حشود الانتقالي والقضية الجنوبية
لا نحتاج أن نزايد على بعضنا في القضية، فلكلٍ منا رؤيته حول مخارجها، ولكل اجتهاده في تشخيص الطريق نحو الحل. المزايدة لا تبني مشروعًا، ولا تصنع واقعًا أفضل، بل كثيرا ما تتحول إلى جدار نفسي يمنع النقد والمراجعة. ما تحتاجه القضايا الكبرى هو نقاش صريح، وتقييم موضوعي، واستعداد شجاع للاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن انتصارات خطابية.
في هذا السياق، يبرز الجدل حول أداء المجلس الانتقالي وسلوكه السياسي في المرحلة الأخيرة، خصوصًا ما يتعلق بالحشود الجماهيرية التي يتم تنظيمها ونقلها من منطقة إلى أخرى لإثبات الحضور والتأثير.
هذه الظاهرة في العلوم السياسية ليست دليل قوة بقدر ما هي — في كثير من الحالات — إشارة قلق. فالكيانات الواثقة من رسوخها الشعبي لا تحتاج إلى إثبات متكرر لوجودها عبر الاستعراض، بل عبر النتائج الملموسة في حياة الناس.
الاستعراض الجماهيري أداة سياسية مشروعة من حيث المبدأ، لكن قيمتها تتحدد بالسياق: هل هي تعبير تلقائي عن رضا شعبي؟ أم تعبئة موجهة لحماية موقع سياسي يتعرض للاهتزاز؟ هنا يصبح السؤال مشروعا، ليس بدافع الخصومة، بل بدافع التقييم.
على مدى سنوات، حظي الانتقالي بدعم سياسي وعسكري من قوى إقليمية فاعلة مثل التحالف العربي، إضافة إلى نفوذ ميداني وإداري ومصادر إيراد متنوعة.
هذا الحجم من الفرص كان كفيلًا — نظريًا — بإنتاج نموذج إداري وخدمي مختلف، أو على الأقل أفضل نسبيا. لكن فجوة الثقة التي ظهرت في قطاعات من المجتمع تشير إلى أن المخرجات لم تكن بمستوى التوقعات، وأن أدوات الإدارة لم تتطور بما يكفي.
المشكلة في مثل هذه الحالات لا تكون في الكيان فقط، بل في الشبكات التي تتكون داخله بمرور الوقت: شبكات مصالح، ومراكز نفوذ، وطبقات مستفيدة من بقاء الوضع كما هو. عندها يتحول الدفاع عن “المشروع” إلى دفاع عن “المصالح”، ويتحول الحشد من فعل سياسي إلى مظلة حماية.
التحولات السياسية القادمة — أيًا كان شكلها — تقوم على مفاهيم مختلفة: الشراكة بدل الاحتكار، والمؤسسية بدل الشخصنة، والشفافية بدل الغموض. أي فاعل سياسي يريد أن يكون جزءا من المستقبل يحتاج إلى تحديث خطابه وأدواته، لا تكرار نفس الرسائل ونفس الوسائل.
القضية ليست في بقاء قيادة بعينها — مثل عيدروس الزبيدي — أو رحيلها، بل في قدرة الكيان على التحول من إطار تعبوي إلى مشروع حكم رشيد. فالمشاريع السياسية لا تسقط فقط بسبب خصومها، بل بسبب عجزها عن التطور الداخلي.
المراجعة الصادقة ليست هزيمة، بل شرط بقاء. والتغيير من الداخل أقل كلفة من السقوط من الخارج. ومن يرفض تحديث نفسه، سيجد نفسه — مهما طال الزمن — خارج لحظة التحول.