الاشتراكي مات بذبح مبادئه وسقوط قادته!

محمد علي محسن

لم تكن الرغبة تدفعني يومًا للرد على من اعتبرتهم زملاء ورفاقًا وأصدقاء قبل أن يكونوا خصومًا. وإن اختلفنا، فالاختلاف سنة الله في خلقه، ولا معنى للحياة دون هذا التمايز في الفكر أو في أساليب التعبير عنه.

لكن الرفيق أحمد حرمل آثر أن يوجّه سهامه بالإساءة الشخصية، متنكرًا للنقد الموضوعي البنّاء لما كتبته حول "النخب السياسية وأخطاء الأمس". ومن هنا أجدني مضطرًا للتوضيح وتفنيد تلك الأباطيل التي نشرها في موقعه، وردي في السطور التالية:

يتغاضى حرمل باستمرار عن حقيقة أن رفاقه في الضالع هم من ذبحوا الحزب الاشتراكي، حين تبنّوا أفكارًا طارئة ودخيلة جرّدته من زخمه وحضوره، بل وضربت صميمه، وحالت دون ضخ دماء جديدة ومفاهيم متجددة في بنيانه وهيئاته، أو تصحيح مساره وأخطاء من يُفترض فيهم أن يكونوا طليعته.

يستنكر حرمل نقدنا لممارسات بعض القادة، وكأن الحزب الاشتراكي قادة وعقيدة مقدسة لا تخطئ. لكن الحقيقة أن أي حزب أو تنظيم ليس سوى كيان من الآراء والأفكار والمواقف والممارسات والهيئات، تبقى قابلة للنقد والتصويب. ورغم أن نقدنا من أجل الإصلاح لا الهدم، فإن البعض يتعامل مع أخطائه وكأنها مسلّمات لا تُمس.

لا ينكر أحد أن الحزب الاشتراكي قاد الجنوب نحو الوحدة، لكن عبر فصيل مناطقي ضيّق عُرف اصطلاحًا بـ"الطغمة"، فكان الثمن باهظًا. لقد وقع الحزب ضحية تفرد البيض بقرار التوحّد، وما كان السيد البيض ليقدم على قرار مثل هذا لولا أنه ضاق ذرعًا بتدخلات سافرة في صلاحياته ومهامه، حتى بلغت وقاحتهم حدّ التنصت على مكالماته ومراقبتها. وكل هذا حدث بفعل قادة عسكريين يعرفهم حرمل جيدًا.

ويُحسب لهم أنهم أجّجوا الأزمة السياسية وحشدوا لحرب صيف 1994 دون أن يكونوا في وضعية مكافئة لخوضها. ولعل ما حدث في عهد الانتقالي من تحشيد إلى عدن يذكّرنا بتظاهرة ميدان الصمود في مدينة الضالع قبل مأساة تلك الحرب، وكأن التاريخ يعيد نفسه، حدثًا أو مهزلة.

وهما شاهدان على سوء حظنا مع الأسفاف والنزق؛ فالأصوات العالية الهادرة اليوم هي ذاتها الأصوات الصاخبة في الأمس. من كارثة إلى مأساة، ولا يبدو أن هناك من يتعظ أو يدرك فداحة ما صنعوه.

وبينما شاركت هيئات الحزب العليا في ثورة 11 فبراير وفي مؤتمر الحوار الوطني، وقف تيار حرمل في الضالع ضد هذه الثورة، رغم أن غايتها كانت التغيير. ثم يضلّل العوام بالقول إننا لا نُمايز بين الحزب وبين الحراك أو الانتقالي.

بينما يدرك أبسط الناس حقيقة هذا الاندماج، وأنهم أشبه بثالوث متداخل بوجوه وهيئات وخطابات متعددة. كما رفضوا التصويت على الرئيس التوافقي هادي، والمفارقة أنهم اليوم يتغنّون بشرعيته بعد أن كانوا أشدّ المعادين لها، نكاية بالرئيس العليمي.

والأكثر من ذلك أنهم ظلوا متماهين مع الجماعة الحوثية، وما فتئوا يجاهرون بأن الحركة السلالية الكهنوتية أقرب إليهم، رغم التضحيات الجسام، ورغم احتفائهم بالتحرير وصلواتهم على جثامين الشهداء. فلا يراودهم أي شعور بالخزي وهم يقفون في خندق واحد مع بقايا نظام الرئيس المخلوع.

