء المخاء، شاهر محمد علي، برفع الأمر إلى رئيس مصلحة الجمارك للاطلاع والتوجيه بما يراه مناسبًا، وهو ما يعكس – بحسب مراقبين – محدودية صلاحيات الجهاز الجمركي في مواجهة سلطات الأمر الواقع التي تسيطر على الميناء.

تكشف هذه الوثيقة، عند قراءتها إلى جانب الوثائق السابقة، أن ميناء المخاء لا يزال يعمل خارج السيطرة الجمركية الكاملة للدولة، وأن التهريب، خصوصًا في ملف المواشي، يتم بشكل منظم وتحت غطاء إداري وأمني، في منطقة تخضع لسيطرة قوات العميد طارق صالح، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة السلطة الفعلية في الميناء، ومن المستفيد الحقيقي من استمرار هذا النزيف المالي والسيادي.

 

في السياق، تكشف وثيقة رسمية صادرة عن جمرك ميناء المخاء – مكتب جمارك تعز، وموجّهة مباشرة إلى مدير عام ميناء المخاء، بتاريخ الثالث من أغسطس 2025، عن واقعة تهريب موثقة لشحنة مواشٍ دخلت الميناء وتم إخراجها دون أي التزام بالإجراءات القانونية أو الجمركية.

وتشير الوثيقة إلى أن الزعيمة المسماة «السعيد» وصلت إلى ميناء المخاء بتاريخ الحادي والثلاثين من يوليو 2025، وعلى متنها شحنة مكونة من مائة وسبعة رؤوس من الأغنام (١٠٧ رؤوس) و مائتين وثمانية وأربعين رأسًا من الأبقار (٢٤٨ رأسًا).

وبحسب ما ورد في الخطاب الرسمي، فقد جرى إخراج كامل الشحنة من قبل إدارة الميناء دون استكمال الإجراءات القانونية المعتمدة، ودون استيفاء الرسوم الجمركية والعوائد الأخرى المستحقة على الشحنة، وهو ما اعتبره جمرك ميناء المخاء مخالفة صريحة للمادة الثالثة والعشرين (٢٣) من قانون الجمارك.

 

لم تكتفِ الوثيقة بوصف المخالفة إجرائيًا، بل صنّفت الواقعة قانونيًا على أنها جريمة تهريب، وفقًا لأحكام المادة (٢٦٩) الفقرات (واحد، اثنين، ثلاثة) من قانون الجمارك رقم 14 لسنة ألف 1990، وتعديلاته بالقانون رقم 12 لسنة 2010.

ويُعد هذا التوصيف بالغ الأهمية، لأنه ينقل القضية من مستوى التجاوز الإداري إلى مستوى المسؤولية الجنائية المباشرة، ويضع إدارة الميناء أمام تبعات قانونية واضحة.

وفي لهجة غير معتادة في المخاطبات الرسمية، حمّل مدير عام جمرك ميناء المخاء، شاهر محمد علي، إدارة ميناء المخاء المسؤولية الكاملة عن هذه الإجراءات غير القانونية، مؤكدًا أن ما جرى تم بعلم الإدارة وبممارساتها المباشرة، وليس نتيجة تصرفات فردية أو أخطاء عرضية.

وقد جرى تعميم نسخة من الخطاب إلى رئيس مصلحة الجمارك، ومدير عام مكتب جمارك محافظة تعز، ما يعكس خطورة الواقعة وأهميتها المؤسسية.

 

تكشف هذه الوثيقة، عند ربطها بالوثائق السابقة المتعلقة بزعيمات «دبي» و «فتح الخير»، عن نمط متكرر ومنهجي في تهريب المواشي عبر ميناء المخاء، يقوم على إدخال الشحنات ثم إخراجها دون ترسيم، وبغطاء إداري من إدارة الميناء نفسها.

كما أن توصيف الواقعة كتهريب وفق نصوص قانونية واضحة ينسف أي محاولة لتبرير ما يحدث بأنه خلل إداري أو نقص إمكانات، ويؤكد أن ميناء المخاء يعمل – في هذا الملف على الأقل – خارج سلطة الدولة الجمركية، وفي ظل غياب الردع والمساءلة.

