عدن بين استحقاق التغيير وضرورة العدالة
تعيش مدينة عدن اليوم حالة من الترقب الشعبي لتغييرٍ حقيقي يعيد ترتيب الأوراق السياسية، ويضع حدًا لسنوات من المزايدات التي لم تنتج سوى المزيد من الأزمات وتفاقم الصراعات والعنف.
فقد سئم الناس الخطابات المتنافسة التي تتغذى على الانقسام أكثر مما تبحث عن حلول، وباتت الحاجة ملحة لمسار سياسي مختلف يعيد الاعتبار لفكرة الدولة ومؤسساتها.
في هذا السياق، يبدو أن الممكلة العربية السعودية تتعامل مع الدولة العميقة التي تشكلت بالمصالح خلال عشر سنوات، بسياسة النفس الطويل؛ مراقبةً للمشهد ومحاولةً لإدارته دون صدام مباشر.
ويرى بعض المراقبين أن هذه المقاربة تمنح بعض القوى فرصة للبقاء وإعادة ترتيب مواقعها، خصوصًا أولئك الذين تشكلت مصالحهم داخل ما بات يوصف بـ"الدولة العميقة" التي نشأت في ظل ظروف الحرب وبدعم من السعودية نفسها ،هذه الشبكات التي تمددت داخل مفاصل السلطة ليست مجرد ظاهرة سياسية عابرة؛ بل منظومة مصالح ارتبطت باتهامات بالفساد والانتهاكات وتغوّل النفوذ خارج إطار الدولة.
ومع مرور الوقت، تحولت بعض المؤسسات إلى أدوات لخدمة شبكات النفوذ بدل أن تكون أدوات لخدمة المجتمع. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعار ما لم تُفتح الملفات بجرأة ويُعاد الاعتبار للقانون.
لكن الطريق إلى الإصلاح الحقيقي لا يمر عبر الانتقام أو تصفية الحسابات، بل عبر مسار واضح لما يعرف في العلوم السياسية والقانونية بمفهوم العدالة الانتقالية ، حيث يشكل إنصاف الضحايا المدخل الأساسي لأي عملية إصلاح مؤسسي جاد.
فالعدالة الانتقالية تقوم على أربعة أركان رئيسية: أولًا: كشف الحقيقة
من خلال لجان مستقلة لتقصي الحقائق تكشف وقائع الانتهاكات، بما في ذلك قضايا الاحتجاز غير القانوني، وأماكن الاحتجاز غير المعلنة، وأنماط الاغتيالات السياسية إن وُجدت، مع اعتماد معايير الإثبات القانونية والشفافية الكاملة.
ثانيًا: المساءلة القانونية
إخضاع المتورطين — أفرادًا أو جهات — لإجراءات قضائية عادلة تضمن عدم الإفلات من العقاب، وفي الوقت ذاته تمنع تحويل العدالة إلى أداة للانتقام السياسي. ثالثًا: جبر الضرر للضحايا
من خلال التعويضات، ورد الاعتبار، والدعم القانوني والنفسي، وإعادة الحقوق إلى أصحابها بما يعيد الثقة بين المجتمع والدولة.
رابعًا: ضمانات عدم التكرار وذلك عبر إصلاح الأجهزة الأمنية، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتعزيز الرقابة المدنية، وبناء مؤسسات شفافة تحكمها القوانين لا مراكز النفوذ.
غير أن الإصلاح السياسي لا يمكن فصله عن البعد الاقتصادي والمؤسسي. فعندما تتحول المدن إلى مراكز جباية غير خاضعة للرقابة، وتتآكل فكرة الدولة لصالح شبكات النفوذ، فإن ذلك يعكس خللًا عميقًا في منظومة الحوكمة.
ولهذا يصبح من الضروري تبني مبادئ واضحة مثل الشفافية المالية، والرقابة المستقلة، ونشر البيانات العامة، وتدقيق الإيرادات، وفصل السلطات التنفيذية عن إدارة الموارد.
إن ما يتطلع إليه الناس في عدن اليوم ليس مجرد تغيير في الوجوه أو إعادة توزيع المناصب، بل تحول حقيقي يعيد بناء الثقة بين المجتمع والدولة.
فالإصلاح الذي لا ينصف الضحايا ولا يحاسب الفاسدين ولا يعيد الاعتبار للمؤسسات، سيظل مجرد إعادة تدوير للأزمة نفسها.
وحدها العدالة — لا الشعارات — هي التي تستطيع أن تفتح الطريق أمام مستقبلٍ مختلف لعدن، مدينةٍ ما زال أهلها يؤمنون بأن الدولة يمكن أن تعود، وأن القانون يمكن أن ينتصر.