الحوثيون ومواجهة الواقع اليمني بعد مقتل خامنئي!

عبدالعزيز الأبارة

في اللحظة التي أُعلن فيها غياب علي خامنئي عن المشهد الإيراني في عام 2026، لم تكن طهران وحدها هي من حبست أنفاسها، بل كانت العواصم المرتبطة بمدارها الأيديولوجي تعيش لحظة الحقيقة المرة. فبالنسبة لجماعة الحوثي في اليمن، لم يكن النبأ مجرد رحيل حليف سياسي أو داعم عسكري، بل كان بمنزلة سقوط "السقف الاستراتيجي" الذي استظلت به الجماعة لسنوات، وبداية مرحلة من "اليُتم" الذي لا يمكن سد فراغه بوعود الخلافة المرتبكة في أروقة الحرس الثوري.

لقد قامت فلسفة الحوثيين في العقد الأخير على ركيزتين: الأولى مادية تتمثل في تدفق التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، والثانية معنوية ترتكز على "ولاية الفقيه" كمرجعية عليا تمنح مشروعية التحرك العابر للحدود، ومع غياب المرشد، تجد الجماعة نفسها أمام معضلة أيديولوجية كبرى؛ فالمشروع الذي سوّقته لقواعدها كجزء من "محور مقدس" بات اليوم يواجه شبح التفكك، حيث ستنشغل النخب الإيرانية في صراعات السلطة الداخلية، مما يجعل الأطراف البعيدة مثل صنعاء مجرد أعباء ثانوية في قائمة الأولويات الطهرانية الجديدة، وهذا الارتباك في المركز سينعكس بالضرورة على الأطراف في صورة شلل لوجستي تدريجي. 

وبالتالي فإن انقطاع سلاسل توريد قطع الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وتراجع الدعم الفني الذي كان يديره خبراء الحرس الثوري، سيحول "الترسانة الحوثية" إلى قطع خردة مع مرور الوقت إذا لم يتم تجديدها وتحديثها عبر غرف العمليات المركزية التي باتت تعاني من ضبابية القيادة، وهنا تبرز الخطورة الحقيقية؛ فالتاريخ يعلمنا أن الجماعات العقائدية حين تشعر بانكشاف ظهرها، غالباً ما تلجأ إلى الهروب إلى الأمام.

ومع مخاطر توسع رقعة المواجهات، قد يرى الحوثيون في الدخول في حرب شاملة أو استهداف الممرات الدولية بشكل انتحاري وسيلة لإجبار العالم على الاعتراف بهم كقوة مستقلة بعيداً عن الوصاية الإيرانية، أو ربما كمحاولة يائسة لخلط الأوراق الإقليمية وجذب انتباه الوريث القادم في طهران، لكن هذا الاندفاع غير المحسوب قد يكون القشة التي تقصم ظهر الجماعة؛ فالدخول في مواجهة مفتوحة دون غطاء سياسي دولي كانت توفره الدبلوماسية الإيرانية، ودون مدد عسكري مستدام، سيجعلهم وجهاً لوجه أمام اليمنيين والقوى الإقليمية في وضعية مكشوفة تماماً.

وفي نهاية المطاف، لا يمثل غياب خامنئي مجرد حدث عابر، بل هو اللحظة التي تجد فيها جماعة الحوثي نفسها وجهاً لوجه أمام مرآة الواقع اليمني بكل تعقيداته وقسوته؛ فبسقوط المظلة التي طالما وفرت لهم الحصانة من تداعيات مغامراتهم، ينكشف الغطاء عن جماعة باتت تفتقر للظهير الذي كانت تستند إليه لترهيب الداخل ومناورة الخارج، وهذا التحول القسري من دور الأداة الإقليمية الفاعلة ضمن أجندة طهران إلى طرف محلي معزول، يعني بالضرورة تآكل هوامش المناورة وضيق الخيارات إلى حدها الأدنى؛ إذ لم يعد أمام الجماعة سوى مفترق طريق حاسم: إما الرضوخ لتسوية سياسية واقعية تضع حداً لطموحاتهم التوسعية، أو الاستمرار في مقامرة عسكرية يائسة قد تسرّع بانهيار المشروع الحوثي من داخله تحت وطأة العزلة، قبل أن تنهيه الضغوط العسكرية من خارجه.