بين عدن وسنغافورة ومحمد الحبشي

مصطفى الشامي

تُشير المصادر اليونانية والرومانية التي وثّقت بدايات النشاط التجاري في مدينة عدن إلى أن ميناءها كان نشطًا تجاريًا قبل القرن السابع الميلادي على الأقل، كما تُظهر ذلك خرائط طريق البخور والتوابل. فقد كانت عدن محطة رئيسية لتجارة البخور واللبان اليمني، وللتوابل القادمة من الهند وجنوب شرق آسيا، وارتبطت الخزينة اليمنية آنذاك بأسواق روما والهند وشرق أفريقيا.

وتواصلت هذه الحركة التجارية عبر العصور، واستمرت حتى قيام الدولة الإسلامية، حيث شهد ميناء عدن ازدهارًا ملحوظًا في العهود الأموية والعباسية، ثم في العهدين الأيوبي والرسولي، وكان في تلك الفترات من أغنى موانئ العالم.

أما في العصر الحديث، فقد تحولت عدن إلى أحد أهم موانئ التزوّد بالوقود عالميًا، وأصبحت في فترة من الزمن ثاني أكبر ميناء للفحم بعد نيويورك، ومحطة حيوية على طريق التجارة بين الهند وأوروبا.

هذا الإرث التجاري والتاريخي الهائل، الممتد لآلاف السنين، كان من المفترض أن يصل إلى حاضرنا هذا مزدهرًا، نابضًا بالحياة، ومصدرًا للرخاء والاستقرار. كان من المفترض أن يصل جيلنا إلى هذه الأيام ونحن نعيش وفرة في مختلف جوانب الحياة كنتيجة طبيعية لما تحظى به كل اليمن من موارد وثروات وموقع جغرافي بالغ الأهمية، غير أن الواقع جاء مغايرًا؛ إذ آل هذا الإرث إلى أيادٍ مهترئة، غارقة في الفساد والرشوة، ومثقلة بثارات شخصية ومناطقية ولا تملك أي رؤية اقتصادية للأجيال اليمنية، ما أدى إلى ضياع ما راكمه اليمنيون عبر قرون طويلة. أدى هذا الفشل في السياسة وسوء الإدارة لأن تكون عدن في مرمى الأطماع الدولية والإقليمية والعربية، حيث تمكنت دولة الإمارات العربية المتحدة وعن طريق دفع أموال باهضة قدمتها رشوة للحكومة أنداك في أيام حكم الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح وتمكنت من تحييد الميناء وتعطيله عبر اتفاقات سرية جرت في ذلك الوقت. وفي الفترة التي أعقبت انهيار الدولة وسقوطها في أيادي الميليشيات التابعة للحوثيين، فقد تحولت عدن إلى ساحة صراع، وانعدام للأمن، وتفشٍّ للأمراض، واتساع رقعة الفقر والبطالة، وأصبحت خاضعة لمجاميع مسلحة لا تخضع للقانون ولا تعترف بسلطة الدولة، ما أدى فعليا إلى إخراج عدن من خارطة التجارية الدولية وشلّ الحركة التجارية البحرية بمختلف أشكالها.

لقد شكّلت هذه الأحداث، واحدة من أخطر المؤامرات التي استهدفت حياة اليمنيين واقتصادهم وسمعتهم، بتمويل ودعم واضحين من دولة أبو ظبي. وخلال العشر السنوات الماضية كانت هي اللاعب الرئيس في عدن عبر الأذرع العسكرية والأمنية التي قامت بإنشائها ودعمها بمختلف الأسلحة لإكمال السيطرة ميدانيا على الموانئ والمنشآت الحيوية وامتدت الأطماع حتى شملت الجزر والمطارات وحتى المنشآت النفطية اليمنية التي أنشأتها باتفاقات دولية مع شركات عالمية.

هكذا صار الواقع الذي وصلت إليه لؤلؤة المحيطات "عدن" ورغم كل ما تملكه إلا أنه حين يصل إلى الحكم من لا يتصف بالمسؤولية ولا يعترف بالقانون ولا يمتثل للنزاهة والشفافية تكون هذه هي النتائج وتصبح بلده فريسة لكافة الأطماع.

في المقابل، وقبل نحو ستين عامًا، كانت هناك قطعة جغرافية تُدعى سنغافورة، لا تزيد مساحتها عن مساحة مدينة عدن، تقع بين دول النمور الآسيوية، وكانت جزءًا من ماليزيا. وفي عام 1965، قرر البرلمان الماليزي فصل سنغافورة، وطُرد ممثلوها، وعلى رأسهم لي كوان يو، الرجل الذي سيُخلَّد اسمه لاحقًا في تاريخ بلاده.

