إدارة المرحلة في اليمن هواجس الشارع واختبار القيادة
بين عاطفة شارع مثقل بالألم، وحكمة دولة تبحث عن الاستقرار، تبرز تساؤلات مصيرية لا يمكن تجاوزها. كيف نوازن بين ضرورة الاستيعاب السياسي لتثبيت الأمن، وبين حق الضحايا في العدالة ومنع الإفلات من العقاب؟ وكيف نضمن ألّا يتحول مفهوم تأليف القلوب إلى غطاء لإعادة تدوير الفساد أو تبييض الأخطاء؟
الإجابة تكمن في ثلاثة مسارات متلازمة لا غنى لأحدها عن الآخر. استيعاب سياسي بفقه الضرورة يراعي تعقيدات المرحلة دون تفريط بالثوابت، ومسار حقوقي يستند إلى آليات العدالة الانتقالية يُنصف الضحايا ويصون الذاكرة الوطنية، ومسار سيادي تقوده قيادات نزيهة يخضع لرقابة مؤسسية ومجتمعية يقِظة.
المخاوف التي يعبّر عنها الشارع اليمني ليست مناكفات سياسية، بل صرخة ذاكرة جماعية مثقلة بالألم. فمن الصعب على الوعي العام تقبّل مشهد تصدّر بعض من ارتبطوا بأخطاء الماضي واجهة المرحلة الجديدة. وتمثل هذه الحالة ما يمكن تسميته بضريبة الانتقال، مع ضرورة استحضار البعد الإنساني؛ فالإنسان قد يخطئ أو يغفل. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ردم الفجوة بين تطلعات الناس إلى القصاص العاجل ومتطلبات الاستقرار المستدام التي تفرضها اللحظة السياسية الراهنة.
عند فتح مكة قدّم الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم درس في إدارة الصراعات بقوله اذهبوا فأنتم الطلقاء. لم يكن ذلك محوا للجريمة أو تجاهلا للمسؤولية، بل حماية للمستقبل. فاجتثاث الخصوم يولّد حروبا لا تنتهي، بينما تحويلهم إلى شركاء في بناء الدولة يفتح أفق الاستقرار. وهو النهج ذاته الذي سلكه الخلفاء الراشدون عقب حروب الردة حين قُدّمت مصلحة الأمة على نوازع الانتقام.
لكي لا يتحول الاستيعاب السياسي إلى مصدر قلق أو تهديد، لا بد من تفعيل منظومة الرقابة المؤسسية الموازية للسلطة التنفيذية. ويشمل ذلك استعادة مجلس النواب لدوره الأصيل في الرقابة والمساءلة، وتمكين السلطة القضائية بوصفها ميزان العدل والملاذ لحماية الحقوق والبت في المظالم، وتفعيل الأجهزة الرقابية لضمان الشفافية وحماية المال العام، وتعزيز دور المجتمع المدني كركيزة للرصد والتقويم والضغط الشعبي الواعي.
بهذا التكامل المؤسسي نضمن وجود مكابح قانونية فعّالة تمنع التجاوزات، وتحقق توازنا راقيا في الحياة السياسية وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
بناء الدولة اليمنية لا يقوم على الإقصاء، فالإقصاء وقود الانفجارات المستقبلية. غير أن الاستيعاب لا يعني الإفلات من العقاب أو القفز على الحقوق. والنجاح مرهون بحسن اختيار قيادات مهنية نزيهة تمتلك الصرامة الأخلاقية والكفاءة الإدارية، وتُمنح صلاحيات واضحة للإشراف والتقويم والرقابة بشفافية، استنادا إلى مخرجات الحوار الوطني الشامل.
ألم اليمنيين حقيقي، ومطالبهم بالعدالة والنزاهة تمثل جوهر الدولة الرشيدة. غير أن بناء الأوطان يتطلب أحيانا التفاوض مع الجميع لتأمين مستقبل الأجيال القادمة، على أن تبقى يد القانون هي العليا، وتظل العدالة البوصلة التي لا تنحرف.