الدولة ليست غنيمة: حين تتشابه السلطات وتختلف الرايات
في كل منعطف سياسي تشهده البلاد، يتكرر المشهد ذاته بلا تغيير يُذكر:
قوة منتصرة، مدعومة إقليميا أو خارجيا، تبسط نفوذها، تستولي على الحكم، ثم تبدأ فورا بإحكام قبضتها على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، متعاملة معها كغنائم حرب لا كملك عام.
النقابات، والاتحادات المهنية، والجمعيات المدنية، كانت دائمًا أول الضحايا. تُصادَر مقراتها، تُفرَض عليها هيئات جديدة، وتُعاد هندستها بما يخدم السلطة الجديدة، لا أعضاءها ولا رسالتها.
هكذا فعل الحزب الاشتراكي، وهكذا سار المؤتمر الشعبي العام، واليوم يمارس المجلس الانتقالي السلوك ذاته.
الاختلاف في الأسماء والشعارات، أما العقلية فواحدة: الاستحواذ على السلطة والثروة باسم القضية. المبنى الذي يدّعي المجلس الانتقالي أنه ملك “اللجنة العمومية” مثال فاضح على هذا النهج.
هو مبنى دولة، شُيّد ليكون وزارة للتخطيط والتعاون الدولي، ثم تحوّل في مراحل لاحقة إلى مقر للحزب الاشتراكي اليمني، وبعد حرب 1994 أصبح مكتبًا لمحافظ عدن، ثم مقرًا للمؤتمر الشعبي العام، وأخيرًا استولى عليه المجلس الانتقالي ليجعله مقرا للجنة مُعيّنة بقرار فردي، لا علاقة لها بأي تمثيل حقيقي أو شرعية نقابية، ولا تمتّ بصلة لما يُروّج له كـ“برلمان جنوبي”.
اليوم، ومع الحديث عن إعادة تموضع أدوات الدولة، يبرز استحقاق لا يقبل المراوغة:
إعادة مؤسسات الدولة إلى طبيعتها القانونية، وإرجاع مقرات مؤسسات المجتمع المدني إلى أصحابها الشرعيين. نقابات عمال عدن، والاتحاد العام لعمال اليمن، ونقابات الحقوقيين والصحفيين، وسائر الاتحادات المهنية، هي مؤسسات معترف بها عربيًا ودوليًا، ولا يجوز لأي مكون سياسي، مهما كانت شعاراته، أن يصادرها أو يتحدث باسمها.
كما يجب أن تعود كل مباني الدولة المنهوبة، وفي مقدمتها مبنى المحافظة، وأن تتوقف حكاية “المكون الذي يمثل الجميع”، وهي الحكاية التي استخدمتها كل السلطات السابقة لتبرير الاستحواذ والتسلط.
الأمر لا يقف عند المباني الرسمية فقط، بل يشمل أيضا الأراضي والممتلكات العامة والخاصة التي نُهبت تحت غطاء النفوذ والقوة. فالدولة لا تُبنى بمنطق الغلبة، ولا تُدار عدن بمنطق الأمر الواقع.
لقد آن الأوان لإنهاء مرحلة فرض السلطة بالقوة، وإنهاء شرعية السلاح والتحريض والحشد، والانتقال إلى شرعية القانون والحق العام.
فلا وطن يتعافى مع استمرار الظلم، ولا مدينة تستعيد دورها وهي مُختطفة بين سلطات تتشابه في الممارسة وتختلف في الرايات.
إذا أردنا لعدن أن تتعافى، وللوطن أن ينهض، فلا طريق سوى واحد: إحقاق الحق، ووقف الباطل مهما كان فاعله، وإعادة كل شيء إلى مالكه الشرعي.