وتكتسب هذه الوقائع بعدًا أخطر في ظل خضوع الميناء لسلطة قوات العميد طارق صالح، ما يثير تساؤلات جوهرية حول من يتحكم فعليًا في حركة البضائع، ومن يستفيد من تحويل الميناء إلى بوابة تهريب منظمة تُستنزف من خلالها الإيرادات العامة وتُقوّض السيادة الاقتصادية للدولة.

 

في سياق متصل، تكشف مذكرة رسمية صادرة عن رئيس مصلحة الجمارك، عبد الحكيم ردمان القباطي، والموجهة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ورئيس اللجنة العليا لمكافحة التهريب، سالم صالح بن بريك، حجمًا أخطر من عمليات التهريب عبر ميناء المخاء، وتؤكد أن ما يجري لم يعد حالات معزولة، بل نمطًا متكررًا من التهريب المنظم.

 

تتناول المذكرة، الصادرة عن قطاع الضابطة الجمركية والمؤرخة في الثالث من سبتمبر 2025، واقعة تهريب شحنة أبقار كبيرة عبر الميناء.

 

وبحسب نص المذكرة، واستنادًا إلى مذكرة مدير عام جمرك ميناء المخاء رقم (33) بتاريخ 24 أغسطس 2025، فقد دخلت إلى ميناء المخاء بتاريخ 22 أغسطس 2025 الزعيمة المسماة «نصر الإسلام»، وعلى متنها خمسمائة رأس من الأبقار (500 رأس أبقار).

 

وتؤكد الوثيقة أن هذه الشحنة تم تهريبها بالكامل من قبل إدارة ميناء المخاء، دون استكمال إجراءات الترسيم الجمركي، ودون تحصيل الضرائب والعوائد الأخرى المستحقة للدولة.

والأخطر أن المذكرة تنص صراحة على أن هذه الواقعة ليست الأولى، بل سبق وتكررت أكثر من مرة، ما ينفي تمامًا فرضية الخطأ أو الاجتهاد الإداري، ويثبت وجود تهريب منظم وممنهج، حتى أن المذكرة وصفت الواقعة بأنها تهريب منظم، واستندت في ذلك إلى نصوص قانونية صريحة، هي:

المادة (23) والمادة (189) والمادة (269)، الفقرات (واحد، اثنان، ثلاثة) من قانون الجمارك رقم 14  لسنة 1990، وتعديلاته بالقانون رقم 12 لسنة 2010، ويعني هذا التوصيف أن ما جرى لا يندرج ضمن المخالفات الإدارية، بل يمثل جريمة تهريب يعاقب عليها القانون، وتستوجب المساءلة الجنائية المباشرة.

 

وبناءً على ما سبق، طالب رئيس مصلحة الجمارك بالتوجيه الصريح إلى كل من: محافظ محافظة تعز ووزير النقل لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مدير عام ميناء المخاء، على خلفية ما نُسب إليه من تهريب للحيوانات، بما في ذلك؛ تحريك المساءلة القانونية ومتابعة تحصيل الرسوم الجمركية والعوائد الأخرى على الأبقار التي تم تهريبها

وقد جرى تعميم المذكرة إلى: وزير النقل ومحافظ محافظة تعز ومدير عام مكتب جمارك تعز ومدير عام جمرك ميناء المخاء ورئيس النيابة بمحافظة تعز. 

 

تكشف هذه المذكرة، عند قراءتها مع الوثائق السابقة المتعلقة بالزعمات «دبي» و«فتح الخير» و«السعيد»، أن ميناء المخاء تحوّل فعليًا إلى منصة تهريب مفتوحة، خصوصًا في ملف المواشي، وبأحجام كبيرة تصل إلى خمسمائة رأس في الشحنة الواحدة.

ويعني تهريب هذا العدد الضخم:

خسارة ملايين الريالات من الرسوم الجمركية والعوائد وإدخال حيوانات دون أي فحص بيطري، بما يشكل خطرًا صحيًا مباشرًا، فضلاً عن ترسيخ اقتصاد ظل يعمل خارج الدولة والقانون.

