في ندوة "الهدهد".. البكيري: الإمامة نقيض الدولة الوطنية في اليمن وإسقاط "الحوثي" مدخل وحيد لوحدة حقيقية
أكد الباحث والمحلل السياسي اليمني، "نبيل البكيري"، أن عودة "فكرة الإمامة" أعادت شبح التشطير، والانقسام، والتجزئة إلى المشهد اليمني، مشدداً على أن المدخل الوحيد لتحقيق وحدة وطنية حقيقية واستعادة الهوية اليمنية الجامعة يكمن في إسقاط الانقلاب الإمامي الحوثي.
وأوضح "البكيري" في ندوة حوارية نظمتها منصة "الهدهد" الرقمية عبر مساحة في منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، أن"الإمامة" هي النقيض الموضوعي والوجودي لفكرة الوحدة الوطنية في اليمن، واصفاً إياها بأنها "فكرة منقطعة وانعزلية" على الصعد "الفكرية والدينية، المذهبية، الثقافية، والوطنية".
وقال إن خطورتها تكمن في كونها تصطدم مباشرة مع "الاجتماع السياسي اليمني"، وتتنكر لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على مداميك الوحدة، النظام الجمهوري، والتعددية الديمقراطية والثقافية والسياسية.
وأكد "البكيري" في الندوة التي حملت عنوان "الوحدة اليمنية والدولة الوطنية المنشودة"، وذلك بالتزامن مع حلول الذكرى الـ36 لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، أن الإمامة تمثل "الجذر التأسيسي" لحالة الانقسام الجغرافي والسياسي بين شمال اليمن وجنوبه في التاريخ الحديث.
وبهذا الخصوص استدل "البكيري" باتفاقيتي عام 1911 (دعان) وعام 1934، اللتين وُقعتا في العهد الإمامي مع القوى الاستعمارية، مشيراً إلى أن الاتفاقتين ساهمتا بشكل مباشر في تكريس تجزئة الجغرافيا اليمنية.
ولفت إلى أن خارطة الانقسام الحدودية والتشطيرية السابقة لم يكسر جمودها ويتجاوزها سوى صعود "الحركة الوطنية اليمنية"، التي قادت قوافل النضال لتتوج جهودها بقيام الثورة النظامية ومن ثم إعادة تحقيق الوحدة المباركة.
وحذر من خطورة المشهد الراهن قائلاً: "إن عودة الإمامة اليوم بهذا الشكل الذي نراه، تعني بالضرورة عودة شبح الانفصال، غير أن هذا الانفصال لن يتوقف هذه المرة عند الحدود الجغرافية السابقة بين الشمال والجنوب، بل سيتجاوز ذلك ليذهب بالبلاد نحو تفكيك مجتمعي ومناطقي أبعد بكثير".
مأزق تأريخي
ووصف "البكيري" الواقع اليمني الحالي بـ"المأزق التاريخي" الذي يستدعي من كافة المكونات والقوى اليمنية المسارعة إلى لمّ الصفوف وتوحيد الجهود؛ من أجل استعادة القرار السياسي المختطف، وإعادة إحياء الطموحات الوطنية المتمثلة في بناء دولة جمهورية، ديمقراطية، وحديثة تتسع لجميع مواطنيها.
وقال إن استمرار "الإمامة" سيقود اليمن إلى أخطار متعددة وصراعات متناقضة، معتبراً أنها تمثل النقيض الموضوعي لفكرة الدولة والوحدة والجمهورية، ولكل الثوابت الوطنية التي ناضلت الحركة الوطنية اليمنية من أجلها طوال القرن العشرين.
الدولة الوطنية
وعن جذور تشكّل الدولة الوطنية، أشار الباحث "البكيري" إلى أنه خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، نجحت الحركة الوطنية اليمنية في صياغة الرؤية الفكرية للدولة الوطنية الحديثة، بالتزامن مع حراك مماثل قادته النخب العربية في بلدان كالعراق ومصر لبناء مجتمعات القومية والدولة الحديثة.
ولفت إلى أن تلك الجهود الفكرية المبكرة أثمرت عن ولادة "الحركة الوطنية" التي تبنت مشروع الدولة، وتمخضت لاحقاً عن قيام ثورتين تاريخيتين في مسار اليمن السياسي الحديث، هما ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 1962 في الشمال، وثورة 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1963 في الجنوب.
وقال إن "هذه الثورات صاغت وجدان اليمنيين، وشكلت الامتداد الطبيعي لأحلامهم وتطلعاتهم التي بدأت مع مطلع القرن العشرين، سواء في الداخل اليمني شمالاً وجنوباً، أو في مناطق الشتات والمهجر".
وفي تشخيصه للمهددات الفكرية التي تواجه الكيان الوطني، أشار البكيري إلى وجود "استثناء سلبي" في التاريخ اليمني مقارنةً بالحالة العربية العامة، يتمثل في بروز ما وصفه بـ"مرض الطائفية السياسية" أو "الهاشمية السياسية"، مؤكداً أن "الهاشمية السياسية في اليمن تشكل نقيضاً ثقافياً وفكرياً وسياسياً مطلقاً لكل ما له علاقة بأسس وقيم الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية".
الوحدة ثمرة كفاح طويل
وبشأن الوحدة اليمنية، أكد الباحث "البكيري" أنها لم تكن حدثاً عارضاً، بل جاءت ثمرةً لجهد وجهاد وكفاح طويل خاضته أجيال متعاقبة من اليمنيين على امتداد القرن العشرين، مشيراً إلى أن أولى بذور الحركة الوطنية بدأت تتشكل مبكراً في المدن الرئيسية كعدن وصنعاء، فضلاً عن المنافي والشتات.
وأوضح أن حلم الوحدة ظل يراود الوجدان اليمني طويلاً، وشكّل أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية التي ناضلت من أجلها قامات ورموز وطنية فذة، حتى تكلل ذلك الكفاح بتحقيق المنجز التاريخي في الثاني والعشرين من أيار/ مايو 1990.
وربط بين المنجز الوحدوي والتحولات الجيوسياسية، لافتاً إلى أن جيل الوحدة لم يكن بمعزل عن المتغيرات التي طرأت على الجغرافيا السياسية في العالم العربي والمجتمع الدولي إبان تلك الحقبة، حيث تزامنت طموحات اليمنيين مع بزوغ فكرة "الدولة الوطنية" كدولةٍ لـ"ما بعد الاستعمار"، وهي نموذج الدولة الحديثة القائم اليوم.
وأشار إلى أن منجز الوحدة هو منجز أجيال من اليمنيين الذين ليسوا بمعزل عن التحولات والتطورات التي طرأت على الجغرافيا السياسية في العالم العربي والعالم بشكل عام حينما راودتهم أحلام نشأة الدولة الوطنية كدولة ما بعد الاستعمار وهي الدولة الحديثة التي نراها اليوم في العالم من حولنا.
وقال، "إن الوحدة اليمنية، والنظام الجمهوري، والتعددية السياسية، تمثل مجتمعةً الركائز الأساسية للدولة المنشودة التي حلم بها اليمنيون، وناضلوا لأجلها على اختلاف مشاربهم ومكوناتهم وتياراتهم، الفكرية والثقافية والسياسية والدينية".