في أحد شوارع عدن.. هاتف قديم أعاد الناس إلى بعضهم في العيد
في زاوية هادئة من أحد شوارع عدن، وُضع هاتف أرضي قديم فوق طاولة صغيرة، بلا إعلان تجاري ولا لافتة ضخمة، فقط عبارة قصيرة كُتبت بخط بسيط: "ارفع السماعة.. واتصل على شخص عزيز على قلبك". بدا الأمر غريباً في البداية.
كان المارة يقتربون بحذر، يبتسمون، يلتقطون الصور، ثم يغادر بعضهم قبل أن يعود مرة أخرى بدافع الفضول. لكن بعد دقائق، رفع أحد الشبان السماعة وأجرى أول اتصال. قال لوالدته البعيدة: "كل عام وأنتِ بخير"، ومن هناك، بدأت الحكاية.
رجل مسنّ تحدث مع صديق قديم لم يسمع صوته منذ سنوات، وطفل انفجر ضاحكاً وهو يردد تهنئة العيد لأخيه، بينما وقف آخرون ينتظرون دورهم وكأن الهاتف لا يوزّع مكالمات فقط، بل يوزّع شيئاً من الطمأنينة أيضاً.
المبادرة التي أطلقتها منصة "ناس عدن" على فيسبوك بدت بسيطة جداً، لكنها لامست شيئاً عميقاً داخل الناس.
صحيح أن فكرة "هاتف الشارع" موجودة في مدن كثيرة حول العالم، لكن في اليمن أخذت معنى مختلفاً تماماً؛ فهنا لا يعيش الناس نقص الخدمات فقط، بل يعيش كثير منهم شعوراً ثقيلاً بالمسافة والفقد والانقطاع.
في بلد فرّقت الحرب أبناءه بين المدن والمنافي، بدا الهاتف القديم وكأنه محاولة صغيرة لترميم شيء تصدّع طويلاً. لم تكن السماعة مجرد أداة اتصال، بل مساحة مؤقتة للحنين، وللأصوات التي تأخر وصولها، وللمشاعر التي لا تجد دائماً فرصة لتُقال.
ومع انتشار الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل، تحولت المبادرة إلى واحدة من أكثر لحظات العيد تداولاً وإعجاباً بين اليمنيين، الذين رأوا فيها تذكيراً نادراً بأن أبسط الأفكار قد تملك القدرة على إعادة البشر إلى بعضهم. ربما لم تغيّر السماعة القديمة واقع المدينة، لكنها نجحت، ولو لدقائق، في إعادة الدفء إلى أصوات أنهكتها المسافات.