 

كما أن توجيه الاتهام مباشرة إلى إدارة ميناء المخاء، وتكرار الإشارة إلى أن الوقائع «ليست الأولى»، يضع المسؤولية السياسية والأمنية في دائرة أوسع، لا سيما أن الميناء يخضع لسيطرة قوات العميد طارق صالح، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا في صلب التحقيق: كيف يستمر هذا التهريب المنظم، رغم التوثيق الرسمي، والمخاطبات المتكررة، وتوصيفه القانوني كجريمة؟

 

في المحصلة، تمثل المذكرة دليل إدانة مكتمل على وجود شبكة تهريب تعمل من داخل الميناء، وبعلم جهات رسمية، ودون أي ردع فعلي حتى لحظة تحرير هذه الوثائق.

عن مذكرة تطوير الميناء

 

في مقابل سيل المذكرات الرسمية التي توثق التهريب المنظم في ميناء المخاء، حصلت منصة «الهدهد» على مذكرة رسمية صادرة عن محافظ محافظة تعز، نبيل عبده شمسان، بتاريخ 29 نوفمبر 2025، تتعلق بـ"مشروع مذكرة تفاهم لتطوير وتشغيل ميناء المخاء".

 

تحمل المذكرة الموجّهة إلى رئيس الغرفة التجارية والصناعية ورئيس المجلس الاقتصادي التنموي المحلي، شوقي أحمد هائل، عنوانًا لافتًا:«مشروع مذكرة التفاهم بين مؤسسة موانئ البحر الأحمر – ميناء المخاء وشركة بريما الاستثمارية المحدودة».

 

 

تشير المذكرة إلى أن مكتب المحافظ تلقى خطاب شركة بريما الاستثمارية المحدودة رقم (122)، المؤرخ في 20 نوفمبر 2025، والذي تضمن طلب إبرام مذكرة تفاهم أولية مع الشركة، تمهيدًا لتطوير وتشغيل ميناء المخاء.

 

وبحسب المذكرة، فقد وجّه المحافظ نائب رئيس مؤسسة موانئ البحر الأحمر للشؤون الفنية – مدير عام ميناء المخاء، للاطلاع على طلب الشركة من كافة الجوانب الفنية والإدارية والمالية، وتقديم رأي متكامل، وذلك بموجب خطاب رسمي رقم (1136)، بتاريخ 23 نوفمبر 2025.

 

 

توضح المذكرة أن السلطة المحلية تلقت رداً من إدارة الميناء بتاريخ 29 نوفمبر 2025، والذي تضمن:

التأكيد على طلب الشركة اعتماد تطوير وتشغيل الميناء والإشارة إلى وجود دراسات متكاملة لتطوير الميناء، تشمل: دراسة أولى لإعداد مخطط عام للميناء ومساحاته التطويرية ودراسة تنفيذية للمرحلة الأولى والمرحلة الصفرية.

 

وجرى التأكيد على أن هذه الدراسات تم تسويقها خلال الفترة الماضية، وعُقدت بشأنها لقاءات متعددة مع الغرفة التجارية الصناعية ورجال المال والأعمال، كما تؤكد المذكرة أن شركة بريما الاستثمارية أبدت رغبتها في الاستثمار بالشراكة مع شركات دولية، وأن الجهات المختصة في: وزارة النقل مؤسسة موانئ البحر الأحمر، قامت بتقييم قدرة الشركة وكفاءتها الفنية ومركزها المالي، وخلصت إلى أنها:«مقبولة بامتياز وتحقق التطلعات لتشغيل وتطوير ميناء المخاء ليكون ميناءً متميزًا».

 

اختتم محافظ تعز مذكرته بطلب صريح إلى رئيس الغرفة التجارية والمجلس الاقتصادي التنموي المحلي، يقضي بـ: الاطلاع على مشروع مذكرة التفاهم وعرضها على المجلس وموافاة مكتب المحافظ بالملاحظات، وذلك تمهيدًا للمضي في إجراءات اعتماد المشروع.

