بين ثورة 11 فبراير كمشروع دولة… وانقلاب 21 سبتمبر كمشروع هدم
صنعت ثورة 11 فبراير مرحلة غير مسبوقة في تاريخ اليمن الحديث، إذ شهدت البلاد سنوات من الاستقرار النسبي، والحوار الوطني، وثبات العملة، وعودة الاستثمار، وتشغيل الموانئ، وتوظيف الشباب، وتثبيت المتعاقدين، وتوسيع المشاركة السياسية دون إقصاء.
كانت الدولة، رغم هشاشتها، تسير في طريق البناء، وكان الأمل ممكنًا، والمستقبل قيد التشكل.
لكن ما سُمّي لاحقًا بـ"مخلفات نظام عفاش" انقضّ على كل ذلك، فهدم المعبد على رؤوس الجميع. وجاء انقلاب 21 سبتمبر 2014 ليشكّل ثورة مضادة مكتملة الأركان، وليكون المصدر الرئيسي لكل الأزمات التي يعيشها اليمن اليوم سياسيًا واقتصاديًا ومعيشيًا.
حين تحالف عفاش مع الحوثي للانقلاب على الدولة والجمهورية، لم يكن ذلك خلافًا سياسيًا عابرًا، بل طعنة في قلب مشروع الدولة. وفي تلك اللحظة الفاصلة، كان شباب فبراير هم حراس الجمهورية والمدافعين الحقيقيين عن الدولة ومؤسساتها في وجه الانقلاب، بينما اختار آخرون طريق الهدم والارتهان.
لم يكن الانقلاب مجرد استيلاء بالقوة على السلطة، بل كان انقلابًا شاملًا على أهداف ثورة 11 فبراير، وعلى مخرجات الحوار الوطني التي مثلت أوسع توافق يمني، ورسمت ملامح مستقبل جديد يقوم على الشراكة والعدالة والدولة المدنية الحديثة. لقد أطاح الانقلاب بكل ذلك، واستبدل مشروع الدولة بمشروع السلالة، والحوار بمنطق القوة، والمواطنة بالتمييز.
ومنذ 21 سبتمبر 2014 دخلت اليمن نفقًا مظلمًا لم تخرج منه حتى اليوم: انهيار اقتصادي غير مسبوق، تدهور معيشي خانق، تآكل مؤسسات الدولة، تعطيل التنمية، واتساع رقعة الفقر والمعاناة. لم ترَ اليمن النور منذ ذلك الانقلاب، ولا يزال ثمنه يُدفع من دماء اليمنيين وأرزاقهم ومستقبل أجيالهم.
وأمام هذا الواقع الكارثي الذي صنعه الانقلاب، فإن الخروج من النفق المظلم لن يكون بالترقيع أو التعايش مع الأمر الواقع، بل باستعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب، والعودة الجادة إلى مبادئ وأهداف ثورة 11 فبراير، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي وضعت خارطة طريق واضحة لإنهاء الاستبداد وبناء دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها.
إن تحقيق أهداف ثورة 11 فبراير وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني ليس ترفًا سياسيًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة مصيرية لإنقاذ اليمن من الدمار الشامل الذي جرّه عليه الانقلاب، ولإعادة الاعتبار للجمهورية، وبناء مستقبل يليق بتضحيات اليمنيين.