نخبة الخارج: حين يصبح الراتب وطنًا بديلًا ..
إن أخطر ما يواجه القضية الوطنية ليس فقط سلاح المليشيات ولا فساد السلطة، بل ذلك الانفصام الفادح بين مأساة الداخل ورفاهية الخطاب القادم من الخارج؛ بين شعبٍ يطحنه الجوع والخوف وانهيار الدولة، ونخبةٍ تقيم في العواصم، وتتكلم عن الوطن من مسافة آمنة، بعد أن صارت إرادتها معلّقة بكشف راتب، أو مكرمة، أو منحة، أو دعوة سفر.
لقد تحوّل جزء واسع من نخبة الخارج إلى طبقة سياسية مؤجرة الوعي؛ تتبدل مواقفها بتبدل المموّل، وتعلو حماستها أو تخفت بحسب اتجاه المكرمة. لم تعد القضية عندها هي اليمن، بل مصدر الدخل. ولم يعد معيارها هو معاناة الناس، بل سلامة العلاقة مع هذه العاصمة أو تلك.
والمفارقة المؤلمة أن بعض هذه النخبة لا ترى بأسًا في راتب يأتي من عاصمة، لكنها تجرّم راتبًا يأتي من عاصمة أخرى؛ لا لأنها أكثر وطنية، بل لأنها تمارس الارتهان بانتقائية أخلاقية فاضحة. فهي تحلّل تبعيتها، وتحرّم تبعية غيرها، وتلبس العجز ثوب الحكمة، والصمت ثوب الواقعية، والارتزاق ثوب الدبلوماسية.
وهكذا صار الوطن محاصرًا بين نخبة خارجية مدجّنة بعطايا الأشقاء ومكارم الأعداء، ونخبة داخلية فاسدة تنهش ما تبقى من موارده. الأولى تفرّغ القضية من معناها، والثانية تفرّغ الدولة من مضمونها، وبينهما يقف الشعب وحيدًا، يدفع ثمن حرب لم يخترها، وقيادة لم تنقذه، ونخبٍ تتحدث باسمه وهي أبعد ما تكون عن وجعه.
إن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول النخبة من ضميرٍ للأمة إلى وسيطٍ للمصالح، ومن صوتٍ للناس إلى صدى للمانحين. وعندها لا يعود سقوط الوطن نتيجة مؤامرة خارجية فقط، بل ثمرة طبيعية لنخبةٍ باعت استقلالها، ثم أرادت من الشعب أن يصدق أنها ما زالت تملك قرارها ..
من حساب الكاتب في تويتر