إنني أسأل الرفيق حرمل: أين الحزب الاشتراكي اليوم في محافظة الضالع؟ وأين هو في المحافظات التي سيطر عليها الانتقالي؟ الواقع أنه مات، أو قُتل، ولا فرق. فلم يبقَ منه سوى مقرات خاوية، إذ أصبح معظم قادته ضمن هيئات المجلس الانتقالي.

حتى مقر المنظمة في الضالع لم يعد يتردد عليه غير الشاعر الجميل محمد جعاش، ولا يُستذكر الحزب إلا عندما تقتضي الحاجة إصدار بيان يدعم الفوضى أو يساند قرارات مرتجلة أنانية، لا تليق بحزب وطني ولا بتاريخه ونضاله.

وزميلنا حرمل لا يتورع عن الجهر بانتمائه إلى مكوّن انتهازي لا علاقة له بالحزب ولا بهيئاته ولا بمبادئه. ويجب التفريق بوضوح بين الحزب الاشتراكي وبين تيار حرمل الانتهازي الذي تخلّى عن كل المبادئ من أجل مكاسب شخصية زائلة.

هذا المكوّن يضم أولئك الذين لم تبقَ لديهم عقيدة فكرية أو قناعات راسخة، بل حوّلوا الحزب إلى أداة للتكسب والمحسوبية والمناطقية الضيقة.

وبعد أن تسبّب حرمل ورفاقه في تدمير الحزب ودفن نظامه ومبادئه، ها هو يتذكر مقره وختمه عندما سقطت خياراته الضيقة وأصبح وجوده في خطر. فكان لا بد من عودة يحتمي بها ليسترد دورة نضالية من حيث كان مبتدؤها.

نعم، كان الأجدر بحرمل ومن هم على شاكلته أن يستقيلوا بشرف، ويتركوا الحزب لمن هم أكثر وفاءً لمبادئه الوطنية والإنسانية.

لقد كشفت المرحلة الأخيرة سقوطًا مدويًا لهؤلاء الذين ضلّلوا الناس زمنًا، بحملهم راية وطنية وإنسانية تشنف لها آذان الشعوب المقهورة، بينما هم في الحقيقة مجرد جماعات قروية مناطقية عابثة.

والحقيقة أنهم أدنى من تلك القيم والأفكار الثورية الأممية. فالاشتراكية والقومية والوطنية والإنسانية مبادئ وغايات أصيلة وعادلة، ومن المخجل حقًا رؤية راياتها وقادتها يتساقطون في وهاد المناطقية والجهوية.

لقد تحوّل الحزب الاشتراكي في أيديهم إلى جثة هامدة، يرفعونها كلما احتاجوا إلى شرعية زائفة أو غطاءً لممارساتهم المناطقية البائسة. لكن التاريخ لا يُخدع، والشعوب لا تُستباح إلى الأبد. سيأتي يوم يُرفع فيه الغبن، وتُكسر القيود، وتُستعاد الراية من أيدي العابثين.

وإلى أن يعود الاشتراكي ويُبعث من قبر حرمل ورفاقه الضالين، سيبقى صوتنا في عنان السماء، لعل هناك من الرفاق المخلصين القادرين على إزالة أكوام الأفعال الحمقاء المشوهة لتراثه وقيمه ورسالته.

وأيًا كان اختلافنا أو اتفاقنا مع ممارسات قادة أو هيئات الحزب، فإن الاشتراكية نظرية سياسية غايتها تحقيق مبادئ العدالة بين البشر، وإن اختلفت الرؤى والتأويلات أو تصادمت عند الممارسة.

وفي المحصلة، يظل الحزب والحزبية عمومًا أكبر من الأشخاص، وإن علت أسماؤهم في فضاءات الزيف والتضليل أو سقطت في مستنقعات الانتهازية.

حتمًا سيكتب التاريخ أنهم مجرد عابثين مرّوا على الحزب فخربوه ثم رحلوا، أو أنهم سيرحلون. فلن تبقى إلا الأفكار والأفعال الكبيرة. {فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}. وهو غثاء زائل، ويومًا ما سيُعاد الاعتبار للحزب وللراية والمبدأ والتاريخ والجغرافيا والناس.