رمضان بين الغربة والوطن الجريح!
حين يقترب رمضان، لا يقترب وحده. تسبقه رائحة القهوة في البيوت القديمة، وصوت الأمهات وهنّ يعددن ما يلزم للمائدة، وضجيج الأسواق قبيل الغروب، ولمّة العائلة التي كانت تبدو أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى تفكير. لكن اليمني اليوم لا يستقبل الشهر كما كان يفعل؛ يستقبله بقلبٍ منقسم بين مكانين، ووجعين، وحقيقتين متناقضتين: غربةٍ تُنهكه شوقًا، ووطنٍ يُنهكه خوفًا وضيقًا.
المغترب اليمني، في أي مدينة بعيدة، يعيش اقتراب رمضان كاختبار عاطفي قاسٍ. ينظر إلى التقويم لا ليعد الأيام فحسب، بل ليقيس المسافة بينه وبين أمه، بينه وبين المائدة التي كان يجلس حولها مع إخوته، بينه وبين صلاة التراويح في مسجد الحيّ الذي يعرف فيه كل وجه. في الغربة يصبح الإفطار وجبة سريعة بعد ساعات عمل طويلة، أو صحنًا صغيرًا على طاولة صامتة. لا جار يطرق الباب بطبق شُربة، ولا أصوات أطفال تتراكض بعد الصلاة، ولا سهرات تمتد حتى السحور في أزقة مضاءة بطمأنينة بسيطة. يبتسم أمام زملائه، لكنه في داخله يختبر شعورًا بالاقتلاع، كأن جزءًا منه بقي هناك، في بيت قديم، في حارة يعرف حجارتها.
ومع ذلك، فإن وجع الغربة لا ينفصل عن وجع الداخل. فالمغترب لا يشتاق فقط إلى طقوس رمضان كما كانت، بل يخاف على أهله الذين يعيشون شهرًا مثقلًا بما لم يعرفه من قبل. في اليمن، لم يعد رمضان موسم وفرة روحية واجتماعية كما كان؛ صار موسم حسابات شاقة. كيف ستؤمّن الأسرة احتياجاتها مع وضع اقتصادي منهك؟ كيف تتحمل ضرائب إضافية وجبايات تثقل كاهل الفقراء؟ كيف تعيش أجواء الشهر في ظل قلق أمني لا يغيب؟ بين غلاء الأسعار، وانقطاع الرواتب، وتقلّب الأوضاع، يتحول الاستعداد لرمضان من فرح إلى عبء.
في بعض المناطق، تتدخل الميليشيات في تفاصيل الحياة اليومية، فتفرض قيودًا على المجتمع، وتضيّق على بعض الطقوس الاجتماعية والدينية، بما في ذلك تنظيم صلاة التراويح أو الأنشطة المصاحبة لها، وفق رؤيتها الخاصة. وحين يُضيّق على الناس في عبادتهم، يشعرون أن آخر مساحة آمنة في حياتهم تُنتزع. فالصلاة لم تكن مجرد أداءٍ لشعيرة، بل كانت لحظة لقاء وتطمين، مساحة يذوب فيها التعب اليومي في صفوف متراصة لا تميّز بين غني وفقير. حين تُسلب هذه المساحة، يصبح الشعور بالقهر أعمق من مجرد ضيق معيشي.
يقف اليمني إذن بين صورتين متقابلتين: مغتربٌ يردد في سرّه “ليتني بينهم ولو على شظف العيش”، ومقيمٌ يقول “ليتك تعلم ما الذي نعيشه هنا”. الأول يفتقد دفء العائلة وأمان الانتماء، والثاني يفتقد استقرار الحياة وطمأنينة الغد. الغربة تُتعب الروح لأنها اقتلاع، والوطن الموجوع يُتعب الروح والجسد لأنه حصار يومي للخوف والحاجة. وبينهما تتردد العبارة المؤلمة: يا غربة يا كُربة أهون من يا وطن يا كفن. ليست تفضيلًا بقدر ما هي حيرة؛ أيهما أهون على القلب: أن تبتعد وتنجو، أم تبقى وتغامر بكل شيء؟
ورغم هذا كله، لا يزال رمضان يكشف معدن الناس أكثر مما يكشف ضعفهم. فالمغترب، على قسوة بعده، يحرص أن يرسل ما يستطيع لأهله، لتكون تحويلاته شريان حياة في شهر تزداد فيه النفقات. والمقيم، على ضيق حاله، يصرّ أن يضع على مائدته ما تيسّر، وأن يجتمع بأسرته ولو في بيت صغير، وأن يتمسك بما تبقى من طقوس تحفظ له كرامته ومعناه. هناك عناد جميل في الروح اليمنية؛ قدرة على اختراع الفرح ولو كان بسيطًا، وعلى تحويل القليل إلى مناسبة للمشاركة.
رمضان، في النهاية، لا يصنع الألم بل يسلّط الضوء عليه. تتكثف فيه المشاعر، يشتد الشوق، ويعلو الدعاء. أمٌّ ترفع يديها لابنها البعيد، وابنٌ يختبئ خلف ابتسامة مطمئنة في اتصال هاتفي يخفي ما لا يريد أن يقلق به أهله. أبٌ يحاول أن يبدو قويًا أمام أسرته رغم خوفه من الغد، وأسرة تتشبث بما بقي لها من يقين. وبين كل هؤلاء يبقى السؤال معلقًا: متى يأتي رمضان لا يُضطر فيه اليمني إلى الاختيار بين البعد أو الفناء؟ متى يعود الشهر موسم طمأنينة خالصة، لا يخاف فيه المقيم، ولا يبكي فيه المغترب؟
حتى يحين ذلك اليوم، سيظل اليمني يصوم عن الطعام، ويصوم عن اليأس أيضًا. سيحمل وطنه في قلبه أينما كان، ويحمل أمله رغم كل الانكسارات. فالوطن، مهما أثقلته الجراح، يبقى فكرة لا تموت، والغربة، مهما طالت، لا تستطيع أن تقتل الحنين. وبين الكُربة والكفن، يظل الإنسان يبحث عن حياةٍ تليق بكرامته، وعن رمضان يعود يومًا كما كان: شهرًا للسكينة، لا امتحانًا للبقاء.