تحقيق استقصائي: ملايين الدولارات من الثروة السمكية اليمنية بيد شركات إماراتية خارج خزينة الدولة

2026-01-20 13:19 الهدهد/ متابعات خاصة
تحقيق استقصائي: ملايين الدولارات من الثروة السمكية اليمنية بيد شركات إماراتية خارج خزينة الدولة

كشف تحقيق استقصائي تحت عنوان «دم السردين اليمني العابر للحدود» كيف تحولت أسماك السردين إحدى أهم الثروات البحرية في اليمن، من مصدر غذاء ورزق رئيسي لمئات الآلاف من الصيادين إلى مادة خام تستنزف لصالح عشرة مصانع طحن وشركات ذات نفوذ عابر للحدود، في ظل قرارات حكومية متقلبة وغياب فعلي للرقابة.

التحقيق أعده الصحفي محمد حفيظ، وأنتج بدعم وتمويل من مركز بوليتزر الأمريكي، واعتمد على عمل ميداني استمر ثمانية أشهر على امتداد السواحل الشرقية لليمن من حضرموت إلى المهرة، مستندًا على وثائق رسمية، وتقارير لجان حكومية، وشهادات صيادين ومسؤولين وخبراء بيئيين، إضافة إلى تتبع مسارات تجارة وتصدير دقيق وزيت السمك إلى الخارج.

ويكشف التحقيق أن التراجع الحاد في مخزون السردين والأسماك الصغيرة لم يكن نتيجة عوامل طبيعية فقط، بل جاء متزامنًا مع التوسع المتسارع في نشاط مصانع طحن الأسماك التي انشئت رسميًا لطحن مخلفات الأسماك، لكنها تحولت إلى مستهلك رئيسي للأسماك الطازجة وطحنها، خصوصًا السردين، حيث تستهلك يوميًا ما بين 50 و300 طن لكل مصنع، في وقت يقدّر فيه الطلب الكلي لهذه المصانع بنحو 1600 طن يوميًا، وهو ما يفوق قدرة البحر الطبيعية على التعويض.

ووفق توثيق التحقيق للتراخيص الاستثمارية وتقارير لجنة وزارية كلفت من وزارة الزراعة والثروة السمكية، فإن غالبية مصانع الطحن في حضرموت والمهرة تعمل بالمخالفة لشروط تراخيصها، سواء باستخدام الأسماك الطازجة بدل المخلفات أو بتجاوز الطاقة الإنتاجية المحددة رسميًا، حيث تصل الطاقة التشغيلية السنوية لهذه المصانع إلى ما يعادل ضعف الإنتاج الوطني السنوي من الأسماك.

كما يكشف التحقيق عن تركز لافت في ملكية مصانع الطحن، إذ تبين أن شركة إماراتية تسيطر على أربعة مصانع من أصل عشرة مصانع عاملة على امتداد الساحل بين حضرموت والمهرة، ما عزز من احتكار سلسلة التوريد ورفع الضغط على الصيادين المحليين وصغار مصنعي الأسماك.

وعلى مستوى التجارة الخارجية، تظهر الوثائق الرسمية التي حصل عليها معد التحقيق أن صادرات دقيق السمك بين عامي 2019 و2023 بلغت نحو 44.4 ألف طن بقيمة تقدر بـ66.6 مليون دولار، فيما بلغت صادرات زيت السمك خلال الفترة نفسها نحو 12.2 ألف طن بقيمة تقارب 36.6 مليون دولار، جرى تصديرها بتسهيلات رسمية، دون أن ينعكس ذلك على خزينة الدولة أو على تحسين أوضاع المجتمعات الساحلية.

ويحذر خبراء البيئة البحرية، وفق ما يورده التحقيق، من أن هذا النمط من الصيد الجائر والإنتاج الواسع أدى إلى استنزاف خطير للمخزون السمكي وتراجع أحجام الأسماك القابلة للتكاثر، نتيجة الصيد الجائر واستخدام وسائل صيد مدمرة للموائل البحرية، ما يهدد بتصحر بحري وفقدان دائم للتوازن البيئي. وفي مقابل هذه المعطيات، يرصد التحقيق تضاربًا في مواقف الجهات الحكومية بين قرارات إيقاف مصانع الطحن وأخرى تسمح باستمرارها «مراعاة للاستثمار»، وسط غياب فعلي للمساءلة، وهو ما ساهم في استمرار نشاط المصانع المخالفة رغم التحذيرات الرسمية.

ويخلص التحقيق إلى أن ما يجري لا يقتصر على مخالفات قانونية معزولة، بل يمثل تحولًا بنيويًا خطيرًا في إدارة الثروة السمكية في اليمن، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا لإيقاف المصانع المخالفة أو إعادة تنظيمها، وفرض رقابة صارمة على الصيد والإنتاج والتصدير، لحماية للبحر وحقوق الصيادين ومستقبل المجتمعات الساحلية.