 

تكشف هذه المذكرة مفارقة جوهرية في إدارة ميناء المخاء؛ ففي الوقت الذي: توثق فيه مصلحة الجمارك تهريب المواشي والمشتقات النفطية، وتُحمّل فيه إدارة الميناء المسؤولية المباشرة عن تهريب منظم ومتكرر

تُحال فيه الوقائع إلى رئيس الحكومة ووزير المالية والنيابة، نجد أن الإدارة ذاتها تشارك في تقديم تقييم إيجابي لشركة استثمارية، وتؤكد جاهزية الميناء للتطوير والتشغيل وفق «معايير متميزة».

 

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الوثيقة ليس عن شركة بريما بحد ذاتها، بل عن بيئة الميناء:

كيف يمكن الحديث عن تطوير وتشغيل ميناء يعاني من غياب الحرم الجمركي؟ كيف يُطرح كميناء استثماري، بينما يستخدم فعليًا كمنفذ تهريب منظم؟

 

وهل يمكن لأي مشروع تطوير أن ينجح دون معالجة الخلل الإداري والأمني والقانوني الذي تكشفه وثائق الجمارك؟

 

يُنظر إلى إدراج مشروع تطوير الميناء في هذا التوقيت، وبهذه الصيغة، كمحاولة إعادة تدوير المشكلة بدل حلّها، عبر الانتقال مباشرة إلى خطاب الاستثمار، دون مساءلة جدية عن: من يدير الميناء اليوم وكيف تُدار حركة الدخول والخروج، ولماذا فشلت الدولة في فرض سيادتها الجمركية عليه حتى الآن.

 

في المحصلة، لا يمكن فصل مشروع «تطوير ميناء المخاء» عن ملف التهريب المفتوح، لأن أي استثمار حقيقي يبدأ أولًا بإغلاق منافذ الفساد، لا بتجاوزها.

 

وضمن سلسلة الوثائق الرسمية التي تكشف التباين الحاد بين الخطاب الإداري والواقع الميداني في ميناء المخاء، حصلت منصة «الهدهد» على رد رسمي صادر عن مؤسسة موانئ البحر الأحمر – ميناء المخاء، موجّه إلى محافظ محافظة تعز ورئيس المجلس المحلي، نبيل عبده شمسان، بتاريخ 29 نوفمبر 2025.

ويأتي هذا الخطاب ردًا على رسالة المحافظ رقم (1136) المؤرخة في 23 نوفمبر 2025، والمتعلقة بطلب شركة بريما للاستثمارات المحدودة إبرام مذكرة تفاهم مع مؤسسة موانئ البحر الأحمر لتطوير وتشغيل ميناء المخاء.

 

يفيد الخطاب بأن المؤسسة تمتلك دراسات متكاملة لتطوير الميناء، تشمل: دراسة أولى لإعداد مخطط عام للميناء ومساحاته التطويرية، بمساحة إجمالية قدرها خمسة وثلاثون مليون متر مربع، وقد أُنجزت من قبل المكتب الاستشاري الهندسي المصري «عبيدو»، المتخصص في دراسات الموانئ، بالإضافة إلى دراسة تنفيذية للمرحلة الأولى والمرحلة الصفرية، أعدّتها مجموعة HS للاستشارات الهندسية.

وتؤكد المؤسسة أنها عملت على تسويق هذه الدراسات خلال الفترة الماضية، وعقدت لقاءات متعددة مع الغرفة التجارية والصناعية بمحافظة تعزورجال المال والأعمال اليمنيين.

 

بحسب الخطاب، أبدت شركة بريما اليمنية للاستثمارات المحدودة رغبتها وقدرتها على الاستثمار في الميناء بالشراكة مع شركائها الدوليين، وقد خلصت التقييمات التي أُجريت بمشاركة مختصين من وزارة النقل ومختصين من مؤسسة موانئ البحر الأحمر إلى أن الشركة: تتمتع بكفاءة فنية وتمتلك مركزًا ماليًا مناسبًا «مقبولة بامتياز» من حيث القدرة على تنفيذ المشروع.

