إيران.. والتحدي المصيري!

مطهر الصفاري

تواجه إيران تحدياً مصيرياً يرقى إلى التهديد الوجودي، يستهدف بقاء نظامها السياسي المرتكز على "ولاية الفقيه" وما يمثله من مرجعية روحية وسياسية للشيعة في مختلف دول العالم، ويهدد أيضاً وحدة الدولة الإيرانية ومكوناتها العرقية. ولذلك فالتداعيات المحتملة اشبه بزلزال جيوسياسي تتجاوز تداعياته حدود جغرافية إيران.

بعد عقود من ترديدها الشعارات والهجاء اللفظي والتخادم الوظيفي المستتر -احياناً- مع الولايات المتحدة، وفشل استراتيجيتها "الردع بالوكالة" بواسطة حلفائها وأذرعها المسلحة بالمنطقة؛ وجدت إيران نفسها مرغمة على خوض مواجهة عسكرية مباشرة للمرة الثانية لطالما حرصت على تجنبها. فرغم الهجمات النوعية التي استهدفتها طوال السنوات الخمس الماضية، التزمت ردودها المنضبطة حفظ اعتبارها..

إن استهداف القيادة الإيرانية بزعامة المرشد الأعلى "خامنئي"، في مستهل المواجهة، بقدر ما شكل ضربة قوية للمنظومة الأمنية والسياسية الإيرانية، فقد هز الثقة داخل النخبة الحاكمة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاختراق إلى كبح القوى الدولية -كالصين وروسيا- التي تلتقي مصالحهما في إسناد النظام الإيراني لوجستيا، لإشغال واستنزاف الولايات المتحدة، خشية من تداعيات توسع النفوذ والوجود العسكري والاستراتيجي الأميركي المتنامي في آسيا.

النظام الإيراني الذي يشارف على إتمام نصف قرن (1978-2026)، يعاني من تراكم الأزمات البنيوية والوظيفية في مختلف المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وأبرز هذه التحديات تكمن في معضلة خلافة خامنئي واستحقاق انتقال السلطة من جيل الثورة الشائخ في ظروف استثنائية، وسط صراع محموم بين "الدولة العميقة" المحافظون المسيطرون على مؤسسات الثورة القوية والاصلاحيين في الحكومة، إضافة إلى التنافس البيني الحاد داخل معسكر المحافظين حول شخص المرشد القادم وملئ شواغر المناصب القيادية وإدارة المرحلة الوجودية على المستوين المحلي والخارجي.

رغم ضبابية المدى الزمني لهذه الحرب، إلا أنه من المؤكد أن هذه الجولة الثانية من المواجهات الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران ستفرض تحولاً في هيكلية النظام الإيراني وتوجهاته المستقبلية. وستعيد ترتيب موازين القوى الإقليمية والدولية وتحالفاتها في المنطقة بناء على نتائج الحرب.

تجمع هذه الحرب بين الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة وحليفتها، وبين الدوافع الشخصية لكل من ترامب ونتنياهو، ولتأكيد استمرارية الهيمنة الأمريكية وفرض واقع جديد تتجاوز تأثيراته حدود جغرافية إيران، وتأمين وتعزيز موقع الرئيسين في السلطة.

رغم طبيعة الحرب غير المسبوقة وأهدافها الكبيرة وتجاوزها لكافة الخطوط الحمراء، إلا أن "براغماتية" الأطراف والتجارب السابقة قد تفرض توقفاً مفاجئاً للعمليات العسكرية، خاصة إن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب "الحمال للأوجه" وأسلوبه المراوغ، وحرص القيادة الإيرانية الحفاظ على النظام والحد من الخسائر ومحاولاتها توسيع الحرب في دول الخليج لزيادة الكلفة الاقتصادية والأمنية إقليميا ودوليا للتعجيل بإيقاف الحرب؛ عوامل تبقي الباب موارباً لإعادة تعريف النصر ووقف التصعيد وفق صفقة لتسوية سياسية.