لم تكن سنغافورة تمتلك أي موارد طبيعية تُذكر: لا نفط، ولا غاز، ولا ثروات معدنية، ولا قاعدة اقتصادية راسخة. عانت من معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة، ومن تعددية عرقية وإثنية كانت تُعد عامل تفجير داخلي، فضلًا عن إرث طويل من الاستعمار. ووفق منطق ذلك الزمن، لم تكن مهيأة حتى لقيام شبه دولة.

غير أن الإرادة السياسية الصلبة، وتضافر العزائم، جعلا ذلك المستحيل يذوب ويتلاشى، ليتحول الحلم إلى واقع مشهود.

وخلال ثلاثة عقود فقط، استطاعت سنغافورة، عبر إصلاحات عميقة وجهود متواصلة، أن تصبح ثالث مركز مالي في العالم بعد نيويورك ولندن. قاد لي كوان يو وفريقه إصلاحات جذرية في التعليم والأمن، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لنهضة اقتصادية شاملة. وتم تجريم الفساد بصرامة، وفرض التعليم بقوة القانون، وسُنّت تشريعات وغرامات صارمة أحدثت تحولًا جذريًا في بنية الدولة والمجتمع.

اليوم، تضم سنغافورة أكثر من 600 ألف شركة، من بينها نحو 7 آلاف شركة عالمية كبرى مثل آبل ومايكروسوفت ومرسيدس. كما تحتضن 15 جامعة مصنّفة ضمن أقوى المؤسسات التعليمية عالميًا، إضافة إلى أكثر من 200 مركز بحثي في المجالات العلمية والتقنية. وتُعد من أكثر دول العالم أمنًا، فيما يُصنَّف دخل الفرد فيها من بين الأعلى عالميًا.

إن ما تحقق في سنغافورة تطول قائمته، ويصعب حصر أرقامه، وما ذُكر هنا كافٍ ليدرك القارئ حجم التحول الذي أنجزه هذا البلد في فترة زمنية قصيرة. وهو ما يفتح باب المقارنة والتساؤل عمّا كان يمكن أن تحققه مدينة عدن، لو جرى استثمار ما تملكه من موارد طبيعية وبشرية، وموقع جغرافي يُعد من الأهم في العالم.

إن التأمل في تجربة سنغافورة، ومقارنتها بواقع عدن، يثبت يقينًا أن النهضة لا تقوم على الموارد وحدها، بل على الإرادة السياسية، والإصلاح الحقيقي القائم على العدل والمساواة وسيادة القانون. فكم من دول تُصنَّف بين الأفقر عالميًا رغم وفرة ثرواتها، كما هو الحال في بعض دول أفريقيا؛ إذ تُعد الكونغو من أغنى دول العالم بالمعادن، ومع ذلك تُصنَّف ضمن الأسوأ من حيث الأمن ومستوى المعيشة.

لقد أُتيحت لعدن فرص كثيرة لتكون منارة إقليمية وعالمية، وأن تنافس كبرى مدن العالم بما تملكه من مقومات، غير أن الإرادة المرتعشة، والقرار المتردد، والعجز عن المضي في طريق الإصلاح، حالت دون ذلك. واليوم تقف عدن وكل اليمن أمام واحدة من أعظم الفرص عبر التأريخ بعد التدخل الجاد والكريم والكبير الذي قامت به جارة اليمن الكبرى "المملكة العربية السعودية" للقضاء على كافة المشاريع التي كانت تستنزف جنوب اليمن وللحد من العبث بمقدرات وخيرات البلاد وعرقلة مسيرة التنمية في كل المحافظات المحررة من قبل تلك الكيانات وداعمها الرئيس في أبو ظبي. بمقدور عدن اليوم أن تستعيد ألقها مرة أخرى وأن تنافس في الميادين العالمية بقوة إذا ما تظافرت تلك الجهود التي يقدمها أشقاء اليمن والدور الحكومي والرسمي لبلادنا. ستخرج اليمن من محنتها وستعود عدن ثغر باسما لكل اليمن وقبلة تجارية لكل العالم.

أما محمد الحبشي فهو ابن حضرموت الذي قررت أسرته في وقت مبكر الهجرة خارج اليمن كما هو الحال مع كثير من التجار الحضارم الذين قادتهم ظروف الأنشطة التجارية إلى بلدان كثيرة وبالأخص دول شرق آسيا، فقد استقر المقام بمحمد الحبشي وأسرته في سنغافورا حيث ترعرع فيها وتعلم حتى تخرج من الجامعة وكان من نصيبه أن ارتبط بعاملة النظافة حليمة يعقوب والتي أصبحت في العام 2023 رئيسة لسنغافورا وأصبح محمد الحبشي هو زوج رئيسة واحدة من أقوى اقتصاديات العالم. لقد تمكن محمد الحبشي من الوصول بزوجته لسدة الحكم في ذلك البلد، فهل كان سيحظى بمثل ما حظي به هناك لو أنه قرر البقاء في اليمن أو انتقل إلى عدن؟!!