الحكومة القادمة بين استعادة الدولة وإعادة تدوير الفشل

عبدالمجيد عكروت

مع اقتراب الإعلان عن تشكيل حكومة يمنية جديدة، يعود إلى الواجهة سؤال جوهري ظل حاضرًا طوال السنوات الماضية: هل سيكون هذا التشكيل خطوة باتجاه استعادة الدولة، أم مجرد محاولة جديدة لإدارة الأزمة بالحد الأدنى، دون معالجة أسباب الفشل المتراكم؟

إن جوهر الإشكالية لا يكمن في شكل الحكومة أو عدد أعضائها، بل في طبيعة المشروع الذي تحمله. فالدولة، خصوصًا في سياق النزاعات المعقدة، لا يمكن أن تُدار بعقليات مزدوجة أو مواقف متناقضة. وأي مسؤول تنفيذي لا يُظهر التزامًا واضحًا برمزية الجمهورية اليمنية، واحترامًا صريحًا لمؤسساتها الدستورية، يساهم  بشكل مباشر أو غير مباشر  في تآكل مفهوم الدولة، ويضعف قدرتها على فرض حضورها السياسي والقانوني في الداخل والخارج.

وفي هذا الإطار، يظل الموقف من مليشيات الحوثي معيارًا حاسمًا لقياس جدية أي حكومة قادمة. فالجماعة، بحكم نشأتها وممارساتها، تمثل مشروعًا مناقضًا لفكرة الدولة الوطنية، وهي ليست مجرد طرف سياسي يمكن احتواؤه بخطاب ملتبس أو تسويات لغوية، وعدم الوضوح في توصيف هذا التحدي، أو محاولة تقديمه بلغة محايدة، ينعكس سلبًا على موقف الدولة اليمنية في المحافل الدولية، ويُربك مساعيها للحصول على دعم سياسي وقانوني مستند إلى الشرعية.

إلى جانب ذلك، تفرض التطورات الأخيرة في المناطق الشرقية من اليمن نفسها كعنصر اختبار إضافي لمفهوم السيادة ووحدة القرار. فالتعامل مع حالات التمرد على السلطات الرسمية، أو مع إضعاف دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، بوصفها قضايا محلية معزولة، يتجاهل آثارها الاستراتيجية على بنية الدولة. إن السماح بتعدد مراكز القرار، أو تسييس المطالب المجتمعية خارج الإطار الدستوري، يفتح المجال أمام نماذج حكم الأمر الواقع، ويقوض أي حديث جاد عن دولة واحدة قادرة على بسط نفوذها على كامل أراضيها.

ولا يقل خطورة عن ذلك استمرار تغلغل المشاريع السياسية ذات الطابع الجغرافي أو المناطقي الضيق، التي تُقدَّم أحيانًا بوصفها انعكاسًا لـ«الخصوصيات المحلية». فالتجربة اليمنية، كما تجارب دول أخرى في مراحل انتقالية مشابهة، تُظهر أن تحويل الخصوصيات إلى مشاريع سياسية مستقلة عن المركز لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من التفكك والتنافس على الموارد والسلطة، ومن هنا، فإن أي وزير أو مسؤول يأتي إلى موقعه وهو يحمل أجندة جزئية، بدلًا من رؤية وطنية شاملة، لن يكون قادرًا على الإسهام في إعادة بناء الدولة.

كما أن البعد الخارجي يظل عنصرًا لا يمكن تجاهله في تقييم أداء أي حكومة يمنية فاليمن، بحكم موقعه وتشابك أزمته، يحتاج إلى علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي، قائمة على الشراكة لا التبعية. غير أن هذه العلاقات تفقد معناها حين تُدار عبر قنوات غير رسمية، أو حين يُسمح بوجود قوى مسلحة ومشاريع سياسية تعمل خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية. إن غياب موقف حكومي واضح من هذه الإشكالية يضعف السيادة، ويُبقي القرار الوطني رهينة لتوازنات خارجية متغيرة.

إن إعادة تشكيل الحكومة، من دون حسم هذه القضايا البنيوية، لن تمثل قطيعة حقيقية مع الماضي، بل ستعيد إنتاج ذات الإشكالات بصيغ جديدة. فالتجربة أثبتت أن الحكومات التي تُبنى على التوازنات المؤقتة، أو على تجنب الخلافات بدل معالجتها، سرعان ما تفقد قدرتها على الفعل، وتتحول إلى مجرد أداة لإدارة الأزمة لا لإنهائها.

في ضوء ذلك، يصبح نجاح أي حكومة قادمة مرهونًا بقدرتها على تقديم نفسها بوصفها سلطة تنفيذية واضحة المشروع، متماسكة الخطاب، ومتماهية مع مفهوم الدولة الواحدة ذات السيادة الكاملة. فدون هذا الوضوح، سيبقى التغيير شكليًا، وستظل الدولة اليمنية تدور في حلقة مفرغة من إعادة التشكيل دون إعادة البناء.