دماج: مؤتمر جنوبي دون إطار وطني شامل يهدد بإعادة إنتاج الفشل
قال الأكاديمي والباحث السياسي اليمني الدكتور همدان دماج إن الدعوة إلى عقد مؤتمر جنوبي تمثل خطوة إيجابية ومهمة في سياق البحث عن مخارج سياسية للأزمة اليمنية، خصوصًا عقب الانهيار السريع وغير المتوقع لقوات المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة، غير أنه حذّر من الاكتفاء بمقاربة جنوبية ضيقة بمعزل عن السياق اليمني الأشمل.
وأوضح دماج، في مقال نشره عبر حسابه على منصة «إكس»، أن أي معالجة جزئية للقضية الجنوبية خارج إطار مؤتمر يمني شامل، ستؤدي على الأرجح إلى تكرار إخفاقات سابقة، مؤكدًا أن القضية الجنوبية يجب أن تُطرح ضمن مقاربة أوسع تعالج أزمة الشرعية نفسها، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمكوّنات المسلحة.
وأشار إلى أن الإشكالية لم تعد محصورة في مسألة انسحاب المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة، بل باتت تمس جوهر بنية السلطة الشرعية وتركيبتها المختلة، والتعايش القسري القائم بين مؤسسات يفترض أنها تمثل الدولة، وبين قوى مسلحة تعمل خارج منطقها وتفرض وقائع سياسية وأمنية بالقوة. واعتبر أن أي مبادرات أو مؤتمرات جزئية ستظل حلولًا مؤقتة ما لم يُعالج هذا الخلل البنيوي بشكل جذري.
ولفت دماج إلى أن الحديث عن العودة إلى ما قبل سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة لم يعد واقعيًا، خصوصًا بعد إعلان المجلس مشروعه السياسي المعروف بـ«الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي» خارج إطار الشرعية والدستور، معتبرًا أن استمرار المجلس في تبني مشروع مناهض للدولة اليمنية، مع بقائه في الوقت ذاته جزءًا من الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، يمثل ازدواجية خطيرة تقوض فكرة الدولة من أساسها.
وتوقف الباحث عند الدعوة الأخيرة الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي للمجلس الانتقالي بإنهاء القيود المفروضة على حركة المواطنين إلى عدن، معتبرًا أن هذه الدعوة، رغم أهميتها الأخلاقية، تكشف خللًا عميقًا في مفهوم السلطة، إذ لا يُفترض بدولة معترف بها دوليًا أن تطلب من مكوّن مسلح الكف عن انتهاك حقوق المواطنين، بل أن تكون هي الضامن الفعلي لهذه الحقوق والمطبّق لسيادة القانون.
وأكد دماج أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب الفصل الواضح بين الدولة والمكوّنات المسلحة، مشددًا على أن الخيارات يجب أن تكون واضحة: إما التعامل مع هذه المكوّنات كقوى خارج الشرعية بأدوات سياسية وقانونية محددة، أو دمجها الكامل داخل مؤسسات الدولة وإخضاعها للقانون دون استثناء. وحذّر من أن استمرار الوضع الرمادي القائم، حيث تكون المليشيا شريكًا في الحكم وخصمًا على الأرض في الوقت نفسه، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى واستنزاف ما تبقى من معنى للشرعية.
وختم دماج بالقول إن أي مسار جاد نحو السلام في اليمن لا يمكن أن يتجاوز هذه المسألة المركزية، معتبرًا أن إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة تعريف الشرعية نفسها، وفتح نقاش وطني شامل لا يتهرب من الأسئلة الصعبة المتعلقة بالسلطة والسلاح والدولة، وإلا فإن الدعوات والمؤتمرات ستبقى تدور في حلقة مفرغة، بينما يواصل المواطن اليمني دفع ثمن الانسداد السياسي والأمني.