كما أشار الخطاب إلى أن الشركة ستخضع لنقاشات مستفيضة عند بدء المفاوضات الرسمية، بحضور الجهات الحكومية المختصة، ووفقًا لما يحدده قانون الموانئ اليمنية.

وفي ختام الخطاب، أكدت المؤسسة، ممثلة بميناء المخاء، أنها ترى في شركة بريما:«تحقيقًا لتطلعات تشغيل وتطوير ميناء المخاء ليكون ميناءً متميزًا يقدم الخدمات لكل أبناء اليمن، وللمهتمين بخدماته، ولما فيه الصالح العام».

وقد تم توقيع الخطاب من قبل الدكتور عبد الملك إسماعيل الشرعبي، نائب رئيس مؤسسة موانئ البحر الأحمر للشؤون الفنية – المدير العام لميناء المخاء

تكشف هذه الوثيقة، عند قراءتها في سياقها الكامل، مفارقة خطيرة في إدارة ميناء المخاء؛ إذ بينما تؤكد مؤسسة موانئ البحر الأحمر امتلاكها دراسات تطوير ضخمة بمساحة خمسة وثلاثين مليون متر مربع وتمنح تقييمًا إيجابيًا عالي المستوى لشركة استثمارية وتتحدث عن ميناء «متميز» يخدم الصالح العام، فإن الوثائق الجمركية المتزامنة زمنيًا تُظهر أن الميناء نفسه: يُستخدم كمنفذ تهريب منظم للمواشي والمشتقات النفطية وتخرج منه شحنات ليلاً دون ترسيم جمركي وتغيب فيه الرقابة الجمركية والبيطرية، وتُحمّل إدارته مسؤولية مباشرة عن مخالفات جسيمة لقانون الجمارك.

المفارقة الأعمق أن المدير العام للميناء، الموقع على خطاب التقييم الإيجابي للتطوير، هو ذاته الطرف الذي ورد اسمه في مذكرات رسمية مرفوعة إلى: رئيس الحكومة ووزير المالية ورئيس اللجنة العليا لمكافحة التهريب والنيابة العامة بوصفه مسؤولًا عن تهريب منظم ومتكرر.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا تجيب عليه دراسات التطوير ولا خطابات الاستثمار: هل يمكن تطوير ميناء دون استعادة سيادة الدولة عليه أولًا؟

إن أي مشروع تطوير حقيقي لا يبدأ بالمخططات الهندسية ولا بالمذكرات الاستثمارية، بل يبدأ بـ: ضبط الإدارة وإنهاء التهريب وتمكين الجمارك وإخضاع الميناء للقانون ودون ذلك، فإن الحديث عن «ميناء متميز» يبقى توصيفًا نظريًا، لا يعكس الواقع الذي تكشفه الوثائق الرسمية نفسها.

بين الاستثمار والتهريب: سؤال السيادة

 

تُظهر التحقيقات والوثائق الرسمية التي حصلت عليها منصة "الهدهد" أن ميناء المخا لا يزال يعاني من خلل جسيم في منظومة الرقابة والحوكمة، ما يحوّله إلى بؤرة للتهريب المنظم، خصوصًا في المشتقات النفطية والمواشي والسلع الأخرى. هذا الواقع يكشف هشاشة الدولة في فرض سيادتها الاقتصادية على مشاريع استراتيجية حيوية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول الجهات التي تتحكم فعليًا في إدارة الميناء ومن تستفيد من استمرار هذا الوضع.

 

ورغم أهمية مشروع إعادة تأهيل الميناء من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، إلا أنه يظل محفوفًا بالغموض، بدءًا من الشركة المنفذة، وطبيعة الشراكات الدولية، وحتى آلية التمويل والتزاماتها المالية، وهو ما يضعه في قلب صراع النفوذ الإقليمي على الموانئ اليمنية والممرات البحرية الحيوية.

في النهاية، يطرح هذا التحقيق تساؤلاً جوهريًا: هل ستتمكن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من فرض سيادة القانون والرقابة المؤسسية على ميناء المخا، أم أن النفوذ المحلي والإقليمي سيستمر في رسم مصير هذا الميناء الحيوي بعيدًا عن مصالح الدولة والمواطن؟